الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أردوغان في القاهرة: من إشارة «رابعة» إلى عيد العشاق!

بكر صدقي *

بعد اثني عشر عاماً من القطيعة، قام الرئيس التركي أردوغان بأول زيارة له إلى القاهرة، في الرابع عشر من شهر شباط الحالي. ولا بد أن منظمي هذه الزيارة قد اختاروا هذا اليوم بالذات لدلالته الرمزية، أي عيد القديس فالانتاين المعروف باسم عيد العشاق، في إشارة إلى تحوّل كبير في العلاقات بين الزعيمين اللذين يتفردان بقيادة البلدين.

ومنذ الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي في الثالث من شهر تموز/ يوليو 2013، اتخذ أردوغان موقفاً حاداً من الجنرال المصري الذي سيتحوّل إلى رئيس يتكرر انتخابه بصورة أوتوماتيكية كل أربع سنوات، الأمر الذي انعكس توتراً دائماً في العلاقات بين دولتين تعتبران من الدول الأكثر أهمية في الإقليم، وللعلاقات بينهما تأثيرات مهمة، سلباً أو إيجاباً، على الديناميات الإقليمية.

وقد انعكس موقف أردوغان من انقلاب السيسي سلباً على علاقات تركيا مع كل من السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً اللتين دعمتا انقلاب السيسي في مصر، فوصلت العلاقات بين تركيا وكل منهما إلى ما يقارب الحضيض في السنوات التالية.

وبذلك كانت أنقرة قد وضعت نقطة النهاية لسياسة «صفر مشكلات مع دول الجوار» التي وضع أسسها رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو حين كان مستشاراً لرئيس الحكومة، في حينه، رجب طيب أردوغان. وفي إطار تلك السياسة تطورت العلاقات التركية مع الجوار العربي في المجالات الاقتصادية والسياحية والثقافية، وبخاصة مع سوريا. وجاءت ثورات الشعوب العربية واتضاح ثقل الإسلاميين فيها لتغري القيادة التركية المتحدرة من تيار الإسلام السياسي بأنه زمن استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية من خلال لعب دور قيادي في الإقليم، وبخاصة أن هذا الحلم التركي كان يلقى استحساناً في واشنطن التي رأت أن تركيا يمكن أن تلعب دور نموذج الإسلام السياسي المعتدل المتصالح مع الديمقراطية واقتصاد السوق المعولم بالنسبة لدول المنطقة، في مواجهة التيار الإسلامي المتشدد المتمثل في الحركة الجهادية العالمية.

وهكذا وضعت تركيا ثقلها في دعم الثورات في كل من سوريا وليبيا بصورة خاصة. وزار أردوغان القاهرة في أعقاب انتخاب محمد مرسي لرئاسة الجمهورية، وكان يأمل أن تشكل تلك الزيارة فاتحة حقبة جديدة من التعاون بين البلدين. غير أن الانقلاب العسكري الذي أطاح بمرسي أنهى تلك الأحلام، فتواترت تصريحات أردوغان المُنددة بالانقلاب، غير المظاهرات الشعبية الحاشدة التي قام بها مؤيدو الحكومة في تركيا ضد الانقلاب في مصر، إلى أن تحوّل رفع أصابع اليد الأربعة إلى إشارة ثابتة لدى أردوغان كلما ظهر أمام جمهوره، في إشارة إلى مجزرة ميدان رابعة العدوية التي قتلت فيها قوات الأمن المصرية مئات المعتصمين وجرحت الآلاف. ووصف أردوغان في خطاباته الغاضبة الجنرال السيسي بالقاتل والطاغية.

وأصبحت إسطنبول ملجأ لآلاف المعارضين المصريين، بينهم إعلاميون واصلوا نشاطهم الإعلامي المعارض للسلطة الانقلابية عبر قناة «مكملين» التلفزيونية وغيرها من المنابر الإعلامية، الأمر الذي شكل أحد مواضيع المباحثات بين الجانبين بعد بداية مسار التطبيع منذ العام 2021.

كان أحد أهم دوافع القيادة التركية لمراجعة سياستها الخارجية تجاه دول الإقليم هو الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت في السنوات الماضية، فبدأت مساراً دبلوماسياً متعدد الجبهات مع كل من السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل، إضافة إلى موافقتها المبدئية على المضي قدماً في تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد في سوريا بضغط روسي. وقد أثمرت تلك السياسة إلى الآن في تحسن علاقات أنقرة مع كل من أبو ظبي والرياض، وها هي زيارة أردوغان للقاهرة تنهي القطيعة التي دامت لأكثر من عقد مع مصر السيسي.

جاءت الزيارة في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة، واستعداد الجيش الإسرائيلي لاقتحام مدينة رفح التي تشكل آخر ملجأ لفلسطينيي القطاع ونافذتهم الوحيدة على مصر. وإذا كانت أجواء الحرب طاغية على الاجتماع فلا تخلو جعبة أردوغان من أهداف اقتصادية وسياسية ضمن جدول أعمال اللقاء مع السيسي. فقد استبق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الزيارة بتصريح تحدث فيه عن احتمال شراء مصر لطائرات بيرقدار التركية من غير طيار التي اشتهرت في السنوات الأخيرة لدورها في حرب أوكرانيا لمصلحة الأوكرانيين.

كما قام فيدان بزيارة إلى ليبيا قبل أسبوع التقى فيها بطرفي الصراع هناك، بعدما كانت أنقرة منحازة في الصراع الداخلي في ليبيا ضد الطرف الذي تدعمه القاهرة، في بادرة لا بد أن تسر الرئيس المصري وتذلل ما تبقى من عقبات أمام تحسين العلاقات بين البلدين. كما سبق أن طلبت أنقرة من المعارضين المصريين المقيمين على أراضيها التوقف عن نشاطهم الإعلامي بما في ذلك وقف بث قناة «مكملين» التلفزيونية قبل نحو سنتين، أثناء لقاءات الاستكشاف بين الطرفين في الطريق إلى التطبيع.

مع هذه الزيارة تنطوي صفحة أخرى من الاستقطاب الحاد الذي خلقه الربيع العربي بين قادة دول المنطقة، من غير أن يحقق الربيع المذكور أياً من تطلعات الشعوب التي فجّرته. بل إن اللوحة السياسية الإقليمية التي قد تنشأ بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة قد تكون أكثر سوداوية مما عشناه إلى الآن.

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.