الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

وماذا عن “اليوم التالي” فلسطينياً وعربياً؟

أسامة أبو ارشيد *

يتحدّث الجميع، إسرائيليون وأميركيون وبعض أوروبيين وبعض عرب، وحتى فلسطينيون محسوبون على السلطة، عن “اليوم التالي” في قطاع غزّة بعد أن تُهزم المقاومة الفلسطينية التي يُمَنِّي كثيرون من هؤلاء أنفسهم بها. طبعاً، لكل منهم أجنداته وحساباته التي قد تتقاطع أو تتناقض مع أجندات وحسابات آخرين بينهم، وهم في جُلِّهم يضمرون (أو يعلنون) رغبتهم في أن تقضي إسرائيل على حركة حماس وتسحقها، حتى لو كان ثمن ذلك ارتكاب أبشع جرائم الإبادة وأحطّها بحقّ الشعب الفلسطيني الأعزل وتدمير قطاع غزّة عن بكرة أبيه. وإذا ما استثنيا الأطراف الإسرائيلية والأميركية والأوروبية التي لها مصلحة ظاهرة في انتصار إسرائيلي مدوٍّ وإعادة تشكيل خريطة قطاع غزّة المقاوم الذي يمثل شوكة في خاصرة الدولة العبرية، فإن بعض المواقف الفلسطينية والعربية الرسمية تعبّر عن سفاهة وقصر نظر، ولكن عن سبق إصرار وترصد، وليس نتيجة عجز عن إدراك تداعيات ما يتمنونه وما يتمثلونه. ما يتغافل عنه هؤلاء إن مسألة “اليوم التالي” لا تنحصر في غزّة ولا تتوقّف عنده وفيه، وإنما ستنسحب على الكلّ الفلسطيني، وعلى مجمل الواقع العربي.

يعلم الجميع أن سيناريوهات “اليوم التالي” في القطاع تعتمد، إلى حدٍّ كبير، على ما ستتفاهم عليه إسرائيل والولايات المتحدة، وهذا لن يكون إلا إذا تحقق لهما ما يريدانه من كسر المقاومة وهزيمتها أولاً. لكن، واهِمٌ من يظن أن تل أبيب أو واشنطن ستقفان عند ذلك الحد. صحيحٌ أن مصالح الطرفين وحساباتهما قد تفترقان في بعض الملفّات والتفاصيل، إلا أنهما متفقتان أن نصراً إسرائيلياً في غزّة لن يكون ضد المقاومة الفلسطينية فحسب، بل ضد الكلِّ الفلسطيني والعربي كذلك. ثمَّة سوابق تاريخية تؤكّد هذا المعطى، وهي ليست بعيدة زمانياً حتى نفترض أن القيادة الرسمية الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية قد غفلوا عنها. أم يا ترى هل نسيَ هؤلاء كيف عملت واشنطن على إعادة تشكيل منطقة المشرق العربي بعد هزيمة العراق في حرب عام 1991 على خلفية غزوه الكويت، وكيف جيء أميركياً بالفلسطينيين وبعض العرب قسراً إلى مفاوضات مدريد مع إسرائيل في شتاء العام نفسه؟ وهل نسوا كيف تعاملت واشنطن مع العرب برمتهم طرفاً مهزوما بعد غزو العراق واحتلاله عام 2003، وَمُضِيِّها بعيداً في مساعي صياغة هياكل المنطقة وبناها وخرائطها ووعي أبنائها؟ المفارقة أن بعض العرب، في الحالتين، انضوى تحت لواء الولايات المتحدة وحلفها العسكري ضدَّ العراق، ما لم يشفع لهم في أن يكونوا خارج عمليات الهندسة الأميركية الجديدة حينها.

هذه المرّة لن تكون استثناء، ولا يبذل الإسرائيليون والأميركيون جهداً في تورية ذلك، إلا أن بعضهم، فلسطينياً وعربياً، يختارون العمى طواعية وتواطؤاً قبيحاً ضدَّ الذات. لا تخفي تل أبيب رغبتها الجامحة في تفريغ قطاع غزة وتهجير سكانه على حساب المحيط العربي. تريد من مصر والسعودية، وغيرهما من الدول العربية أن تتحمّل “ضريبة الإخوة” عبر استقبال اللاجئين الفلسطينيين كي تَخْلُصَ لها الأرض دونهم. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يعلن مسؤولون إسرائيليون، صباح مساء، موقفهم الرافض تولي السلطة الفلسطينية، بعد “تطويرٍ” تخضع له ومرحلة انتقالية، زمام الأمور في قطاع غزّة، في وقت تدفع قوات الاحتلال مئات آلاف من المدنيين الفلسطينيين نحو الحدود مع مصر على أمل اقتحامها وتثبيت لجوئهم فيها واقعاً. ليس قطاع غزّة وحده المهدّد بالتهجير والتفريغ، فثمَّة تصعيدٌ إسرائيليٌّ مدروسٌ في الضفة الغربية ودعوات من قلب حكومة نتنياهو إلى تهجير أهلها من الفلسطينيين شرقاً نحو الأردن. ولا يُستبعد أن يجد فلسطينيو عام 1948، من حملة الجنسية الإسرائيلية، أنفسهم هدفاً علنياً للدعوات والمخطّطات نفسها.

في المقابل، تفعل الولايات المتحدة التي تحاول أن تبرز موقفها المعارض هذه السياسات الإسرائيلية القليل من أجل وقفها ولجمها، هذا إن لم تكن حريصة على ترسيخ بعض نتائجها وتداعياتها. ولا تكتفي واشنطن بتقديم كل أشكال الدعم لتل أبيب، عسكرياً وسياسياً وديبلوماسياً، بل نجد إصراراً منها على جلب العرب إلى بيت الطاعة الإسرائيلي، في محاولة لرشوة مجانين حكومة نتنياهو، علَّهم يقبلون بترتيباتٍ لقطاع غزّة في “اليوم التالي”، وكذلك بوعد موهوم للسلطة الفلسطينية بـ”دولة” ما، يعلم الله وحده إن كانت ستقوم مستقبلاً أم لا. تُمنّي إدارة جو بايدن بتطبيع مع السعودية (وعرب آخرين) بشكل يجعل منها المركز والثقل الإقليمي في المنطقة، وبتواطؤ فلسطينيٍّ وعربيٍّ رسميٍّ، في الترتيبات الأمنية في قطاع غزّة في “اليوم التالي” للهزيمة التي يرتجونها للمقاومة، وكذلك بإعادة إعمار كامل ما هدمته إسرائيل في القطاع بسلاح أميركي. أما المقابل الذي سيحصل عليه هؤلاء فهو فرصة للرضى الأميركي والإسرائيلي الذي لن يدوم أبداً، هذا إذا تحقق أصلاً.

باختصار، المتواطئون، فلسطينياً وعربياً، في مؤامرة “اليوم التالي” في قطاع غزّة إنما يحددون مصيرهم كذلك، والذي لن يقلَّ سوءاً وسواداً عما يُراد بالقطاع وأهله ومقاومته. نسأل الله أن يردّهم بخيبتهم لا ينالون خيراً، إذ في ذلك مصلحتنا ومصلحتهم هم أيضاً.

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في واشنطن

المصدر: العربي الجديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.