الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حول نقطة الانكسار الإسرائيلية!

سليمان أبو ارشيد *

لم يكن عاقل بحاجة إلى 110 أيام من الحرب ليستنتج أن هدفي القضاء على حماس وإعادة الأسرى الإسرائيليين الذين تحتجزهم الأخيرة، متناقضين، خاصة من قبل قائد أركان سابق مثل غادي آيزنكوت الذي كسر على الرغم من ذلك، تصريحه حول استحالة إعادة “المخطوفين” أحياء بدون صفقة تبادل، جدار الصمت الإسرائيلي وأزال القناع عن الموقف المخادع للقيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية في هذا الصدد.

وإن كنا نفهم دوافع لحظة الصدق التي حلت على آيزنكوت بشكل شخصي، فإن التحوّل الذي بدأ يتسرب إلى نواصي الإعلام والسياسة الإسرائيليين ويظهر بوضوح في العديد من التحليلات والتصريحات، هو بمثابة نقطة انكسار على طريق تحطم الإجماع “الحربجي” الإسرائيلي المتغطي ببرقع أحداث السابع من أكتوبر.

وبدون شك فإن صمود غزة وشعبها ومقاومتها هو الذي أفشل الهدف المُعلن للحرب، الذي عبّر عنه القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون، بوابل من التصريحات المتبجحة الداعية إلى سحق ومحق حماس ومحوها عن الوجود، وهو هدف جرى حشد وتعبئة الرأي العام الإسرائيلي عليه، بحيث بات يعلو على أي هدف آخر، حتى لو كان تحرير الأسرى الإسرائيليين، لا بل هو صُمّم ليبرر التخلي عن تحرير الأسرى.

يؤكد ذلك ما يساق من مسوغات للذهاب إلى صفقة تبادل أسرى مع حماس حتى بثمن وقف إطلاق نار، والتي تتحدث عن تحقيق أحد أهداف الحرب على الأقل عوضا عن الخروج منها دون طائل، بمعنى دون القضاء على حماس ودون إعادة الأسرى إحياء، وهو نقاش بدأ يتعاظم في ظل الخسائر الكبيرة التي بات يتكبدها الجيش الإسرائيلي في غزة، من جهة، والشعور بأن تأخر صفقة تبادل أخرى لتحرير الأسرى من شأنه أن يكلّف حياتهم، كما يقول المحلل العسكري لصحيفة (هآرتس) عاموس هارئيل.

هارئيل يقول ساخرا، إن النصر المطلق الذي بدا واضحا في الوعودات غير المسؤولة التي وزّعها رئيس الحكومة ووزير الأمن منذ منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يبدو أنه قد تأخر.. كما لا يلوح اقتراب حسم واضح أو أي مؤشرات على استسلام قيادة حماس.. وفي غضون ذلك تتحوّل حماس لحرب “الجريلا” بمجموعات صغيرة ولا ينقصها في غزة شباب “يائسين” تغمرهم كراهية إسرائيل، فيما يكشف عن قضية هامة أخرى وهي أن الخسائر التي يعلن عنها الجيش الإسرائيلي غير دقيقة، ويستند بذلك إلى اعترافات الضباط الكبار أنفسهم.

ومع سقوط 21 جنديا في التفجير الذي وقع في مخيم المغازي يصل عدد الجنود القتلى وفق ما أعلن عنه الجيش الإسرائيلي منذ بداية الحرب على غزة إلى 219 قتيلا، وهو رقم إذا ما قورن بعدد الذين سقطوا خلال سنة من حرب لبنان الأولى (500 قتيل) وأدى إلى قيام حركة احتجاج ضد الحرب تحت مسمى “حركة آباء ضد الصمت”، التي واصلت نشاطها حتى الانسحاب من غالبية الأراضي اللبنانية عام 1985 حيث حلت محلها “حركة أربع أمهات” حتى الانسحاب من منطقة الحزام الأمني عام 2000.

عدد من الصحافيين والمحللين الإسرائيليين استذكروا حرب لبنان الأولى عام 1982 وقارنوا بين الحربين، خاصة وأن القضاء على المقاومة الفلسطينية في مرحلتين مختلفتين مثّل هدفا مشتركا لهما، وفي السياق كتب تسفي برئيل، أن العمليات العسكرية في غزة تبدو كأنها مشهد معتاد لتلك الحرب، حيث يعود الحديث عن “حزام أمني”، هذه المرة في غزة، وعن السيطرة على محور فيلادلفيا (صلاح الدين)، كما يجتاح مطلب النصر أي علامة سؤال وأي تردد بادعاء أن ذلك يرفع الثمن الذي تطلبه حماس لتحرير “المخطوفين”.

وخيرا فعلت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بتوضيح رؤيتها وروايتنا الوطنية في الوثيقة التي أصدرتها، مؤخرا، حيث وضعت الحدث في سياقه التاريخي موضحة أن قضية الشعب الفلسطيني ومقاومته بدأت منذ 105 أعوام، 30 عاما تحت الاستعمار البريطاني و75 عاما من الاحتلال الصهيوني، وما وقع على شعبنا طوال عقود من كافة أشكال القهر والظلم ومصادرة الحقوق الأساسية، ومن سياسات الفصل العنصري، وصولا إلى ما عاناه قطاع غزة من حصار خانق منذ أكثر من 17 عاما ليتحوَّل إلى أكبر سجن مفتوح في العالم.

* كاتب فلسطيني

المصدر: عرب 48

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.