الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أيهما أفضل للفلسطينيين.. بايدن أم ترامب؟

محمد المنشاوي *

مع تأهب الأمريكيين للاختيار مرة أخرى بين الرئيس الحالي جو بايدن، والرئيس السابق دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية القادمة، أطرح سؤالاً يخص الشعب الفلسطيني بالأساس، ألا وهو أيهما أفضل: ترامب أم بايدن؟

بداية، هل سيكون هناك اختلافات صارخة بين موقف الرئيسين من القضية الفلسطينية؟ وكيف سيكون لسياستهما ومواقفهما من تأثير مباشر وغير مباشر على الفلسطينيين وحياتهم وأمنهم ودولتهم التي يطمحون إليها.

لا توجد إجابة يقينية هنا، لكن بعض المؤشرات الماضية قد تكون بداية لتوقع ما هو آت.

وقبل ذلك قد يتوقع البعض تغيراً كبيراً في مواقف بايدن حال إعادة انتخابه في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، إذ يكون أكثر حرية في فترة الحكم الثانية التي لا يخوض بعدها أي انتخابات أخرى، وينّصبُ نفس الشيء على فترة حكم ثانية وأخيرة لترامب. إلا أنه من المؤكد أن سياسات بايدن أو ترامب، في فترة حكم أحدهما الثانية، سيكون لها آثار دراماتيكية على مستقبل كل دول المنطقة. وفي ظل عدم اليقين حول إذا ما كان سيختار بايدن أو ترامب تغيير مسار مواقفهما بدءاً من عام 2025 أم لا؟.

لا يوجد سبب لتوقع ألا يتصرف أي من الرئيسين بشكل مختلف في المستقبل عما كان عليه في الماضي.

  • • •

كرئيس، طرح ترامب تصوراً مختلفاً سمّيَ بصفقة القرن، اعتبره الجانب الفلسطيني والعربي ظالما ويخدم ويحابي الجانب الإسرائيلي فقط. ونقل ترامب السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، وأغلق المكتب الدبلوماسي للسلطة الفلسطينية في واشنطن، وأغلق القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية. كذلك ركز ترامب بنجاح على ملف التطبيع العربي الإسرائيلي، وعقد الاتفاقيات الإبراهيمية التي نتج عنها علاقات دبلوماسية بين إسرائيل و4 دول عربية. وتضمنت صفقة القرن الترامبية كذلك دعوة إلى إقامة دولة فلسطينية مماثلة في حجمها لمنطقة ما قبل عام 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة.

  • • •

وكرئيس منذ كانون الثاني/ يناير 2021، لم يُقْدم بايدن على تغيير الأوضاع المعوجة التي أسس لها ترامب، بل أعتقد أنه سُعد بما ورث، وعمل على البناء عليه في مختلف الاتجاهات. وتعامل بايدن مع الفلسطينيين كما فعل ترامب، ولم ينفذ وعده بإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس، وكرسَ بايدن وكبار أعضاء إدارته القليل من الجهد لاستئناف عملية السلام، وغضوا الطرف عن أعمال العنف المتزايدة التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين العزل، وهي أفعال تسامحت معها إن لم تكن تدعمها علناً الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، والتي لم تهز ممارساتها قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عمق الصداقة والتحالف مع واشنطن.

وبدلاً من محاولة تعديل ظلم بايدن للفلسطينيين، عملت إدارة بايدن على كسب ود المملكة العربية السعودية، في محاولة لإتمام وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية. إضافة لكل ما سبق، وعلى الرغم من تعهده خلال حملته الانتخابية بالانضمام مجدداً إلى الاتفاق النووي مع إيران، إلا أنه تردد ولم يُقْدم على ذلك، وهو ما ساهم بصورة أو أخرى، في وصول رئيس متشدد إلى السلطة في طهران، وهو ما زاد من عرقلة أي هدوء في ملف الصراع العربي الإسرائيلي.

وبعد بدء عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، أسرعَ بايدن بتقديم مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية إلى إسرائيل، وهو ما تستخدمه حكومة بنيامين نتنياهو لقتل ما يقرب من 30 ألف فلسطيني بقنابل وذخيرة أمريكية مررها بايدن بالتحايل على القانون الأمريكي. ويرفض بايدن المطالبة بوقف إطلاق النار. واستخدم بايدن حق النقض- الفيتو- ضد قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدعو إلى وقف إطلاق النار، ورفض طلب جنوب إفريقيا الموثق على نطاق واسع إلى محكمة العدل الدولية الذي يتهم إسرائيل بالإبادة الجماعية باعتباره «لا أساس له». ويقال إن بايدن، بعد شهرين من بدء العدوان الإسرائيلي، قد طالب إسرائيل بتخفيف حدة هجماتها، إلا أن نتنياهو يتجاهل ذلك دون أي رد فعل من واشنطن.

  • • •

لا يكترث ترامب إلا لمصلحته الشخصية، وتحيزه ضد المسلمين موثق جيدا، إلا أنه لا ينبغي لأحد التوهم أن فترة حكم ثانية لبايدن ستشهد أكثر مما حققته جهود أمريكا السابقة التقليدية أثناء حكم رؤساء تقليديين من أبناء المؤسسات السياسية الأمريكية التقليدية، سواء الجمهوري منها أو الديمقراطي، نحو منح الفلسطينيين حقوقهم. في الوقت ذاته، جاء موقف ترامب من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مُنّصباً على شخصه بالأساس! وقال لو كنت رئيساً لترددت حركة حماس في القيام بهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر. ثم أغضب ترامب قبل أسابيع الدوائر السياسية والإعلامية الأمريكية بعدما أشار إلى أن الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، يتصفان بكراهية بعضهما البعض، ويرى ترامب أن هذه الكراهية المكتسبة راسخة في كلا الجانبين.

  • • •

على النقيض، قد يوفر فوز ترامب بفترة حكم ثانية بصيصاً من الأمل، لا يتوافر في حالة بايدن. ترامب رجل أعمال بالأساس، ولا أستبعد أن يكون سعي ترامب وعائلته، لتتبع المال (الخليجي) قد يوفر فرصة نادرة لتفرض إدارة ترامب الثانية ضغوطاً لم تعرفها إسرائيل من قبل تجاه تأسيس دولة فلسطينية.

وأُذكّر القُراء هنا أن ترامب هو السياسي الأمريكي الوحيد الذي تعهد بفتح سفارة لطهران في واشنطن حال موافقة إيران على صفقة جديدة للملف النووي، وهو ما لم يجرؤ عليه أي رئيس منذ اندلاع الثورة “الإسلامية” بإيران عام 1979. كذلك كان ترامب الرئيس الذي تجرأ على دعوة ممثلي حركة طالبان لاجتماع في البيت الأبيض للتوقيع على الاتفاق الذي مهد للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، إلا أنه تم إلغاء الاجتماع في اللحظات الأخيرة بسبب هجوم في كابول قُتل فيه جندي أمريكي.

ما أود الإشارة إليه أن أي رئيس غير تقليدي لا يعترف بتوازنات القوى داخل العاصمة واشنطن، ويجهلها، ولا يتقيد بضغوط اللوبي اليهودي، ولا يكترث بالتبرعات المالية لكبار ممولي الحزبين، قد يوفر بارقة أمل، طالما أن الجانب العربي يرفض استغلال ما لديه من موارد وإمكانات ضخمة مالية وبشرية وعسكرية، لدعم طموحات الفلسطينيين في دولة مستقلة.

* كاتب صحفي مصري متخصص في الشؤون الأمريكية

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.