الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مصر وتركيا.. إقليمية جديدة

بشير عبد الفتاح *

يمكن فهم الوتيرة المتسارعة للتقارب المصري- التركي الراهن، ضمن سياق «الإقليمية الجديدة»؛ التي تقتضي تغليب مقاربات التفاهم والتعاون، على بواعث التوتر والصدام. شأنها شأن دول الجوار الإقليمي قاطبة، لم تفوت تركيا فرصة استغلال الفراغ الجيواستراتيجي الناجم عن انهيار النظام الإقليمي العربي، وأفول العمل العربي المشترك. فلقد نجحت أنقرة في ترسيخ تموضع عسكري طويل الأمد، بعدة دول عربية، عبر إقامة قواعد عسكرية، ومباشرة التدخلات العسكرية في تلك الدول.

رغم تنوع المبادرات الدولية والمشاريع الإقليمية الهادفة إلى التعاون، لا تزال منطقتنا تفتقر إلى منتدى مستدام للحوار الاستراتيجي البناء، أو إطار للأمن الإقليمي. وفي أصقاع شتى من العالم، تسنى لتلك المنتديات والأطر، على غرار «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» و«رابطة أمم دول جنوب شرق آسيا»، تعزيز التواصل حتى بين الخصوم، والمساعدة في منع التصعيد وخفض التوترات.

على قسوتها وبشاعتها، تتيح المأساة الفلسطينية فرصة ذهبية لتأسيس نظام أمني إقليمي، أكثر قوة واستدامة؛ يضمن الأمن والاستقرار، يحمي مصالح الجميع، ويحصن الدولة الوطنية ضد مخططات التقسيم الغربية، ومشاريع إعادة هندسة الإقليم، وفقاً لأهواء القوى الكبرى. كما يلتمس السبل الكفيلة بالحفاظ على وحدة وتماسك دول المنطقة، ودعم لحمتها الوطنية، علاوة على تعزيز توازن القوى الإقليمي.

بمقدور النظام الأمني الإقليمي المستدام، اعتماد أنماط جديدة من القيادة التعاونية، وتبني بدائل ناجزة لتوازن القوى التنافسي، الذي يخيم على العلاقات الإقليمية منذ عقود. وفي وسع ذلك النظام بلورة تعاون إقليمي أكثر شمولاً، يقوم على تحسين الاتصال، التنسيق من أجل تخفيف حدة التوترات وإدراك مغانم اجتماعية، اقتصادية وأمنية متبادلة للأعضاء. من خلال الاتصالات المنتظمة وبناء الثقة تدريجاً؛ بما يحول دون تحول الإقليم إلى ساحة جديدة لتنافس القوى العظمى. ويمكن لمصر وتركيا، بمساعدة أطراف إقليمية أخرى، مثل الأردن ودول الخليج، إطلاق عملية ممنهجة في هذا الاتجاه، بما يفتح الباب أمام مشاركة أوسع في قادم الأيام. ولعل «منظمة غاز شرق المتوسط»، تمثل بداية ناجعة في هذا المضمار.

لما كانت المنافسة سُنة كونية بين القوى الإقليمية والدولية؛ فإن براعة تلك القوى تكمن في إدارة تلك المنافسة، على النحو الذي يكبح جماحها، ويحول دون تحولها إلى صدام، أو صراع.

من هذا المنطلق، يمكن لمصر وتركيا صياغة استراتيجيات تفاهمية لإدارة المنافسة بينهما، عبر تبني مقاربات جيواقتصادية، واعتماد نهج التنسيق الاستراتيجي، بغية احتواء الخلافات، ومنع تفاقمها، بما يساعد على تعظيم المغانم وتجنب المواجهة.

فجيو اقتصادياً، من شأن إدراك البلدين للتكامل الاقتصادي، أن يهيئ الأجواء لتوثيق عرى التفاهم والتعاون في مختلف المجالات، والتوصل إلى تسويات مُرضية لمختلف القضايا العالقة والملفات الشائكة. طوال عشرية الجفاء السياسي، التي امتدت خلال الفترة (2013- 2023)، نجح البلدان في استبقاء وتطوير وشائج التعاون التجاري بينهما.

وتمتلك مصر وتركيا مقومات عدة لتحقيق التكامل الاقتصادي بين اقتصادين يتخطى حجمهما تريليوني دولار. فإلى جانب الاعتماد، بشكل كبير، على التصنيع، السياحة، التدفقات الاستثمارية الخارجية، وتجاورهما الجيوسياسي؛ يمتلك البلدان أسواقاً محلية رائجة، بالنظر إلى رصيدهما الديمغرافي. وتتمتع مصر وتركيا بمكانة مميزة في لوجيستيات النقل الدولي، تؤهلهما لتدشين شراكة ناجزة. وبينما أعلن الرئيس التركي عزم بلاده إحياء «مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى» مع مصر، تتطلع الأخيرة لتطوير اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، بما يتيح تعظيم التبادل التجاري، وتكثيف التدفقات السياحية والاستثمارية.

يضطلع قطاع الطاقة بدور حيوي في بلوغ التكامل الاقتصادي المنشود بين البلدين. ففي حين تتصدر تركيا قائمة المستوردين للغاز المُسال المصري، وتتطلع إلى الانضمام لمنظمة غاز شرق المتوسط، يتنامى التعاون المصري- التركي في مجال الربط الكهربائي، والاستثمار في مناحي الطاقة المتجددة. ويعول الطرفان على التعاون السلمى في مجال الطاقة؛ باعتباره ركيزة لتعاون استراتيجي متعدد الأوجه والمستويات بين القاهرة وأنقرة. فبقدر ما أحدثت اكتشافات الغاز بشرق المتوسط تحولاً في موازين القوى، وتغييراً في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، التي غدت مركزاً عالمياً ولوجيستياً للطاقة، بوسعها تعزيز أنماط التعاون الممكنة بين دول إقليم شرق البحر الأبيض المتوسط، بشأن ترسيم الحدود البحرية، وهندسة خطوط نقل الطاقة.

أما على صعيد التنسيق الاستراتيجي، فبمقدور البلدين توسيع دائرة التلاقي في بعض الملفات والقضايا، عبر تفعيل الدبلوماسيات الشعبية، البرلمانية، والاستخباراتية. فضلاً عن إحياء التواصل الحضاري، وتعزيز أواصر التعاون الثقافي. مع تكثيف التعاون الأمني والاستخباراتي في القضايا محل التوافق والاهتمام العالميين، مثل المناخ، البيئة، الطاقة، الأمن الغذائي، الأمن المائي، الأمن السيبراني، الاستجابات الطارئة للأزمات، محاربة الإرهاب، الهجرة غير النظامية، الاتجار بالبشر، المخدرات، وتبادل المطلوبين.

بوسع الأطر، المشار إليها آنفاً، توفير أرضية مشتركة، وتهيئة الأجواء لتفاهمات أوسع وأعمق لجهة القضايا الخلافية والملفات العالقة. علاوة على بلورة آليات مشتركة، للإنذار المبكر، بغية اكتشاف أي خلافات مستحدثة، وصوغ الاستراتيجيات الكفيلة بالتصدي لها قبل تفاقمها، وبأقل كلفة ممكنة. ففيما يتصل بالتقارب الاستراتيجي الثنائي، هناك تقارير متواترة عن تطوير التعاون العسكري بينهما، علاوة على استئناف مناورات «بحر الصداقة» البحرية، التي كانت تجري سنوياً منذ العام 2009 بالتبادل بين المياه الإقليمية للبلدين في البحر المتوسط، لكنها توقفت عام 2013. فضلاً عن استكمال المشاورات التي بدأها الجانبان العام الماضي بشأن تدشين مسارات للتعاون بين شركات التصنيع الدفاعي لديهما، عبر إنشاء خطوط إنتاج مشتركة للذخائر والمنظومات التسليحية.

إقليمياً، يمكن لتركيا توظيف صلاتها الوثيقة بإثيوبيا لمعالجة الشواغل المصرية بشأن سد النهضة، وعدم العبث بوحدة الصومال، أو تغيير الوضع الجيوسياسي في جنوب البحر الأحمر، بما يستتبعه من تداعيات جيواستراتيجية مظلمة على المصالح الاستراتيجية للدولتين في منطقة القرن الأفريقي وباب المندب. فإلى حدٍ بعيد، يكاد الموقف التركي يتناغم مع نظيره المصري، حيال مساعي إثيوبيا لإيجاد موطئ جيواستراتيجي على البحر الأحمر، عبر توقيعها مذكرة تفاهم مع ما يسمى بجمهورية «أرض الصومال» الانفصالية، تُخولها إنشاء قاعدة عسكرية إثيوبية، وتأجير ميناء بربرة على البحر الأحمر لمدة خمسين عاماً. ففي كانون الثاني/ يناير الماضي، زار الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، القاهرة، وبحث التهديدات الإثيوبية مع الرئيس السيسي.

وقد جددت القاهرة دعمها لمقديشيو، استناداً إلى اتفاقية الدفاع العربي المشترك، مؤكدة رفضها مساعي التغلغل الإثيوبية إلى البحر الأحمر على حساب وحدة أراضي الصومال. من جهتها، لا تخفي تركيا انحيازها الكامل للصومال في رفضه مذكرة التفاهم بين «أرض الصومال» وإثيوبيا. فإبان اتصاله بنظيره الصومالي عقب إعلان توقيعها، أكد الرئيس التركي مساندة بلاده للصومال وتأييدها لوحدة أراضيه. وفي السادس من شباط/ فبراير الحالي، قام وزير الدفاع الصومالي بزيارة إلى أنقرة، وقّعَ خلالها مع نظيره التركي، اتفاقية للتعاون الاقتصادي والعسكري.

بدورها، تستطيع مصر استثمار علاقاتها الوثيقة مع اليونان، قبرص اليونانية وفرنسا، لتجسير الفجوة بين ثلاثتهم وبين تركيا. سواء عبر مساعدة الأخيرة على نيل عضوية منظمة غاز شرق المتوسط؛ أو من خلال التوسط لحلحلة الخلافات التركية مع تلك الدول الأوربية الصديقة للقاهرة. كما يمكن للمصريين والأتراك تأسيس حراك إقليمي ودولي، لحمل إسرائيل على الانخراط في تسوية عادلة ونهائية للصراع العربي- الإسرائيلي، بما يمهد السبيل لتعاون إقليمي موسع، يعود بالنفع على مختلف الأطراف. وبمقدور التفاهمات المشتركة وارتفاع منسوب الثقة المتبادلة، أن يقودا إلى بلورة رؤى مشتركة لحلحلة الخلافات حول قضايا ليبيا، السودان، سوريا، العراق، شرق المتوسط، والإسلام السياسي.

* كاتب أكاديمي وباحث مصري

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.