الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

التورط العسكري الأمريكي في المنطقة

بشير عبد الفتاح *

رغم حرصها على منع تدحرج العدوان الإسرائيلي الحالي على الفلسطينيين نحو حرب إقليمية واسعة النطاق. وبينما يتصاعد الجدل الاستراتيجي بشأن اضطرارها إلى سحب قواتها من سوريا والعراق. تجد الولايات المتحدة نفسها متورطة، لوجيستياً، استخباراتياً وعسكرياً، في مواجهات ضد أذرع وفصائل ولائية عسكرية موالية لإيران، كمثل حزب الله اللبناني، حركة حماس الفلسطينية، الحوثيين في اليمن، علاوة على كيانات مسلحة شيعية في العراق وسوريا. وهي التي تشكل جميعها تحالفاً إقليمياً، تسميه طهران «محور المقاومة»، يتبنى شعار «وحدة الجبهات والساحات»، ويمثل تحدياً مباشراً لقوة الردع الأمريكية بالمنطقة، كما للنظام الإقليمي الشرق أوسطي، الذي هندسه الغرب، وحرص على استبقائه عقوداً ممتدة من الزمن.

ففي غزة، التي لا تتورع إدارة، بايدن، عن تقديم الدعم السياسي، العسكري واللوجيستي، للعدوان الإسرائيلي الحالي عليها؛ لا تتوانى، وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، عن جمع المعلومات عن كبار قادة حماس، فضلاً عن اقتفاء أثر الرهائن والأسرى الإسرائيليين. ففي أعقاب عملية «طوفان الأقصى» مباشرة، وجه مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، البنتاجون ووكالات الاستخبارات، لتشكيل فرق عمل تتولى تكثيف طلعات مسيرات التجسس والاستطلاع فوق غزة، واعتراض الاتصالات بين عناصر وقيادات الحركة. وتجدر الإشارة، ههنا، إلى أن حماس قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كانت تحظى بأولوية من المستوى الرابع، ما يعني تخصيص اعتمادات مالية ولوجيستية متواضعة لجمع المعلومات الاستخبارية عنها. لكن بعد «طوفان الأقصى»، تم ترفيع الحركة، التي تُدرجها واشنطن ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية، لتغدو أولوية من المستوى الثاني. ما من شأنه توفير تمويل إضافي، لتطوير الموارد البشرية بوكالة الاستخبارات المركزية، وزيادة كم ونوعية المعلومات الاستخبارية، التي تتوخى الحصول عليها، بما يتيح الإجهاز على القيادات والكوادر الحمساوية.

بحلول الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير المنقضي، وعلى إثر تجاهل الحوثيين تحذيرات متكررة، بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا، بدعم من حلفائهما، تنفيذ ضربات جوية وصاروخية ضد مئات الأهداف الحوثية بالعاصمة صنعاء، ومحافظات صعدة، حجة، الحديدة وتعز. بغية إيصال رسالة تحذيرية، مفادها أن واشنطن وشركاءها لن يتساهلوا مع الهجمات على مواطنيهم، كما لن يسمحوا للجهات المعادية بتعريض حرية التجارة، بأحد أهم الممرات الملاحية العالمية، للخطر. وبذلك، تجاوزت الولايات المتحدة استراتيجية «القيادة من الخلف»، لتعرج إلى سياسة الانخراط العسكري المباشر في الأزمات، عبر إطلاق عمليات هجومية متجددة في جنوب البحر الأحمر، أرفقتها بقرار إعادة تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية.

مع إصرار حكومة، نتنياهو، على مواصلة عدوانها الغاشم، المدعوم أمريكياً، ضد الفلسطينيين، بما يستتبع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، تتزايد وتيرة وإيقاع الهجمات ضد المصالح الأمريكية في مختلف أنحاء الإقليم. فمنذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أحصى المسؤولون العسكريون الأمريكيون زهاء 170 هجوماً على قواتهم بالمنطقة، من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، منها 70 في العراق، مائة في سوريا وواحد على الحدود بين سوريا والأردن. كما تم استهداف السفارة الأمريكية في بغداد، بالصواريخ، غير مرة. من جانبها، وفي مسعى منها لاستعادة قوة الردع الأمريكية، انبرت واشنطن في استهداف مواقع تلك الفصائل بضربات صاروخية عنيفة ومتتالية.

متذرعاً بدعم إسرائيل، ردع إيران، وتوصيل رسائل استراتيجية لروسيا والصين بشأن فعالية التموضع العسكري الأمريكي في المنطقة؛ هرع البنتاجون، فور بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، إلى إرسال حاملات الطائرات، الغواصات النووية، والبوارج الحربية، سفن برمائية تحمل مشاة البحرية وطائرات مقاتلة ودفاعات جوية ومئات من القوات إلى شرق البحر المتوسط، بقصد منع أي فاعلين عسكريين آخرين من الانخراط في المواجهات العسكرية المحتدمة. ولقد بلغت فاتورة تلك التعزيزات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، منذ بدء الحرب الإسرائيلية الغاشمة على قطاع غزة في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ولمدة أربعة أشهر فقط 1.6 مليار دولار. لكنها لا تتضمن كلفة الصواريخ التي استخدمها الجيش الأمريكي لضرب مواقع ومنشآت عسكرية تابعة للحوثيين في اليمن، أو إسقاط المئات من المسيّرات والصواريخ، التي يطلقونها صوب أهداف أمريكية وإسرائيلية في البحر الأحمر. وبحسب تقديرات المسؤولين الأمريكيين، قد تتخطى تلك الفاتورة ثلاثة مليارات دولار، إثر الرد الأمريكي على الهجوم على قاعدة «البرج 22»، واستمرار العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، بكل ما يتمخض عنه من تداعيات إقليمية ودولية سلبية، عاماً كاملاً. ووفقاً لمصادر أمريكية، لن يتسنى للبنتاجون، سداد تلك الفاتورة، مع تعثر إقرار الموازنة، التي تم تقديمها للكونجرس، بالتزامن مع وصول المفاوضات بشأن مطالبة، بايدن، الحصول على اعتمادات مالية تتجاوز 100 مليار دولار، لدعم إسرائيل، أوكرانيا وتايوان، إلى مرحلة حرجة داخل مجلس الشيوخ.

شاءت أم أبت، انزلقت واشنطن إلى المآل، الذي دأبت على الادعاء بتحري السبل الكفيلة بتجنبه. ويبدو أن الأولويتين الاستراتيجيتين الرئيستين لإدارة، بايدن، في التعاطي مع أزمة غزة الحالية كانتا غير متوافقتين منذ البداية. ففي الوقت الذي تتشبث بدعمها، غير المشروط، للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، زعمت الحرص على حماية المدنيين، إمدادهم بالمساعدات الإنسانية، والحيلولة دون انزلاق المواجهات إلى حرب إقليمية أوسع. فإبان الأيام الأولى من الصراع، حقق، بايدن، هدفه المتمثل في دعم مخططات إسرائيل لمحاولة تصفية حماس في غزة، بأسرع وقت؛ من خلال تزويد حكومة، نتنياهو، بمعدات عسكرية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، بغير تنسيق مع الكونجرس. وبهدف منع أي حلفاء لحماس من الانضمام إلى المعركة، أرسل مجموعتين من حاملات الطائرات إلى شرق البحر المتوسط. بيد أن رفض الإدارة الأمريكية استخدام نفوذها لحمل إسرائيل على وقف عدوانها، كان سبباً في تأجيج التوترات المسلحة بالإقليم.

تأبى إدارة، بايدن، إلا إنكار تورطها في حرب إقليمية شرق أوسطية متعددة الجبهات والخصوم. ففي مؤتمر صحفي، قالت نائبة السكرتيرة الصحفية للبنتاجون، سابرينا سينج: «نحن لا نسعى إلى الحرب، ولا نعتقد أننا في حالة حرب. لا نريد أن نرى حرباً إقليمية». ورغم أنها تتجنب الإعلان عن عملياتها العسكرية الحالية في الشرق الأوسط، عبر طقوس رسمية صاخبة، مثلما جرت العادة إبان مغامرات أمريكية سابقة مشابهة؛ لم تستطع إدارة، بايدن، الفكاك من الانجرار إلى حرب إقليمية ضد «محور المقاومة» الإيراني، دونما اعتراف رسمي، وبغير إشراف يذكر من لدن الكونجرس.

ما بين رغبتها في الانتقام، واستعادة قوة الردع من جهة، وحرصها على منع توسيع مواجهات الشرق الأوسط، وتحولها إلى حرب إقليمية من جهة أخرى، تتجنب إدارة، بايدن، الاعتراف بحساسية موقفها العسكري الراهن في الشرق الأوسط. فمن شأن إقرار، بايدن، بتورط بلاده في هكذا حرب، أن يشكل اعترافاً سافراً بفشله السياسي وتآكل صدقية استراتيجيته الردعية في مواجهة إيران وأذرعها العسكرية. وهي المنحة، التي لا يجدر منحها لخصومه الجمهوريين المتربصين به على مشارف السباق الانتخابي المرتقب. فلا يزال، بايدن، يراهن على إمكانية طي صفحات تلك المغامرات العسكرية، عبر بلورة آلية لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة. ربما يكون انخراط الولايات المتحدة في عمليات عسكرية على جبهات شرق أوسطية شتى، بالتزامن مع استفحال أصداء أزمة الهجرة غير النظامية على الحدود مع المكسيك، وفي صدارتها الجدل بشأن انفصال تكساس عن الولايات المتحدة، كفيلاً بتقليص فرص، بايدن، في انتزاع ولاية رئاسية ثانية. لا سيما وأن الرئيس الديمقراطي، الذي ناهز 81 ربيعاً، قد لا يقوى على مجابهة خصمه الجمهوري المحتمل، الرئيس السابق، دونالد ترمب. ذلك الذي يُخطط لانتهاز فرصة تورط الإدارة الحالية في نزاعات مسلحة بالشرق الأوسط، تستنزف الولايات المتحدة اقتصادياً، استراتيجياً وبشرياً؛ بغية الإطاحة بالرئيس، بايدن، «الضعيف»، والعودة مجدداً إلى المكتب البيضاوي.

* كاتب أكاديمي وباحث مصري

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.