الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أوروبا تعيد النظر

جميل مطر *

يوحي مشهد أوروبا في لحظتها الراهنة لمراقب خارجي بانطباعات تستحق الالتفات إليها. تظهر أوروبا أحياناً كجماعة مستمرة في افتقاد فتوتها وفي أحيان أخرى راغبة في استعادة ما فقدته منها. من دلائل المشهد التصريحات المتناقضة نصاً وروحاً لمسؤولين كبار ليس فقط في داخل مؤسسات الجماعة الأوروبية ولكن أيضاً داخل الدول الأعضاء. منها أيضاً التغيرات الحقيقية في مواقف عدد متزايد من هذه الدول تجاه قضايا دولية بعينها وأهمها بالنسبة لنا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على شعب فلسطين. دليل آخر هو ظهور علامات في سلوك دول أوروبية تكشف عن حال إحباط سياسي عام في بعض دول الغرب وارتباك، ولا أقول حال تخبط، تجاه تطورات استجدت على عدد من القضايا الدولية. توحي الصورة العامة بتراجع مكانة أوروبا في العالم الخارجي وبخاصة في عالم الجنوب أو ربما بميوعة لم تكن في السابق من سمات السياسة الخارجية لهذه الجماعة.

أتصور، كمراقب، بين مراقبين عدة، وجود أسباب كثيرة تقف وراء هذا المشهد، تتصدرها الأسباب التالية:

أولاً: واقع لم يعد يحتمل الإنكار أو حتى التشكيك وهو حال التراجع المتواصل في مكانة الزعامة الأمريكية لدول الغرب وفي هيمنتها بشكل عام على السياسة الدولية. لم تعد أوروبا التابع الطيب المطيع دائما لتوجيهات الدولة القائد في الغرب. وفي الواقع لم تعد الولايات المتحدة تقدم النموذج الأمثل لقطب مهيمن وقادر على فرض إرادته ليس فقط على مختلف دول العالم الخارجي وإنما أيضاً داخل المجموعة الغربية.

ثانياً: مادياً وعسكرياً أثبت الحلف الغربي أنه غير قادر على تحمل تكلفة حربين في وقت واحد، وعندما تعيّن على أمريكا الاختيار بين حليفين اختارت دعم إسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني على الاستمرار في دعم أوكرانيا في حربها ضد الاتحاد الروسي، الخصم الرئيس للغرب. المثير في الأمر أن الغرب توحد في بداية حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين قبل أن ينتبه أعضاء فيه إلى أن الأمن القومي لكل أو معظم دول الغرب مرتبط بنتيجة الحرب في أوكرانيا وليس بحرب إسرائيل بينما اختارت أمريكا هذه الأخيرة متجاهلة نوايا وسياسات ومصالح بقية أعضاء الحلف، خاصة وقد اتضح أن مساهمة أمريكا المادية في حرب أوكرانيا لم تؤهلها إلا لمكانة متأخرة جداً في ترتيب الدول الداعمة مادياً لأوكرانيا. ليس خافياً الشعور بالغُبن، إن لم يكن أسوأ، الذي تولد لدى بقية الحلفاء الغربيين.

ثالثاً: وقعت أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر فمهدت لموقف موحد وكاسح في كل الدول الأوروبية من شن إسرائيل حرباً ضد من أسمتهم حماس. تعاطفوا مع إسرائيل، بعضهم زايدَ على أمريكا وعلى إسرائيل ذاتها. بمضي الحرب اكتشفت قطاعات في الرأي العام الأوروبي أن حرب إبادة هي الجارية فصولها في فلسطين وليست حرباً ضد أفراد مقاومة. انفض الإجماع الذى ساهمت أمريكا في صنعه وانقسمت دول أوروبا في مجموعها وفي داخل كل منها. كانت خسارة أمريكا المعنوية واضحة وبعدها خسارة ألمانيا وذهب بعض المكسب إلى اليمين القومي في عدد من دول القارة وبعض آخر منه إلى حال إحباط عام من قادة حلف فشل في إقناع نتنياهو بعدم المغالاة حرصاً على إبقاء القارة بعيداً عن عودة العداء للسامية ضمن موجة صعود اليمين المتطرف. هذا الإحباط تمدد حتى وصل إلى عواصم عربية عديدة أو تصادف أن ظهر له قرين في دول الشرق الأوسط.

رابعاً: لم يحدث على امتداد حياة الحلف الغربي أن توافق تماماً أو دائماً الرأيان الأوروبي والأمريكي حول إقليم الشرق الأوسط. الأعراف التاريخية، في تفاصيلها الدقيقة، ربطت بين الإقليمين الأوروبي والشرق أوسطي إلى حد كثيراً ما أزعج صانع السياسة الأمريكي. إذ استمر إلى يومنا هذا الشعور بسطحية الفهم الأمريكي للعقل الشرق أوسطي مقابل وجود قضايا يختص بها ساسة أوروبا والشرق الأوسط، منها قضايا المهاجرين ومسؤولية أوروبا عن إنشاء دولة إسرائيل على أرض عربية وتراث الحروب الصليبية والاستعمار. لذلك يظل من حق الأوروبيين الاقتناع أو الزعم بأن عدم الاستقرار السياسي في دول الشرق الأوسط عامة وفي الدول المُطلة على البحر المتوسط بخاصة يمثل تهديداً لأوروبا أكثر كثيراً بما يمثله للولايات المتحدة الأبعد صلة وتأثيراً مباشراً. ظهر واضحاً في الآونة الأخيرة فداحة خطأ وقعت فيه الولايات المتحدة عندما غامرت بالخروج من الشرق الأوسط دون الاهتمام بترتيب دور مناسب لأوروبا في المنطقة خلال الغياب الأمريكي.

خامساً: تسببت رحلة أمريكا من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى في ابتكار نوع من تحالفات غير إقليمية تعوض به العجز عن إنشاء حلف باسيفيكي قوي وفاعل. من هذه التحالفات الصغيرة حلف يضمها مع المملكة المتحدة وأستراليا وحلف يضمها مع اليابان والهند وأعلن بلينكن خلال زيارة لإفريقيا عن حلف أطلق عليه «الشراكة من أجل الأطلسي» هدفه الحقيقي تعزيز دور أمريكا كمنافس لمبادرة الحزام والطريق الصينية، من ناحية أخرى سد النقص في قوة الوجود الأوروبي في القارة السمراء، وفشله في وقف تمدد منظمة البريكس في إفريقيا، ورغبة في وقف توسع المغزى وراء الدور الكبير الذي تأهلت لتقوم به دولة جنوب إفريقيا وبخاصة مبادرتها الخاصة برفع قضية إبادة بشرية ضد إسرائيل في لاهاي أمام محكمة العدل الدولية، وهي القضية التي يمكن أن تجر في ركابها دولاً أخرى مشتبها في تواطؤها مع إسرائيل أو مساعدتها بالمال والسلاح لتنفيذ عملية الإبادة البشرية في فلسطين. واضح تماماً لنا على الأقل أن النشاط المفاجئ والمستجد لأمريكا في إفريقيا لا يحظى بأي درجة معتبرة من الاستحسان والثناء من جانب السياسيين والمصالح الاقتصادية في أوروبا الحريصة أكثر من أي وقت مضى على المحافظة على ثروات إفريقيا من المواد الخام في أيدٍ أوروبية. غير معروف لنا على كل حال أن أوروبا «الاستعمارية» رحبت في أي وقت بشراكة مع الولايات المتحدة في إفريقيا تحديداً.

سادساً: أعرف أن أوروبا لم تكن، ولن تكون، سعيدة بوجود دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. أقول هذا وأنا مثل كثير من المراقبين أتوقع عودته إلى البيت الأبيض في الانتخابات القادمة ما لم يحدث حدث جلل من خارج العملية الانتخابية يمنع هذه العودة. لا أرى في عودة ترامب عودة عظمة أمريكا. أخشى القول إنني أرى العكس لأسباب ليس أقلها شأناً خوف أوروبا من عودته كنصير لليمين الأوروبي، واحتمال متزايد القوة بانقسامات أشد وأعمق داخل الكيان الأمريكي، واحتمالات عديدة بفوضى ضاربة في الشرق الأوسط.

  • • •

تظل أوروبا هامة لنا في العالم العربي بصفة خاصة والشرق الأوسط بصفة عامة، وما يحدث فيها ومن حولها هذه الأيام يستدعي من القائمين على شؤونها التأمل العميق في جميع الخيارات المطروحة على حاضرها ومستقبلها. يعتقد مفكرون أوروبيون حاجتهم الماسة هذه الأيام إلى مفكرين من نوع ووزن جيل المؤسسين الأوائل لمشروع التكامل الأوروبي. يرون أنه من الضروري جداً الإسراع بلم الشمل، وبخاصة شمل قيادات الاتحاد الأوروبي. ضروري أيضاً، في نظرهم، التوصل إلى تعايش ممكن مع روسيا وفي الوقت نفسه العمل على تعزيز مكانة وتماسك حلف الأطلسي قبل أن تمتد إليه يد ترامب وجماعته. يرون، وربما كانوا على حق، أن العالم في حال فوضى وارتباك شديدين، وقد تستطيع أوروبا، أكثر من غيرها أو مع الصين، الإمساك بلجام الفوضى لوقف الانزلاق نحو حروب أخرى غير أوكرانيا وفلسطين.

* كاتب ومحلل سياسي مصري

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.