الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مشاهدات في أرض شعب الجبارين

رياض معسعس *

كان القرن العشرون، قرن مآسي العرب قاطبة، والفلسطينيين خاصة، على شفا أن يطلق أنفاسه الأخيرة، وكنت في حالة تحضير عمل استقصائي عن فلسطين ونكبة العرب بعد نصف قرن من دم ودموع.

أحداث غزة تقودني كل يوم في مشاهدها البطولية للمقاومة، والإجرامية المأساوية لدولة الاحتلال إلى مشاهداتي القديمة على أرض شعب الجبارين لأربطها بما يجري على أرض العزة.

عبرت جسر الملك حسين، وقفت في الطابور الطويل على شباك الأمن الفلسطيني فيما كان الأمن الإسرائيلي يعمل خلفه. جوازي الأجنبي سهل مروري. داست أقدامي أرض فلسطين، وكأني أدوس أرض الجنة. دلفت القدس من باب العامود، تخيلت كيف دخل منه الأيوبي وهزم الصليبيين، و”مررت بالشوارع، شوارع القدس العتيقة”، كان يوم جمعة، أمام مشهد المسجدين الأقصى وقبة الصخرة، وآلاف المصلين يقولون بعد الفاتحة: آمين تهدر في أركان المكان، وأنا أركع بينهم، شعرت كأن السماء باتت أقرب، “يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي”.

شهادة فيصل الحسيني:

في بيت الشرق سجلت أول شهادة من المرحوم فيصل الحسيني. دخل عليه شيخ جليل بقامة أسطورية ولحية وعكاز وكأنه من رجالات فجر التاريخ. قال الحسيني: الشاعر الشيخ أبو عيشة بطل معركة باب الواد. تمسكت بجلبابه وقلت: أبحث عنك يا شيخ. قادني إلى هضبة خارج مدخل القدس فإذا بدبابات صهيونية قديمة طليت بلون بني، رفع أبو عيشة عكازه، وخبط على بوز الدبابة وقال: هذه التي أعطبتها، وتلك التي أعطبها الشهيد محمود، وهناك استشهد مصطفى، شعرت كأني أمام مشهد من فيلم خيالي، بعد الوصف قال: سآخذك إلى مقبرة شهدائنا، في تلة على مقربة من قرية “أبو شوشة” مقبرة بلا سور، وقف أبو عيشة بين القبور أخرج من جيبه لفة بلاستكية داخلها صور قديمة تآكلت أطرافها وأصابها اصفرار، أخذ صورة ووضعها على أول قبر وقال هذا الشهيد محمود، وثانية على قبر مواز، وهذا الشهيد مصطفى، وثالثة: وهذا الشهيد صلاح، ورابعة هذا الشهيد خالد.. قلت بتعجب: أتحتفظ بهذه الصور في جيبك؟

أجاب: منذ استشهادهم لا تفارق صورهم جيبي، وكم أتمنى الشهادة لألقاهم في الجنة. ثم وقف على حافة المقبرة وراح ينشد قصيدة مطلعها: أنتم يا شهداء الواد يا أطهر ما في العباد..

تجمد الدم في شراييني وهو يلقي رثائية طويلة، وكادت دمعة تخون جأشي. التفت إلي وقال: لو كان المتنبي حاضرا اليوم لقال لنا: لا الخيل ولا الليل ولا البيداء تعرفكم ولا السيف ولا الرمح ولا القرطاس ولا القلم، لأننا لم نحرر هذه الأرض المقدسة، ولقال لزعمائنا الأشاوس إنما الناس بالملوك ولا تفلح عرب ملوكها عجم. ظل الشيخ أبو عيشة في قرار مكين في الذاكرة خرج اليوم بنقرة غزاوية على ملف فلسطين.

في ذاكرة فلسطين:

كنت باحثا عن العهدة العمرية (التي سنها الخليفة عمر بن الخطاب عندما دخل القدس والتي يضمن فيها التعايش بين كل الأديان بسلام وأمان) أرشدني الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس إلى مكتبة تضم كل ذاكرة فلسطين.

في بهو واسع في زاوية من شارع عتيق تنبعث مذ تدخله رائحة الورق القديم، كتب فوق كتب، ومجلات تعلوها صحف، ومفاتيح علقت على الجدران، وأوراق ثبوت ملكية عقارات احتلها الصهاينة.

قال أحد العالمين في المكتبة هنا ذاكرة فلسطين، فيها كل ما كتب عن بلدنا، وجمعنا كل شهادات الملكية، ومفاتيح البيوت، وكل كتب تراثنا الثقافي، حتى ضاق علينا المكان، قلت: ألم تطلب إعانة: أجاب: أسمعت لو ناديت حيا. أرسلت للجامعة العربية، ونداءات لأكثر من زعيم عربي، وجمعيات، ونواد ثقافية، ذهبت جميعها أدراج الرياح، “صم عمي بكم فهم لا يعقلون” وحدها الجامعة العبرية طلبت مني شراءها، ولكن يمكن أن أتخلى عن دمي الفلسطيني ولا أتخلى عن ذاكرة فلسطين.

الطريق إلى أوسلو:

تأبطت كتاب الطريق إلى أوسلو وطرقت باب الرئيس محمود عباس (كان رئيس وزراء)، كان قد مضى على اتفاق أوسلو ست سنوات عجاف، لا دولة فلسطينية في الأفق، ولا شيء يشي بنسمة أمل بعد اغتيال أسحق رابين. في كتابك الطريق إلى أوسلو الذي في يدي تقول:” تساءلت وأنت توقع اتفاق أوسلو أنك هل تتخلى عن نصف فلسطين، أم تكسب نصف فلسطين”، واليوم ما زلنا نراوح في غزة أريحا أولا، كيف ترى الآن هل كسبت نصف فلسطين والمستوطنات الصهيونية تنبت في الأراضي الفلسطينية كالفطر بعد مطر وتقضمها وتهضمها، ومتى سيتم الإعلان عن دولة فلسطينية؟ الرئيس عباس رأى أن باتفاق أوسلو سيكسب الفلسطينيون نصف فلسطين وإعلان الدولة لن يتأخر أكثر من سنة. صائب عريقات يقول إنها تعتمد على المفاوضات، وعلى الضغط العربي، لكن أين الضغط العربي على واشنطن، حنان عشراوي رأت أنها خدعت مع عبد الرحمن الشافي ومتشائمة من أوسلو.

استقبلني محمود درويش في مكتبه في رام الله، كان بقامة نحيلة يمشي ببطء بعد عملية جراحية أجراها، أنت كرمز لفلسطين تقول: ”على هذه الأرض سيدةُ الأرض ما يستحق الحياة، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارت تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة” ماذا تقول اليوم؟ أقول: ”على هذه الأرض ما يستحق الحياة والموت أيضا. كل فلسطيني على هذه الأرض مشروع شهادة” قالها شاعر فلسطين محمود درويش. قلت: بالأمس قابلت سميح القاسم في الناصرة والعجيب أنه رد علي بنفس الصيغة: “منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، في قبضتي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي”. رحل الشاعران وعلى جدثيهما كتبت هذه العبارات الخالدة.

في حضرة الشيخ:

في منزل الشيخ أحمد ياسين في وسط مخيم جباليا لا أنسى تلك اللحظة وأنا أنتظر في غرفة جلوس متواضعة قدومه، دخل جالسا على كرسي متحرك، يداه مثبتتان على مسنديه، الشاب الذي يدفع الكرسي ثبت جهازا في عنقه لمساعدته على الكلام، بعد عدة محاولات للنطق بدأ كلامه بصوت أجش مرحبا بضيف: “من بلاد القسام” كما قال. كلامه صارم، تفصيلي، منسق، موثق بشواهد تاريخية، ورؤية مستقبلية ثابتة وكأنه يقرأ في الغيب:” الدولة الفلسطينية آتية لا محالة ولكن بالمقاومة ولا شيء سوى المقاومة سندفع قافلة من الشهداء ثمنا وربما أنا أولهم. وستتحقق بأيدي أبنائها ربما خلال أول عقدين من القرن الجديد “. كم كانت نظرة الشيخ ثاقبة فكان من أول الشهداء.

اليوم وبعد ربع قرن تقريباً من زيارتي لفلسطين وعلى ضوء “طوفان الأقصى” لا شعب في العالم قاسى ما يقاسيه الشعب الفلسطيني، لا شعب تعرض للخيانات عربياً ودولياً كما تعرض، وأن مقاومته هي البوصلة الحقيقية لانتزاع حقوقه، وتحرير أرضه، فعندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتبنى المقاومة المسلحة كان كل مقاوم مشروع شهادة، من الرئيس ياسر عرفات، إلى خليل الوزير، وغسان كنفاني، وعشرات الشهداء، وقامت دولة الاحتلال باجتياح بيروت، للقضاء على منظمة التحرير ”الإرهابية” وطردها بدعم من الأعداء والأعدقاء من لبنان، وارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا، ومنذ أن تخلت عن المقاومة ودخلت متاهة أوسلو بقيت الضفة الغربية تحت الاحتلال، وفقدت المنظمة قدرتها على المقاومة، وعلى الدولة الموعودة، ولأن فصائل المقاومة في غزة تمسكت بخيار المقاومة باتت هي “الإرهابية” وقادتها مستهدفون من الشيخ أحمد ياسين، إلى عبد العزيز الرنتيسي، إلى خالد مشعل، وآخرهم صالح العاروري، وهي المطلوب تهجيرها مع الغزيين وقتلهم لأنهم “حيوانات”، وارتكاب أبشع المجازر بحقهم وتدمير غزة تدميراً كاملاً. لكن جهود المقاومة وحدها هي التي قلبت الطاولة على الجميع، ومرغت أنف دولة الاحتلال بتراب غزة، ووحدها غيرت نظرة العالم أجمع من القضية الفلسطينية، واليوم عادت الدولة الفلسطينية حديث البيت الأبيض والدول الغربية بعد أن حاول كل رؤساء أمريكا وخاصة دونالد ترامب أن يطمسوا ذكرها إلى الأبد.. كم كان “الختيار” محقا عندما كان يصف شعبه بـ”شعب الجبارين”

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.