الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

خاطرة حول النظام الدولي… مع رأس السنة الجديدة!

موفق نيربية *

يخطر على البال سؤال ملحّ في هذه الفوضى العارمة: هل ستكفي حروب العامين الأخيرين بحساسيّتهما المرتفعة لإعادة استقرار النظام الدولي على أسس مختلفة؟ أم أننا بحاجة إلى تطوراتٍ أكثر دراماتيكية بعد؟ وهل يمكن أن يكون هنالك من يعدّل الموازين، كما فعل الكاردينال الفرنسي ريشيليو تحت قيادة لويس الرابع عشر، الذي لم يعرفه جيلنا قديماً إلّا من خلال رواية «الفرسان الثلاثة»؟ كانت مناهضة «الملك الشمس» و«الكاردينال الداهية» لآل هابسبورغ أقوى بكثير من الانتماء الديني، وتلك بذرة حداثة أخرى، ولو لم تكتمل يومها.

لم يتبلور النظام الدولي سابقاً إلّا من خلال الحروب والمَلل منها، منذ الخروج من دولة القرون الوسطى الإمبراطورية والدينية، وبعد حرب الثلاثين عاماً التي حصدت ثمانية ملايين من الضحايا، توارد على المدينتين المختارتين الألمانيتين (أوسنا بروك ومونستر، التي اختار كلّ طرف إحداهما) للمحادثات حوالي 109 من الوفود تمثّل الامبراطورية الرومانية المقدّسة الكاثوليكية الآفلة من جهة، ومملكة السويد مع عدد من الممالك والإمارات البروتستانتية، إضافة إلى فرنسا الكاثوليكية بدورها أيضاً. صكّت الاتفاقيتان في نصوصهما ما عُرف في ما بعد باسم «السيادة الويستفالية Westfallen Sovereignty»، التي تعطي لحكومات الدول الحديثة كلّ الحق بشؤونها داخل حدودها، التي لا يتدخّل بها أحد. هنا تأسّس التقليد الذي يعطي للطغاة الحق بفعل ما يشاؤون بشعوبهم، لكنّه يحفظ للدول استقلالها أيضاً، من دون حريّة. لم تتطلّب الخطوة التالية في صناعة النظام الدولي مثل ذلك العدد من الضحايا. كان عدد الجنود الذين قُتلوا في حروب الثورة الفرنسية ونابوليون بونابرت مليونين ونصف المليون فقط، مع نصف مليون من المدنيين تقريباً. انعقد مؤتمر فيينا بإدارة مترنيخ قبل نهاية تلك الحروب، ولكن بعد اتّضاح مسارها، في العامين 1814- 1815، الأول مع هزيمة نابوليون الكبرى قرب لايبزغ، والثاني مع الهزيمة النهائية السهلة في واترلو.

في مؤتمر فيينا، اعتُمدت «السيادة الوطنية» أيضاً بتفصيل أكثر، مع مبدأ «توازن القوى»، وحقوق «مناطق النفوذ»، وتمّ توقيع الاتفاقية قبل معركة واترلو بتسعة أيام، الأمر الذي يعكس ضعف فرنسا بعد زمن من التوسّع والهيمنة، وبالنتيجة تخلّت فرنسا عن الأراضي المفتوحة وكان هذا طبيعياً بعد هزائمها الطارئة، واكتسبت بروسيا والنمسا وروسيا مناطق جديدة. لم يكن هنالك من ربح موضوعي إلّا لهولندا، التي قامت كدولة على حساب أراضي النمسا السابقة.

بسبب عقلانية اتفاقات فيينا، عاشت قرناً كاملاً، حتى اندلاع حرب كونية جديدة هي الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي حدثت لأنّ العالم قد تغيّر، ليس بسبب الصراع الكولونيالي ثمّ الإمبريالي لاحقاً- وحدهما، لكنّ مخاض تحوّل الولايات المتحدة إلى دولة عظمى متميّزة وذات إرادة للقيادة، أخّر ولادة ذلك النظام الذي نشأ يومذاك، وربّما قرّب المرحلة والحرب اللاحقة التي لم تتأخّر.

تأسّس النظام الدولي الجديد إثر تلك الحرب، وبعد سقوط حوالي عشرين مليوناً من الضحايا. وقامت الدول المنتصرة يومذاك بتأسيس «عصبة الأمم» بعد محادثات صلح فرساي، أو «مؤتمر باريس للسلام»، التي استغرقت وقتاً مهماً لتنسيق مصالح المنتصرين مع سلام العالم واستقراره، كما أراد المتفاوضون نظرياً.

تأسست تلك الطبعة الأولى من الأمم المتحدة تحت عنوان الحفاظ على السلام الدولي، وشمل نظامها منع الحروب من خلال الأمن الجماعي ونزع السلاح وتسوية النزاعات بالتفاوض والتحكيم، إضافة إلى تفصيلات أخرى من نوع ظروف العمل ومعاملة السكان الأصليين والصحة العالمية وحماية الأقليات- في أوروبا خصوصاً. كان في ذهن فلاسفة تلك العملية كتاب إيمانويل كانط حول «الحكومة العالمية» والسلم العالمي. لكنّها افتقرت إلى أدوات وآليات فرض قراراتها. كما اعتمدت على الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان الأعضاء الدائمين الأوائل في المجلس التنفيذي) لتنفيذ قراراتها، أو الالتزام بعقوباتها الاقتصادية أو توفير جيش عند الحاجة.

ذلك «العَوار» أو «العطب» في معاملة المهزومين المذِلّة، خصوصاً ألمانيا، لم يتأخر بتاتاً في التمهيد للحرب العالمية الثانية بعد تسعة عشر عاماً من تأسيس «العصبة». استمرّت تلك الحرب ستة أعوام، وحصدت بين 70 و85 مليوناً من الضحايا. كان ذلك أيضاً مدعاة لإعادة النظر في النظام الدولي، الذي نتج عنه قيام هيئة الأمم المتحدة، بميثاق ومعاهدات ولوائح كادت تكون شاملة بحداثتها، لكنّ نقاط ضعفها تجسّدت في ما تمّ الاتّفاق عليه بين الدول المنتصرة في الحرب، خصوصاً حول تركيب مجلس الأمن وأعضائه الدول الخمس أصحاب الحق المطلق بممارسة الفيتو، الذي يسمّم السياسة الدولية حالياً، إضافة إلى قيام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مع تأسيس تلك الهيئة الدولية. منذ ذلك الوقت، ومؤخراً بالمعنى النسبي: طرأ انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، والعولمة، ثمّ الحادي عشر من سبتمبر. لكنّ روسيا قامت من جديد وعلى سياسات قومية من خلال بوتين، وحدثت حرب العراق 2003، وتطوّرت إيران وقدرتها على تصدير أيديولوجيّتها… مع نشوء «البريكس»، والأكثر أهمية انبعاث الاقتصاد والقوة الصينيتين. وفي هذه الأجواء المتلبّدة المتقلقلة، حدثت حربان مؤخراً، وكلاهما ما زالتا مشتعلتين من غير أفق واضح تماماً. ابتدأ البحث في «اليوم التالي» حيث الخصم ضعيف في غزة؛ ولم يبدأ شيء مماثل في أوكرانيا بعد، رغم أن حربها قاربت العامين مع انقلاب العام الحالي. في أوروبا، هنالك دور حاسم للتنافس على صياغة النظام الدولي المقبل: تعترض روسيا على توسّع حلف الناتو والاتّحاد الأوروبي حولها، وتريد العودة إلى الطاولة ذات الكرسيين، أو على الأقل ذات الكراسي الثلاثة، في قيادة العالم. وفي الشرق الأوسط، هنالك تأكيد بالقوة على وجود إسرائيل القيادي واستمراره في المنطقة من جهة، وفشل في ذلك من جهة أخرى، مع دور لإيران في ذلك الحراك، ودور متردّد لروسيا التي تخشى على مكتسباتها في سوريا على الأقل.

كلاهما- حرب أوكرانيا/ أوروبا وحرب غزّة/الشرق الأوسط- مسرحان للصراع في منطقتين أرادت الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة تخفيف التركيز عليهما وتشديده في الشرق الأقصى، قرب سواحل الصين. ثمّ تعثّرت خطواتها لاندلاع تلك النيران هنا وهناك. لولا وجود أسلحة الدمار الشامل بوفرة بين أطراف الصراع الكبيرة، ربّما احتاج الأمر سنوات لعقد «مؤتمر أو مؤتمرات للصلح أو السلام»، لكنّ الخطر داهم، وسوف يفرز الضغط نقاطاً لتفريغه أكثر فأكثر. وإذا كان هنالك من يريد المزيد من الوقت للمناورة والتأنّي، فعنده أمثلة أخرى من التاريخ غير المذكورة أعلاه، أصغر حجماً في الظاهر. أقصد هنا «مؤتمر باريس للسلام» عام 1856، لبحث آثار ونتائج حرب القرم- بالصدفة هنا- وكان الكلّ ضدّ روسيا: بريطانيا وفرنسا والخلافة العثمانية والنمسا وبروسيا وبيديمونت- سردينيا. في ذلك المؤتمر تمّ وضع عدة أسس في القانون الدولي والبحري والحربي خصوصاً، وتمّ تبريد الخلاف- تحت ضغط الهزائم الساخنة والعقل البارد- حول جزيرة القرم بين العثمانيين والروس وحماية المسيحيين في القرم وكذلك تحييد البحر الأسود، (وكذلك الخلاف بين الفرنسيين والروس أيضاً على حماية الأرثوذكس في فلسطين، بطريقة دفعت الروس إلى الانسحاب من الاتفاقية بعد حربهم مع فرنسا 1870- 1871). ورغم انهيار الاتفاقية بالفعل، إلّا أنها أرست أسساً للعلاقات الدولية بطريقة غير مسبوقة. مع نهاية عام، أو عامين، أثارت ذكرى ذلك المؤتمر علاقته بالحربين القريبتين جغرافياً على الأقل مما يجري حالياً.. وحرّضتها أيضاً تنبؤات بحرب ثالثة- ضرورية وكارثية مثلهما- في خليج الصين أو مضيق تايوان. يتوق العالم إلى خبزه وسلامه وحريّته.. معاً؛ وربّما يكون أكثر واقعية بقليل حصول ذلك، بغياب ترامب.

منذ أكثر من أربعمئة عام، كتب شكسبير مسرحية «العاصفة»، وقال على لسان أنطونيو، وهو يحاول بناء استراتيجية تجمعه مع سيباستيان: «الماضي هو مقدمة تمهيدية». كان يقصد من ذلك المثال أن كلّ ما حدث معهما من قبل، لا بدّ أن يقودهما لانتهاز الفرصة والقيام بما ينبغي لهما تنفيذه.. ولم يكن يعني أبداً مجرّد الاستغراق في حكايا عمّا مضى وانقضى!

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.