الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب «في الفكر السياسي»؛ (الجزء الأول).. الحلقة الواحدة والثلاثون

 (الحرية أولاً) ينشر حصرياً الكتاب المفقود «في الفكر السياسي» بجزئيه، للمفكرين “الأربعة الكبار”، وهذه الحلقة الواحدة والثلاثون من الجزء الأولأسطورة الخصائص(4/4)؛ بقلم الدكتور “جمال الأتاسي”

أسطورة الخصائص(4/4)

    ويبقى السؤال قائماً: هل هنالك اشتراكية عربية تختلف في أهدافها ومراميها عن اشتراكيات أخرى، وهل هناك اشتراكية واحدة أم اشتراكيات?

     نحن نقول بالقومية العربية، وهي تعني بالنسبة لنا، إرادة الشعب العربي في أن يكون للأمة العربية الواحدة دولة موحدة. وهذه النزعة القومية لا يجوز أن تحمل ردة للماضي، فالأساس القومي للدولة العربية لم يقم في الماضي، والقومية العربية بنت التاريخ الحديث، ووليدة الحاجة والضرورة، وهي نزوع دائم للمستقبل. إن نضال الشعب العربي قد أخذ اتجاهه الواضح في جميع الأقطار العربية، فهو بالإضافة إلى نزوعه للتحرر من الاستعمار ومن النفوذ الأجنبي، ينزع أيضاً إلى التحرر من واقع التجزئة والتخلف. فشعار الوحدة قد ملأته الجماهير بمحتوى التحرر الكلي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والانساني.

    أن الهدف القومي للشعب العربي هو أن يقيم دولة عربية حديثة، ولكن هذه الدولة الموحدة لا يقصدها الشعب في ذاتها كدولة، بل لما تحمله من امكانيات أوسع، ولما يمكن أن يتحقق للأفراد في إطارها من سعادة وحرية وعدالة. ومن هنا جاء الاندماج الواقعي بين القومية العربية والاشتراكية، بين هدف الوحدة وهدف الثورة الاجتماعية، بين التحرر من الاستعمار والتخلف والتحرر من الاستغلال والظلم الاجتماعي.

    ولكن إذا كان للأمة العربية خصائصها ومقوماتها التي تكونت عبر التاريخ، والتي تشكل الواقع التي تستمد منه مقومات وحدتها القومية في الحاضر، فإن الاشتراكية نزعة إنسانية شاملة لا تتوقف على مثل هذه الخصائص والمقومات. فالاشتراكية تستهدف الانسان ذاته، أي أن يأخذ الإنسان قيمته كإنسان، أن يتحرر الإنسان من كل ما يستبد به ويُضيع انسانيته. هدف الاشتراكية تحرير الانسان وإلغاء الاستغلال وتبديل الظروف المادية بشكل يضمن ذلك، وتحقيق العدالة موضوعياً على الأرض وفي حياة البشر وعلاقاتهم.

    إن الأفكار الاشتراكية هي أيضاً حصيلة تطور تاريخي وتجارب وخبرات إنسانية، وإذا كان واقع الظروف الاقتصادية لكل بلد، وواقع الصراع الاجتماعي والطبقي في كل منها والمدى الذي وصل إليه من النضج، وإذا كانت المرحلة التاريخية التي يمر بها نضال كل شعب من الشعوب، يفرض نهجاً  خاصاً وطريقاً خاصة نحو الاشتراكية، فإن هناك مبادئ  وقواعد عامة أصبحت ملازمة للتفكير الاشتراكي في العصر الحاضر. وهي التي تعطي الاشتراكية وحدتها، وترسم الإطار العام لطُرقها واتجاهاتها المختلفة، وسنورد هنا بإيجاز بعض هذه المبادئ، التي أصبحت من أوليات وبديهيات التفكير الاشتراكي الثوري المعاصر:

      1- إن الفكرة الاشتراكية هي بنت العصور الحديثة، ووليدة العقل العلماني الذي ينطلق من الإيمان بقدرة البشر على تشريع نظمهم وعلى تنظيم أمورهم بأنفسهم، فلاشتراكية تقوم على تحليل موضوعي للتكوين الاقتصادي للمجتمعات البشرية وللقوى الانتاجية والطبقات المتنازعة في هذه المجتمعات، لتنتهي من ذلك إلى إقرار أول هدف من أهداف الاشتراكية، وهو أن إلغاء الملكية الفردية لوسائل الإنتاج وتطبيق نظام الملكية الاجتماعية عليها، ضرورة لا بد منها لإزالة الاستغلال. فكل نزعة أو حركة، لا تنطلق من هذا المبدأ ولا ترمي إلى هذا الهدف لا يصح أن تعطى صفة الاشتراكية.

      2- ان منطق التفكير الاشتراكي في التحليل الاجتماعي والاقتصادي هو منطق جدلي ( ديالكتيكي)، أي أنه منطق ينطلق من إقرار وجود تناقض في المجتمع ووجود صراع بين البشر (صراع بين مستغل ومستغل، بين مستعمر ومستعمر، بين طبقة حاكمة وطبقة محكومة، طبقة مالكة لوسائل الانتاج وطبقة كادحة محرومة)، وهذا التناقض لا يحل من نفسه، بالإرادة الخيرة لفئة من المصلحين مثلاً، ولا عن طريق التطور التدريجي، إن الانتقال من نظام اجتماعي إلى نظام اجتماعي من نوع آخر، إن الانتقال من بنية اقتصادية لمجتمع من المجتمعات إلى بنية اقتصادية مغايرة، ومن علاقات إنتاجية بين البشر إلى علاقات انتاجية من طراز جدید، كل ذلك لا يجري من نفسه أو عن طريق التطور الطبيعي للثروات والوسائل والأفكار. فالمجتمعات بالبشرية لا تنمو مثل النبات، بل إن التناقض وتنازع المصالح قائم في صميمها. وللانتقال من نظام إلى نظام مغاير، للانتقال من النظام الاقطاعي أو الرأسمالي إلى النظام الاشتراكي، لا بد من انقسام حاسم ومن مرحلة سلبية، وهذه المرحلة السلبية هي الثورة. فبالثورة انتقلت أوربا الغربية من النظام الملكي والاقطاعي إلى النظام الرأسمالي والديمقراطية البورجوازية. وبالثورة عبرت روسيا من النظام القيصري والإقطاع الذي خالطته رأسمالية ناشئة، إلى النظام الاشتراكي ودكتاتورية البروليتاريا. وبالثورة انتصرت الصين الشعبية وتحررت من الاستعمار والغزو الأجنبي، وانتقلت من نظام متخلف وتابع، إلى الديمقراطية الشعبية والعلاقات الاشتراكية والجماعية. وبالثورة تنتقل الجزائر اليوم من نظام البلد المستعمر الاقطاعي المتخلف إلى الاستقلال والديمقراطية الشعبية والتخطيط الاشتراكي.

     3- الثورة هي إذن الانتقال الظافر من نظام اجتماعي إلى نظام آخر مغاير له ومتقدم عليه. ولكن هذه الثورة، هذه المرحلة السلبية التي تنبع من التناقضات والصراع الطبقي، لا تنم من نفسها حكماً بمجرد وجود تلك التناقضات وذلك الصراع، إن الثورة الاشتراكية ليست حتمية تاريخية تحصل من نفسها، بل هي ضرورة لا بد من أن تجند لها جهود البشر الذين يريدون الاشتراكية. فهناك في المجتمع القوى المحافظة التي تملك وسائل الإنتاج وتسيطر على الحكم وتقيم الأنظمة والسلطات على أساس الحفاظ على نفوذها ومصالح طبقتها، وهناك بالمقابل قوى التبديل، الطبقات الشعبية المظلومة والمحرومة. ولكن قوى التبديل هذه لا تصبح فعالة وثورية، إلا عندما يتفتح وعيها الطبقي وتواجه واقع الاستغلال والظلم بشكل سافر وتكشف أنه لم يأت صدفة أو بإرادة خارجة عن البشر، بل هو ظلم من صنع البشر ويمكن أن يبدله البشر، كما تكشف قوتها ووحدة مصالحها كطبقة. فالثورة الاشتراكية، أي الانتقال إلى النظام الجديد، بحاجة لأن تجند له جهود البشر الذين ترتبط مصالحهم وافكارهم بالنظام الاشتراكي. إن الثورة بحاجة لأداة تنفذها، بحاجة لقوة ثورية، وهذه القوة هي الطبقات الكادحة التي تنظمها وتقودها طلائعها الواعية.

    4- لتبديل النظام القديم، لا بد من تهديم دولة هذا النظام، ولا بد من تبديل الانظمة والبنية الاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تقوم عليها هذه الدولة. ولا بد للقوى الثورية من أن تستولي على الحكم في سبيل هذا التبديل لتسير بالحكم في طريق الاشتراكية ولتقيم الدولة لمصلحة الجماهير الواسعة. إن الطرق التي يمكن أن تتبعها القوى الثورية للاستيلاء على الحكم- مراحل السلبية والنضال ومراحل الحكم، اللجوء إلى طريق العنف أو السيطرة على الدولة بالطرق السلمية- إنما تمليه ظروف وضرورات واقعية وموضوعية، ولكن العنصر الفعال في هذه الظروف، أي قوة التبديل، إنما هو الأداة الثورية المنظمة على شكل حزب. فالحزب الثوري هو القوة الشعبية المنظمة التي تفتح وعي الجماهير وتقودها في طريق النضال والثورة، كما أن الحزب الثوري هو الأداة الفعالة في استلام الحكم وفي خلق الديمقراطية الشعبية ثم تنظيم الدولة الاشتراكية.

     5- إن الحركة الثورية قد تنبثق عن ظروف واقعية وتجريبية، وقد تفرضها ظروف الصراع الوطني والطبقي، ولكن لكي تصبح هذه الحركة الثورية حزباً ثورياً اشتراكياً، لا بد لها من دليل للعمل والنضال، ومن دستور واضح للحكم الثوري، ومن خطة بعيدة المدى لسياستها النضالية وسياستها التطبيقية في الحكم، أي لا بد لها من نظريته أو وجهة نظر واضحة، تدل الجماهير إلى طريقها في النضال وطريقها في بناء الدولة الاشتراكية. ولا بد لهذه النظرية، من أن تتغذى من التجربة التي تعيشها الجماهير ومن أن تتجاوب تجاوباً مباشراً مع حاجات العمل والنضال، فضمانة الاشتراكية لا تتوقف على وضوح الغاية والهدف وعلى تماسك النظرية والحلول فحسب، بل إن ضمانتها الأولى الأداة التي تنفذها والجماعة التي تناضل في سبيلها، ومدى انسجام تكوينها الطبقي، ومصالحها الاقتصادية مع بناء الدولة الاشتراكية، أي لا بد للحزب الثوري من أن يرتبط ارتباطاً جذرياً بالقوى الكادحة، وإن تكون قياداته ومنظماته منبثقة عن إرادتها. إن الطبقة العاملة هي القاعدة الشعبية الأساسية التي يقوم عليها النضال الاشتراكي وبناء الدولة الاشتراكية، وهي القوام الأساسي للحزب الاشتراكي الثوري. ولكن البلاد المتخلفة، والتي لم تقم فيها صناعات كبيرة وطبقة عالية واسعة متماسكة والتي تشكل فيها طبقة الفلاحين والعمال الزراعيين أوسع طبقه في المجتمع، والتي ارتبطت عند طلائع جماهيرها الواعية، الثورة القومية والوطنية بالثورة الاجتماعية والاشتراكية، فلا بد للحزب الثوري فيها من أن يستند إلى قاعدة شعبية واسعة تضم طبقة الفلاحين والطبقة العمالية والبرجوازية الصغيرة التي فصلها النضال القومي عن الطبقة الاقطاعية والطبقة الرأسمالية. إن التكوين الثوري للحزب هو الذي يجعل منه أداة فعالة في التأليف بين مصالح هذه الطبقات الشعبية، وفي السير بها في طريق بناء الديمقراطية الشعبية والدولة الاشتراكية.

***

    إن القواعد والأسس التي يقوم عليها بناء الحركة الثورية والنظام الاشتراكي، ليست خاصة بأمة من الأمم أو بشعب من الشعوب، إنها لا تنبع من أسطورة «الخصائص»، إن هدفها الأول تحطيم الأوهام والأساطير التي تشيعها القوى المعارضة للاشتراكية لصرف النضال الشعبي عن كشف واقع الحاجات والصراع. إنها قواعد تفتحت عنها تجارب نضال الشعوب، وتفتح عنها الوعي الانساني ونضج هذا الوعي.

     ولكن هذه القواعد والأسس تبقى شيئاً عاماً ومجرداً، إذا لم تدمج بواقع حياة كل شعب من الشعوب، وبالظروف التاريخية والاجتماعية التي يمر بها هذا الشعب. ومن هنا يأتي التخصيص، فالقول باشتراكية عربية لا يعني بالنسبة لنا أكثر من أن هناك حيزاً وإطاراً عربياً للتطبيق الاشتراكي، ومن أن لنا طريقاً خاصة للوصول إلى تلك الأهداف الاشتراكية، تمليها الظروف الاجتماعية للوطن العربي والمرحلة التاريخية التي يمر بها نضال الشعب العربي على الصعيد القطري والصعيد القومي.

    إن طريقنا القومي نحو الاشتراكية، قد طرحته جماهير شعبنا بشكل واقعي  وبسيط، فوحدت في نضالها بين مطالب التحرر الوطني والوحدة وبين مطالب التحرر الاجتماعي والاشتراكية، بين الوحدة القومية كإطار للدولة وبين الاشتراكية كنظام لهذه الدولة.

    فالقول بالاشتراكية العربية، أي الطريق والإطار القومي لتطبيق الاشتراكية في الوطن العربي، إنما يُطرح أولاً كشعار ضد التفكير الذي يفرق بين مرحلتي التحرر القومي والتحرر الاجتماعي، وضد التفكير الذي يقول بالكيانات الإقليمية للتحرر الاجتماعي والتطبيق الاشتراكي. إن ربط الهدف الاشتراكي بالحركة الوحدوية ودمج الثورة القومية بالثورة الاشتراكية، عدى ما ينطوي عليه من ربط جذري بين أهداف النضال القومي، يمليه التطور التاريخي ليقظة الجماهير العربية، ينطوي أيضاً على ضرورات عملية تمليها الحاجات المباشرة، سواء بالنسبة لضرورات النضال أو لإمكانية تحقيق الاشتراكية.

    فالتطبيق الاشتراكي، كما تدل على ذلك تجارب الدول التي نجحت ثورتها الاشتراكية نجاحاً كاملاً كالاتحاد السوفياتي والصين الشعبية، يحتاج إلى حيز اقتصادي كبير وإلى قوى إنتاجية واسعة، وتصبح هذه الحاجة أكثر إلحاحاً في البلد المتخلف، الذي يريد من الاشتراكية، لا نظاماً يضمن العدالة والغاء الاستغلال فحسب، بل نظاماً يضعه على صعيد العصر ويخرج به من التخلف ويمكنه من اللحاق بالدول المتقدمة. وفي هذا السبيل لابد من دولة واسعة لها تكاملها الاقتصادي وطاقاتها الإنتاجية المتنوعة والكبيرة، التي تمكنها من التقدم ومن التحرر من التبعية الاقتصادية والتخلف، والتي تمكنها من إقامة صناعات كبرى ومن تكوين القاعدة العمالية الصناعية التي لا يتم بدونها بناء دولة اشتراكية تستحق هذه التسمية. ولا شك بأن إطار الوطن العربي يحمل إمكانيات بناء مثل هذه الدولة الاشتراكية بشكل أكيد ومتكامل.

    وهناك أيضاً الضرورات النضالية، التي تمثلها الظروف الداخلية والخارجية للأقطار العربية، فسيطرة النفوذ الاستعماري، بشكليه القديم والجديد، على كثير من الأقطار العربية، ووجود القوى الاقطاعية والرجعية التي يستند اليها الاستعمار ووجود القوى البورجوازية والرأسمالية التي يرتكز عليها الاستعمار الجديد والاحتكارات العالمية، والتحالفات التي تقوم فيما بين الطبقات الحاكمة والمستغلة في الوطن العربي وفيما بينها وبين القوى الاستعمارية، تفرض على القوى الاشتراكية أن توحد نضالها على صعيد الوطن العربي: لقد توحدت أهدافها الكبرى. فلا بد لها أن تصنع منهاجها وخط سيرها لتحقيق هذه الأهداف، وأن تقيم وحدة نضالها على هذا الأساس.

   إن الحكم الثوري في الجزائر مطوق بأوضاع وحكومات رجعية في الأقطار المجاورة الجزائر، وهي تبذل ولا شك جميع جهودها لعرقلة المد الاشتراكي الثوري المنطلق من الجزائر، والتآمر عليه وإقامة السدود في وجه وحدة نضال القوى الثورية في المغرب العربي، وبين الالتقاء بين هذه القوى وبين القوى الثورية في المشرق العربي.

    إن الحكم الموجه في الجمهورية العربية المتحدة، الذي تجاوز النظام الرأسمالي ووَلَجَ مرحلة رأسمالية الدولة بعد أن هدم الإقطاع وضرب نفوذ الاحتكارات الكبرى، مطوق أيضاً وتتحالف ضده الحكومات والقوى الرجعية في الوطن العربي كله، كما تترصده وتتحين الفرص للانقضاض عليه الرجعية الداخلية في مصر ذاتها، مستغلة الثغرات والتناقضات القائمة في صلب هذا الحكم، بعد أن عجز حتى اليوم عن تحطيم التكوين البورجوازي والبيروقراطي العتيق لأجهزة الدولة، وفشل في إقامة ركائز راسخة للديمقراطية الشعبية تستطيع أن تحمي التجربة وأن تدفع الدولة في طريق البناء الاشتراكي الناجح الكامل.

    والمعركة الدائرة اليوم على أرض اليمن، تكشف في آن واحد الامكانيات الثورية الكبرى للشعب العربي، كما تكشف نقائص لحركات الثورية في الأقطار العربية، إن الثورة الشعبية في اليمن هي اليوم في موقف الدفاع عن النفس، فالرجعية العربية المتحالفة مع الاستعمار تبذل جهد المستميت لسحق هذه الثورة. إن القوى الاشتراكية في المشرق العربي، لم تخفْ لنجدة هذه الثورة، واكتفت بإعلان التأييد الكلامي. إن تفكك هذه القوى وافتقاد عملها الوحدة والتخطيط، هو الذي  يضعها في مكان العاجز، بينما نجد الامكانيات مفسوحة أمامها، لتجعل من معركة  اليمن، ثورة ظافرة، تحطم ركائز الرجعية العتيقة في شبه الجزيرة العربية وتقتلع الاستعمار القديم من آخر معاقله في الجنوب العربي.

    فمن مبدأ وحدة المصير العربي، وعلى أساس وحدة نضال القوى الثورية في الوطن العربي، وفي اطار الوحدة العربية، إننا ننطلق في رسم معالم طريقنا العربي نحو الاشتراكية. إنها شروط يفرضها الواقع الراهن، وهي لا تستمد من «خصائص» يتميز بها العرب، ولا من مبادىء «تنبع من الذات» كما أنها لا تستمد من عالم المثل والخيال، وإنما تصدر عن حاجاتنا وضرورات تحررنا كبشر، ننتسب لأمة ما زالت متخلفة عن أكثر الأمم، ونعيش في وطن مجزأ.

    إن تحليل واقع المجتمع العربي وإمكانياته وطاقاته الانتاجية والمرحلة التاريخية التي يمر بها ، إن تحليل واقع الصراع الطبقي داخل كل قطر عربي وعلى الصعيد، العربي وتحليل صلة هذا الصراع بالصراع العالمي، وإن السير في هذا التحليل على هدي الأهداف الاشتراكية والمنطق الاشتراكي الثوري، والإفادة من الخبرات والتجارب الإنسانية في التفكير النظري والتنهيج العملي، هذا هو السبيل إلى رسم معالم طريق الحركة الاشتراكية العربية. وقبل ذلك لا نستطيع أن نقول أن لنا وجهة نظر خاصة في الاشتراكية، أو طريقاً خاصاً إلى الاشتراكية، أو أن نقول باشتراكية عربية.

    وليس الهدف من التحليل والدرس، التخطيط في الفراغ، فالفكر الذي لا ينخرط في الصراع ولا يلتزم بالعمل ولا يعيش تجربة الشعب في نضاله اليومي، ليس فكراً اشتراكياً. إن الهدف من تحليل الواقع، إنما هو الكشف عن قوى التبديل والحركة في هذا الواقع، وتعبئتها لتبديل هذا الواقع، فبناء الحركة الاشتراكية الثورية، وتزويد هذه الحركة بوجهة نظر واضحة وبدليل للنضال والعمل، هذه هي المهمة الأساسية التي يجب أن تنصب عليها الجهود أولاً….

    ولكن وقبل استعراض واقع وظروف الحركة الاشتراكية الثورية في الوطن العربي، لا بد من استعراض نشوء التفكير الاشتراكي في العالم ومقوماته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع.. الحلقة الثانية والثلاثون بعنوان: ملامح نشوء التفكير الاشتراكي(1/3)؛ بقلم الدكتور “جمال الأتاسي”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.