الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حرب الكبتاغون بين الأردن ونظام الأسد

رياض معسعس *

ارتفعت حرارة المواجهات مؤخرا بين الجيش الأردني وعصابات مهربي المخدرات القادمة من الأراضي السورية بعد أن تصاعدت عمليات التهريب التي ترافقت أيضا بمواجهات مسلحة مع القوات الأردنية، وبدأ الأردن يشعر بخطر حقيقي على حدوده الشمالية. إذ شن الجيش الطيران الأردني لأول مرة خلال الأسابيع الماضية عددا من العمليات العسكرية، وأربع غارات تم خلالها قصف مناطق في العمق السوري في محافظة درعا والسويداء ضد مزارع ومخابئ يشتبه أنها تابعة لمهربي المخدرات المرتبطين بميليشيات تابعة لإيران حسب مصادر أردنية، ما أدى إلى مقتل مدنيين أيضا.

وحسب شبكة “السويداء 24” فإن القصف أدى لمقتل زوجين بعد تدمير منزلهما جراء استهدافه في قرية الشعاب جنوب شرقي السويداء كما قتل شخصا من أهالي بلدة ملح، جراء استهداف الطيران لمزرعته بين بلدتي ملح والشعاب، وآخر في منطقة أم الرمان وكذلك نفذ الجيش الأردني عملية إنزال جوي داخل “المنطقة الحرة” شرق السويداء، وداهمت قوة خاصة من الجيش والأجهزة الأمنية، أوكار عدد من المهربين وتجار المخدرات بالقرب من المواقع الحدودية للمنطقة العسكرية الشرقية وتم إلقاء القبض على 7 مطلوبين “على علاقة مع عصابات التهريب وتجار المخدرات” وذكر وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، مهند المبيضين أن هناك تصعيدا بنوعية الأسلحة التي تستخدم من قبل المهربين على الجانب السوري.

مدير الإعلام العسكري:

وقال مدير الإعلام العسكري في القوات المسلحة الأردنية العميد الركن مصطفى الحيارى، إن عصابات منظمة تقف وراء التهريب من سوريا، مشيراً إلى أنّ المهربين تلقوا تدريبات عسكرية بعمل منظم تقف وراءه أجندات خارجية وحمّل المسؤولية في عمليات التهريب إلى حكومة النظام السوري، وأن هناك تهريب أسلحة الهدف منه هو بناء حواضن ترعى التهريب في الداخل الأردني.

وهدف هذه الأسلحة هو مواجهة قوات حرس الحدود ومواجهة الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة بشكل عام، وذلك لإضعاف هذه الأجهزة وبالتالي إضعاف الدولة الأردنية وتحويلها إلى دولة مخدرات. وحول زيادة عمليات تهريب المخدرات في جنوب سوريا أعلن زعيم طائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، تأييده للضربات الأردنية التي تستهدف تجّار المخدّرات في سوريا، قائلاً: “عدونا وعدو الأردن واحد” ودعا الهجري الأردن إلى تحديد ضرباته وضرورة التحقّق من عدم إلحاق أضرار بالمدنيين، لافتا إلى أن معالجة تهريب المخدرات يجب أن تتم بعيدا عن الأماكن المدنية مشيرا إلى أن الميليشيات الإيرانية في سوريا هي “الحامي لتجارة المخدرات” وكان الجيش الأردني، وخلال السنوات الماضية قد أحبط عشرات عمليات تهريب المخدرات، واعتقل العديد من المهربين واشتبك أكثر من مرة مع عدد منهم وأوقع العديد من القتلى.

الأردن ممر للكبتاغون:

تدر صناعة المخدرات وتصديرها مليارات الدولارات على النظام السوري الذي يعتمد على هذه العائدات من تجارة المخدرات وخاصة مادة الكبتاغون في دعم ميزانيته بعد تدهور الاقتصاد إثر تطبيق العقوبات الأمريكية عليه حسب “قانون قيصر” من ناحية، وحرمان النظام من عائدات سوريا النفطية التي تسيطر قوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة من القوات الأمريكية المتمركزة شرق الفرات على القطاع النفطي من ناحية أخرى، كما سيطرت القوات الروسية على الفوسفات وباقي الموارد الرئيسية في البلاد، وانخفاض كبير لعائدات القطاع السياحي، كل هذه العوامل أثرت تأثيرا مباشرا على سعر الليرة السورية التي تشهد تدهورا كبيرا إذ وصل سعرها في الأيام القليلة الماضية إلى أكثر من 15 ألف ليرة للدولار الواحد.

وأشار أكثر من مصدر إعلامي إلى أن حجم عائدات تصدير المخدرات وخاصة حبوب الكبتاغون يصل إلى أكثر من 6 مليارات دولار سنويا. ويشار إلى أن ماهر الأسد شقيق رئيس النظام بشار الأسد هو الذي يدير عملية التصنيع والتصدير لحبوب الكبتاغون، والسوق الرئيسية هي بلدان الخليج العربي، وخاصة السعودية التي أحبطت عشرات الشحنات التي تم إخفاؤها في خضار وفواكه وشحنات لمواد مختلفة. ولتأمين وصول هذه الشحنات إلى الأسواق المستهدفة في دول الخليج لابد من المرور عبر الأردن الممر الرئيسي للوصول إليها. لكن الأردن في السنتين الماضيتين عزز كثيرا من ضبط حدوده الشمالية ونشر قوات إضافية اشتبكت أكثر من مرة مع عصابات التهريب وقتلت واعتقلت أعدادا منها، وتصاعدت المواجهات بعد أن بدأت عصابات التهريب باستخدام الأسلحة والاشتباك مع القوات الأردنية والتي انتهى بها الأمر باتخاذ القرار بالتدخل المباشر في الأراضي السورية لملاحقة عصابات التهريب وإلقاء القبض على أفرادها، أو قتلهم إذا لزم الأمر وهذا ما يفسر الغارات الجوية على بعض مناطق تواجد المهربين.

الأمن العام الأردني نشر صوراً ومعلومات عن ثمانية أشخاص، قال إنهم ”أخطر المطلوبين” في الأردن، وأنهم متورطون بتجارة وتهريب المخدرات، وهؤلاء الأشخاص مرتبطون بعصابات دولية وإقليمية في الجانب من الحدود الشمالية الشرقية، (ويقصد سوريا) ويشكلون تهديدا للأمن الوطني والإقليمي ولسلامة المجتمع، وشن مسؤولون أردنيون ووسائل إعلام، الأسابيع الماضية، هجوماً على نظام الأسد بعد تصاعد عمليات تهريب المخدرات، وتتهم النظام السوري بعدم ضبط الحدود.

ماذا عن اتفاق التطبيع؟

لعب الأردن دورا هاما وفعالا في عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية ضمن شروط على النظام تنفيذها ومن أبرزها الحد من عمليات تهريب المخدرات. إلا أنه على عكس ذلك فقد تصاعدت عمليات التهريب التي أصبحت أكثر تهديدا بعد أن تحولت عمليات التهريب إلى عمليات تقودها عصابات مسلحة تواجه قوى الأمن الأردنية، وعليه فإن عملية التطبيع مع هذا النظام لم تحقق الهدف منها، وذكرت وزارة الخارجية السورية في بيان لها “التصعيد السياسي والإعلامي والعسكري الذي شهدناه في الأشهر القليلة الماضية لا ينسجم إطلاقا مع ما تم الاتفاق عليه بين اللجان المشتركة من الجانبين حول التعاون لمكافحة جميع الانتهاكات بما في ذلك العصابات الإجرامية للتهريب والإتجار بالمخدرات” وأضاف البيان:” أن نظام الأسد قدم مقترحات إلى الأردن بشأن “القيام بخطوات عملية من أجل ضبط الحدود ولم نتلق أي استجابة أردنية” وصعد النظام من لهجته بتذكير الأردن ما أسماه:” معاناة سوريا ومنذ العام 2011 من تدفق عشرات الآلاف من الإرهابيين وتمرير كميات هائلة من الأسلحة انطلاقا من دول جوار ومنها الأردن” وجاء الرد الأردني من قبل المتحدث باسم الخارجية الأردنية مؤكدا أن “الأردن زود الحكومة السورية خلال اجتماعات اللجنة المشتركة التي كان شكلها البلدان بأسماء المهربين والجهات التي تقف وراءهم، وبأماكن تصنيع المخدرات وتخزينها وخطوط تهريبها، والتي تقع ضمن سيطرة الحكومة السورية، إلا أن أي إجراء حقيقي لتحييد هذا الخطر لم يتخذ”.

وهذا الوضع من الاتهام المتبادل يعيد علاقات الأردن مع النظام السوري إلى مربعها الأول، فالنظام لا يمكنه سد ثغرة كبيرة في اقتصاده المتدهور إلا عن طريق تجارة المخدرات التي لا غنى عنها لأنها صارت بمثابة مكون أساسي في ميزانيته، ولا ممر لها إلا عبر الأردن وتوظيف متعاونين من الداخل، مع مواجهة مسلحة مع قوات الحدود من قبل عصابات التهريب المسلحة التي تزيد من المخاطر والتوتر حيث تضطر عمان للقيام بعمليات مطاردة حتى داخل الحدود السورية حيث تلقى استحسانا من قبل زعامة الموحدين الروحيين المتمردين على النظام. وهذا ما أقلق النظام الذي شعر بزيادة شعبية محاربة تجارته في الداخل السوري، وخاصة في المناطق الجنوبية، واحتمال ممارسة إيران ضغوطات على النظام للحد من التدخل الأردني الذي يتهمها مباشرة بدعم الميليشيات على حدوده.

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.