الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

“ذكرى وحدة الـ58” والمخاطر الهائلة المُحدقة بأمتنا

عبد الباسط حمودة

في ظل نزاعات دولية خطيرة وازدياد المخاوف التي تلف سورية وفلسطين والمنطقة العربية عموماً، والأخطر ما يُحاك في “العُلا” عاصمة “نيوم” إياها!؛ تمر اليوم الذكرى الـ 66 لقيام أول وحدة عربية حقيقية في التاريخ العربي المُعاصر، بين بلدين عربيين شقيقين هما مصر وسورية حين قامت الجمهورية العربية المتحدة في 22 شباط/ فبراير 1958 حيث بدأت مراحل الوحدة الرسمية بين الدولتين بجلسة تاريخية عُقدت في القاهرة بالأول من شباط/ فبراير 1958 ضمت ممثلي الدولتين كي يتداولون في الإجراءات النهائية لتحقيق إرادة الشعب العربي، ولتنفيذ ما نص عليه دستور الدولتين من أن شعب كل منهما جزءٌ من الأمة العربية، وتذاكرَ أعضاء الوفدين ما قرره كل من مجلس الشعب المصري ومجلس النواب السوري من الموافقة الجماعية على قيام الوحدة بين البلدين، كخطوة أولى نحو تحقيق الوحدة الشاملة، رغم الحاجة وضرورة التمهيد للوحدة، تمهيدٌ طويلٌ وشامل بكل مناحي الحياة، بما فيها اللغة بمفرداتها ومصطلحاتها، ومعاني كلماتها، وهو الأمر الذي أكد عليه عبدالناصر باجتماعه مع المسؤولين السوريين بأن التمهيد لمدة لا تقل عن 5 سنوات، وهو ما رفضه المسؤولين السوريين أمام إصرار ضباطهم بزيارتهم للقاهرة بعدها مُصرين على فورية الوحدة واعتصامهم فيها لحين قبول ذلك! وتبدو جريمة إنهاء الوحدة بأيدي الانفصاليين- المعروفين جميعاً كأدوات لأمريكا وأذرعها بالمنطقة العربية- وما جرى مذاك، كاشفةً على ضرورة بقائها وأهمية استمرارها للحؤول من تلكم المخاطر التي جاءت إثرها ومازالت تتراكم، والتي لم تتوقف منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، لتزداد وحشيةً في هذه الأيام في سورية وغزة ورفح!!

أما الناصرية فلم تُفرِّط، بل كانت فكرة قومية جامعة، قد بَنَت تشاركية مصرية وشيّدت أكبر إنجازات مصر (السد العالي) وجَهِدت لتجاوز كل عناصر التفرقة الدينية والعرقية والجهوية التي استعملها الاستعمار وأعوانه لتنفيذ مآربه، فالوحدة العربية ليست فكرة قمعية، بل هي فكرة جامعة بين الأقباط والمسلمين في مصر، كما بين كل مكونات الأمة العربية الأخرى.. فمثلاً ولتنشيط ذاكرة البعض- ممن يكرر ترهات الغرب وأتباعه- نشير إلى أن «اللورد روتشيلد» (أبو فكرة إنشاء الكيان الإسرائيلي) قال أمام وزير خارجية بريطانيا «السير بالمرستون» في آذار/ مارس 1840: “..إن فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر وأفريقيا والمشرق العربي وآسيا، وأن الحل الوحيد هو زرع قوة فيها تفصل بينهم وتمنع الخطر العربي بالمستقبل..”، أما الرئيس الأميركي الأسبق «دوايت أيزنهاور»، فقد قال عند فوزه بالرئاسة عام 1953، وكذلك إبان العدوان الثلاثي على مصر بعد معركة تحرير قناة السويس، بأن “..أولوية سياسته في محاربة الشيوعية ووقف انتشارها تأتي بالدرجة الثانية، أما الأولوية الأساسية فهي في الحؤول دون وحدة العرب وتمكينهم من إنتاج اعتماد خيار سياسي واحد، لأن ذلك سيهدد التوازنات- حسب زعمه- في العالم، لأن العرب قادرون على تعزيز مؤونتهم في أفريقيا وفي وسط آسيا إذا كانوا أقوياء، وعندها سيختلّ التوازن الدولي لمصلحة من يقف معه العرب..”، وتابع: “..العرب يكرهون الغرب بسبب ما خلفه الاستعمار، لذلك علينا العمل لعدم وصولهم إلى وحدة الموقف والحذر منهم على الدوام..”(ويمكن مراجعة محاضرة البروفسير الأميركي «روي كاساغراندا» في “فورين بوليسي”، ونُشرت على يوتيوب بتاريخ 23/8/2014)؛ ولا ننسى خطط «كيسنجر» و«مورفي» و«زبيغنيو بريجنسكي» في هذا السياق فضلاً عن الخطط الإيرانية والصهيونية المُتطابقة ضد شعوبنا وأمتنا وتهجير وإبادة ما أمكن منهم، خاصةً مع التفوق النووي الإيراني- الذي لا يختلف عن التفوق النووي الصهيوني- وتهديدهما المستمر لدول المنطقة العربية بهذا السلاح الذي كان قاعدة لهما وذريعة لتمُدّا أذرعهما إلى غير بلد عربي والتواجد الميلشياوي والعسكري فيه، كما حدث ولازال في لبنان وسورية والعراق واليمن وفلسطين.. والأمثلة للخطط المعادية للعروبة وللوحدة العربية أكثر من أن تحّصى في هذا الإطار، غربياً وإقليمياً وعربياً أيضاً.

تحويل قطاع غزة إلى ركام كما تحول مخيم اليرموك

ففي الواقع العربي اليوم نجد أنه يمكن تبرير أي من الاتهامات المُساقة بحق الشعارات الوحدوية، ذلك لأن منسوب التأثير العربي على مفاصل الأحداث في العالم، وفي المنطقة على وجه الخصوص، تراجع لمستويات غير مسبوقة؛ حتى إبان حكم السلطنة العثمانية كان التأثير المصري والخليجي يُحسب له ألف حساب، وكل ذلك لا يبرر “الكُفر” بالفكرة القومية ومشروع الوحدة العربية على إطلاقهما، وما يسوقه البعض بحق الأنظمة العربية العسكرية، له ما يبرره، لكن هذا الانتقاد تَغلُب عليه الروح الانتقامية، كي لا نقول إنه يحمل عدائية للفكر القومي، وأن المطالبة باعتماد نُظُم أكثر وطنية وديمقراطية، تتعامل مع المعطيات الواقعية الراهنة لا يلغي بأي شكل من الأشكال فكرة التضامن العربي، ولا بأس أن يتم تطوير الجامعة العربية، أو إنتاج مقاربة جديدة تخدم المصالح المشتركة، لأن كل ذلك أخفُّ وطأةً من رجم الفكرة العربية ومشروع الوحدة.. وحتى التسميات العروبية هي ثروة لم تُجمع بالسهولة التي يراها البعض، وأن التنازل عنها هدية مجانية لأعداء الأمة العربية الرابضين على تخومها فضلاً عن المتربصين بها دولياً وبالداخل، فالتسميات مثل: الخليج العربي أو بحر العرب، أو البلاد العربية، لم تحمل عناوين قُطرية أو جهوية أو وطنية محضة، بل عناوين عربية، وأن توجيه سهام العداء المستمرة لها من بعض الناطقين بالعربية، هو ما لا يمكن اعتباره مصادفة على الإطلاق، بل تجاوباً مع ضرورات “العُلا” للشرق الأوسط المشبوه الجديد وتبيئة الكيان الصهيوني رغم كل جرائمه الراهنة والدائمة!

وأن توصيف الشعار كونه يعبر عن عاطفة أو حنين للفكرة القومية، أو واجب أيديولوجي على كل مثقف عربي بعد مرحلة الاستقلال في النصف الثاني من القرن الماضي؛ خطأٌ جسيم، ذلك أن ربط القومية العربية بأنظمة ودول عربية محددة لا يستقيم على الإطلاق، وهو اعتداء على الثقافة العربية وعلى اللغة وعلى التراكمات الحضارية المختلفة؛ ولا يخفف من حجم هذا الاعتداء الفشل الكبير الذي عاشته التجارب العربية في الحقب الماضية، لأن الوقائع المؤلمة التي حصلت في التاريخ المعاصر ببعض الدول العربية، أخف وطأة من الحاضر المُبكي الآن، ومَن يسوِّق لعدم إمكان الاتفاق بين العرب بسبب كثرة العدد مثلاً، مخطئ، لأن هناك أمماً وشعوباً موحدة وعددها أكثر من أمة العرب، أما مقولة إن شدَّة الاختلافات بين العرب تمنع إمكان اتفاقهم، ففيها شيءٌ من النظرة الشمولية، لأن الاتفاق لا يعني إلغاء الخصوصية الوطنية لكل دولة عربية، ولا يعني وحدة القرار على الطريقة العسكرية، والتنوع في هذه الحالة غنى، ومشاكلهُ أخف وطأة من دفع بعض الدول العربية إلى استدعاء الحمايات الأجنبية!

الحملة الضارية على المرحوم جمال

فالموضوع ليس اتفاقاً أو اختلافاً مع أحد حول التقييم الشخصي لتجربة عبدالناصر، وقد يكون في التجربة بعض الإخفاقات الموصوفة، ولكن ما نقرأه للبعض ونسمع للبعض الآخر يُشبه أعمال شرطة هتلر السرّية “الغستابو” في ثلاثينات القرن الماضي، عندما كانت تُرشّ المياه الآسنة على المتظاهرين ضدّها، ليس بهدف تفريقهم والإيذاء فقط، بل لتغيير صورتهم ناصعة البياض إلى سوداءَ قاتمة، وهذا البعض كان قاسياً في استخدام العبارات الجارحة بحق عبدالناصر، كأنّه في بعض الزوايا يستعيد فلسفة «غوبلز» التي اعتقدتْ أنّ تكرار الخطأ قد يجعله صحيحاً، وفقاً لشعاره الشهير: “كرّر ثم كرّر فلا بدّ أن يَعّلقْ شيء مما تقوله في أذهان الناس”.. والوسيلة المستخدمة في الهجوم أو في الدفاع؛ غالباً ما تساعدهما في تحقيق الغاية، والبحث عن ورقة بين “السلال المهملة المتروكة” على قارعة الطريق كدليل إدانة، يسيء لهذا البعض، ويصّرف من رصيده، لأنّ في ذلك تأكيداً أنّ الكاتب يُفتش- كما محامي الدفاع- عن أي مستند يساعده في مطالعة الدفاع عن مُوكله، حتى ولو كان مرتكباً، لأنّه يقوم بواجبه المهني المدفوع الأجر بصرف النظر عن قناعاته وكذبه، إن هجومهم الصريح مطابق لما يقوله الأميركيون والإسرائيليون والبريطانيون والفرنسيون، ومعهم الشيوعيون و“الإخوان” عن عبدالناصر، أمام هذه الخلطة الغرائبية العجيبة، نرى أنّ عبد الناصر صفحة ناصعة في تاريخ العرب، وهو قد أعلّى من مكانتهم في العالم من خلال مواقفه، وخصوصاً تزعمه مع «نهرو وتيتو» حركة دول عدم الإنحياز في مواجهة الجباريّن الأميركي والسوفييتي، وفرض اللغة العربية خامسةً في الأمم المتحدة، وهو كان بطل انتصارات حقيقي، ويكفي ذكر ما حصل في معركة تأميم قناة السويس ومواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ولم يكن العالم برمته ليُصدِّق أن تعود القناة مُلكاً للمصريين.

أما الهزيمة عام 1967، فهي ليست من مسؤولية عبد الناصر، بل نتاج لسياسة الجواسيس الذين كانوا يحنّون إلى عصور بائدة تخدم أمريكا والغرب وربيبتهم (إسرائيل) وهم ذاتهم من استخدموا البراميل لقتل شعبنا بعد الثورة العربية في 2011، وأن الجماهير المصرية والعربية التي خرجت ترفض استقالة عبدالناصر وتحميله مسؤولية النكسة، وكانت واعية لما حصل، ولم يأتِ فعلها من خلل بنيوي ناتج من العقل الجمعي العربي كما يزعم هذا البعض!، ولا شكّ في أنّ هزيمةً عسكريّة وجيوسياسيّة بيّنة أصابت جيوش ودّول عربيّة محددة ومعنيّة خلال حرب حزيران/ يونيو ١٩٦٧، ولا شكّ أيضاً أنها حصلت في العالم الموضوعيّ، ولكن خلف المقاربة الموضوعيّة للأحداث نعتقد أنّنا أمام مُشكلتَين أساسيَّتَين تجعلان القضيّة ترتقي فعلاً لعالم ما فوق الموضوعيّة، أي لمستوى المُصطَنَع الذّهني والنّفسي، أو مستوى الوسواس الجماعيّ المرضيّ المُبين:

المشكلة الأولى هي المبالغة الدّاخليّة المُفرطة في التّشديد على زاوية “الهزيمة”، وكأنّنا ننسى أو نتناسى أنّ الجماهير والنّخب والجيوش والدّول العربيّة كانت عمليّاً تواجه عدوّاً مُحضّراً ومُجهّزاً ومُتأهِّباً منذ عشرات السّنين، عدا عن المساندة البريطانيّة والأميركيّة والغربيّة، السّابقة لشعوبنا ونخبنا ودولنا وجيوشنا في مجالات متعدّدة ومنذ قرون، فكأنّه في الأعمّ الأغلب تُقارب القضيّة على أنّها هزيمة تلت حرباً بين جانبَين متساويَين أو متوازيَين، وما هو بالصّحيح أبداً، ونحن هنا أمام مشكلة كبيرة في ما يخصّ هذه المقاربة! فهل نسينا أنّ الكيان الإسرائيليّ، ومَنْ وراءَه، هما نتاج قرون من التّقدّم الحضاريّ والفكريّ والتّقنيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ وما إلى ذلك؟ وهل نسينا أنّنا أمام نُخب ودُول هي نتاج الانتفاضة البروتستانتيّة أوّلاً، ثمّ نتاج عصر فلاسفة وعلماء الأنوار واكتشاف ثروات القارّة الأميركيّة العظمى.. وصولاً إلى الثّورة الصّناعيّة الكبرى؟ وهل من العقلاني أن نُصوّر ما حصل في بدايات تَشكُّل الكيان الصّهيوني- بدعم غربيّ لا تخطئه الأعين- على أنّه حربٌ بين طرَفَين متساويَين و/أو متوازيَين حضاريّاً بالمعنيَين السّياسي والاجتماعي المؤسّساتيَّين، وعلميّاً بمعنى العلوم الحديثة والتّقدّم العلمي، وتكنولوجيّاً، واقتصاديّاً، وعسكرّياً (إلخ..)؟؛ بالطّبع لا، ولو ذكرنا بعض الدّعم الآني- وغير الجدّي عمليّاً- من قبل الاتّحاد السّوفييتي وغيره، نجد أن ما حصل هو غزوٌ استعماريٌّ غير متكافئ الفرص والإمكانات من قِبل قوى عُظمى: لشعوبٍ ودولٍ مُتخلّفة، وليس أدل من الفيتووات بمجلس الأمن، وآخرها الفيتو الأمريكي أول أمس لمنع وقف حرب الإبادة الصهيونية في قطاع غزة ورفح.. وضد حقوق شعوبنا ولصالح طغاتها وقاتليها.. إن “هزيمة الـ٦٧” نتيجة شبه حتميّة للسّياق الحضاريّ والاقتصاديّ والتّاريخيّ الذي سبقها منذ أوائل القرن السّادس عشر الميلادي تقريباً، وهي ليست بهزيمة حقيقيّة ولا واقعيّة.. ولا هي بالمفاجِئة أبداً إذا ما أخذنا بالسّياقات المذكورة؛ لذلك، من غير الصحيح والصّائب أن نُجبر أنفسنا على المبالغة في الشّعور- والتّفكير- بـ”الهزيمة”، بل من الخطأ أن نستمرّ في هذا الاتّجاه السّيكولوجيّ الجماعيّ المُدمّر؛ وبالمناسبة، هنالك نُخبٌ يسراويّةٌ وقوميّةٌ عربجيّةٌ كاملةٌ لا زالت- عمليّاً- أسيرة لهذا النّوع من التّصوّر غير الواقعيّ لـ”الهزيمة” وعليها أن تخرج فوراً من هذا الوهم؛ إنه وهمٌ مرضيٌّ “داخليٌّ” بالتّأكيد، تُسأل عنه نُخبنا اليسراويّة والقومجيّة تحديداً، وتُنتقد فِيه، وتُراجَع في المبالغة المُفرطة حولَه، ولكنّه أيضاً وليدُ عملٍ استخباراتيّ وإعلاميّ وأكاديميّ خبيث، لا زال مستمرّاً إلى يومنا هذا، وتتشارك في توليده جهاتٍ تأثرت بـ“الردة السّاداتيّة” داخليّاً وبالجهات الاستعماريّة- الصّهيونيّة خارجيّاً (وهذه الجهات متّشاركة بين الجانبَين طبعاً).

والمشكلة الثانية تشديد بعض الجهات العربجيّة والخارجيّة على مفهوم “الهزيمة” وتغذية الشّعور العام به، إضافة أمراضنا النّفسية الدّاخلية، وهناك أيضاً من يريد إبقاءَهُ وتغذيتَهِ، ومن البيّن أنّ هذا الخطاب الإنهزامي قد استُخدِم واستُهلك في العمق بما يخصّ النّخب والجماهير المصريّة بالذّات، وكلمة السّرّ هي تشويه تجربة “عبد الناصر” وتجميل تجربة “الردة والمُرتدين”! وكأنّ عبدالناصر مسؤولٌ عن (5 إلى 10) قرون من التّخلّف العربيّ والإسلاميّ! وكأنّ تجربته تُختصَر بهذه الحادثة (برغم أهمّيّتها الموضوعيّة): حادثة تآمر الاستعمار الغربيّ مع بعض الأنظمة العربيّة والكيان الصهيوني ضدّ عبدالناصر وتجربته ومشروعه! وكأنّ عبدالناصر مسؤولٌ عن كلّ مصائبنا منذ دخول المغول إلى بغداد، أو ربّما منذ سقوط القدس بيد الفِرَنجة وكارثة احتلال فلسطين من قِبل هذا الكِيان! وإن الشّيفرة الحرَكيّة والأمنيّة لهؤلاء “المرتدّين والنّيو- مرتدّين” بمختلف الأقطار العربيّة هي نفسها، وأنّ الدّفع والتّشديد والمبالغة في باتّجاه تكريس مفهوم وأسطرة “هزيمة الـ٦٧”.. لا يقتصر على أهل الدّاخل، بل يتعدّاه بالطّبع لأهل الخارج، ويهمّ أجهزة المخابرات التّابعة للدّول الاستعماريّة وللكيان الصّهيونيّ إقليمياً ودولياً، إضافة لأجهزة صنع القرار الجيوسياسيّ التّابعة لهذه الدّول ولذاك الكيان، أن تتمّ تغذية هذا المفهوم وهذه الأسطورة، وهناك بالتّأكيد من صرف ويصرف الكثير من المال والمجهود ومختلف الإمكانات بالتّعاون مع “التّيّارات الارتدادية” المذكورة، في سبيل تكريس هذه الظّاهرة- الأسطورة، ليلَ نهار، بين الشّعوب والنّخب العربيّة؛ وصولاً لتقبل شروط “إسرائيل” وحلفائها العرب في “العُلا” على اختلاف هذه الشّروط وطرق تطبيقها (وتطبيعها)!

إنّنا أمام حِجاب مفاهيميّ- فكريّ، وُضع أو تمّ وضعه بيننا وبين تحرّرنا كشعوب وكدول عربيّة، وتَخلُّصِنا من الاستبداد المُقيم ومن الاحتلال الإسرائيلي وهيمنته، وعلينا أن نتنبّه جيّداً لأهميّة تدمير هذا الحجاب المفاهيميّ والفكريّ الباطنيّ، فالشّعوبُ التي تُقرّر أن تتحرّر وطنياً وقومياً عليها أن تَصبر وتُصابِر وتُرابِط وتُناضل وتُكافح، ولا يمكنُ لشعبٍ يبغي التّحرّرَ أن يخاف تكاثرَ الرّصاص العسكريّ والفكريّ عليه، ولا أن يَهِنْ وسط الحَرْبَين العسكريّة والفكريّة، ولا بدّ من أن نعيَ بأنّنا، حسب السّياق الحضاريّ والتّاريخيّ العام، ما زلنا في وسط الحرب والإبادة فلسطينياً وسورياً بشكل خاص وعربياً بشكلٍ عام.

إن عبد الناصر لم يكُن يواجه مشروعاً إخوانياً أو ليبرالية محلية اعتادت على استغلال الثروات من دون قيود، بل واجه حالةً دولية واسعة لا تريد للعرب أن يخرجوا من الوصاية، ولا تريد لفلسطين أن تتحرّر من كونها حالياً قاعدة صهيونية تخدم مصالح الدول الكبرى، والحقيقة التي يجب أن تُقال بعد 66 عام على الوحدة أن الاستهداف في القضية لم يكن عبدالناصر بقدر ما كان في مشروعه؛ المشروع قبل الرجل والمستقبل قبل التجربة، فبقدر تناقض السياسات مع ما يُمثله مشروع عبدالناصر تبدت شراسة الحملات واتصالها عبر هذه المدة الطويلة ومازالت.

إن تحكيم العقل والمنطق في مقاربة الفكر القومي العربي ضرورة لا يتنكر لها العارفون، ولكن تجاهل كون الأمن القومي العربي بحدهِ الأدنى ضرورة أيضاً، تجاهلٌ فيه بعض التهوُّر، ومن دون هذا الأمن بحده الأدنى، لا يمكن ضمان حماية أية وثبة للتنمية وأي إمكانية للتماسك، بصرف النظر عن المشكلات القائمة، فلم تبدأ الفكرة القومية العربية منذ مطلع القرن العشرين، وليست مستوردة من العقائد القومية الأوروبية كما يزعم البعض، والدعوات التي وُجِهت للوحدة العربية لم تكُن رداً على الاحتلال العثماني، رغم تأثير هذه العوامل على اندفاعة الفكر القومي، فالفكرة ثابتة تاريخية وحضارية وثقافية ولغوية لا يمكن إنكارها، مع المطالبة بعصرنتها، أو تطويرها، وابتكار أُطر تتناسب مع المصالح العليا لشعوبنا العربية وللذين عاشوا في كنفها من دون نفورٍ أو إكراه لفترة طويلة من الزمن؛ وأن البديل عن الحد الأدنى للاتفاق العربي أو وحدة الموقف بالقضايا الاستراتيجية الكبرى، هو دفع المجموعات العربية المتنوعة لأحضان القوى الدولية أو الإقليمية الكبرى، وهؤلاء لديهم خبرة في فكفكة خيوط النسيج العربي، لتعظيم مخاطر غياب وحدة 58 وجُرمية اغتيالهـا.

تظل صورة عبدالناصر مرتبطة بالوحدة العربية, لذلك بقي الهجوم عليه محموماً ميتاً، بمثل ما كان الهجوم عليه حياً, والمُهاجمين يريدون لنا أن ننّكر الهوية العربية وكي نكره الوحدة العربية بتشويه مرحلة عبدالناصر، ذلك لأهمية تصفية تلك الحقبة ومنع الارتكاز عليها بانبعاث روح الأمة العربية والوحدة ثانيةً.. ولا بد من القول ختاماً إن الوحدة العربية بمفهوم الأنظمة الشمولية قد تكون فكرة غير واقعية، لكن واقعة التعاون العربي الجدي في إطار الجامعة العربية، أو من خلال صيغة أكثر تطوراً، فيه مصلحة للشعوب العربية وهو أضعف الإيمان، وهوما يحتاج للكثير مما يُكتب ويُبحث حوله، كونه موضوع واسع ومتشعِّب، خاصة بما يتعلق بالقضايا الراهنة سورياً وفلسطينياً وعربياً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.