الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

خطط روسية جديدة لسوريا؟

بكر صدقي *

إذا صح ما تداولته بعض وسائل الإعلام نقلاً عن بيان صادر عن حزب سوري معارض بخصوص «توافق روسي ـ إقليمي» على ترتيبات في سوريا للعام 2024 لعزل نظام الأسد في العاصمة دمشق ومحيطها تمهيداً للتخلص منه بصورة تدريجية، فهذا قد يفسر بعضاً من القرارات التي اتخذها رأس النظام منذ بداية العام الحالي بشأن «إعادة هيكلة» إدارية وأمنية وحزبية.

فقد نشر «الحزب السوري الديمقراطي الاجتماعي» الذي أعلن عن تأسيسه قبل بضعة أشهر من العاصمة الفرنسية، بياناً يحذر فيه الشعب السوري مما يخطط لبلدهم من قبل دول منخرطة في الشأن السوري، بمعزل عن رأيهم وإرادتهم. ونسب البيان معلوماته إلى مصادر لا يريد الحزب الكشف عنها في الوقت الحالي، الأمر الذي يلزمنا بالكثير من الحذر في التعاطي مع تلك المعلومات قبل أن تتحول إلى معلومات مؤكدة.

تقوم «الخطة» وفقاً للبيان المذكور على إقامة «حكومات محلية» في بعض مناطق سيطرة النظام، مستقلة بعضها عن بعض وعن العاصمة التي ستبقى في يد النظام. وتتشكل هذه «الحكومات» من عناصر موالية للنظام وأخرى معارضة ومن مقاتلين سابقين في الجيش الحر وضباط منشقين، تحت إشراف روسي وبتمويل من دول عربية خليجية. على أن تكون لكل حكومة محلية ذراع عسكرية من عناصر محلية حصراً لضبط الأمن والعمل على طرد الميليشيات الموالية لإيران من منطقتها وتهميش مؤسسات النظام وسيطرته الأمنية. ويشمل التوافق المشار إليه على هذه الخطة، دائماً وفقاً للبيان، كلاً من إسرائيل وتركيا ودول عربية غير مسماة. ويقول البيان إن العمل على تنفيذ هذه الخطة «قد بدأ بالفعل» في 4 مناطق، حددها بدرعا والقنيطرة، والسويداء، ودير الزور والرقة، والمنطقة الساحلية. في حين تبقى المناطق الأخرى لمرحلة لاحقة بسبب ارتباط وضعها بعوامل خارجة عن سيطرة الدول المتوافقة على المشروع، ومحكومة بتوافقات إضافية غير محققة الآن مع دول وجهات أخرى كالولايات المتحدة. بما في ذلك مدينة حلب التي تتطلب ترتيبات خاصة مع تركيا.

ويعتبر البيان أن مرجعية هذا المشروع هي «مشروع الدستور الروسي لسوريا» الذي قدمته وزارة الخارجية الروسية في العام 2017، ورفضه في حينه كل من النظام والمعارضة وغالبية الرأي العام السوري المعارض، قبل أن تشكل روسيا «اللجنة الدستورية» في العام التالي.

وفي رأي «البيان» أن جوهر هذا المشروع هو استتباع سوريا لروسيا بصورة كاملة في نوع من الوصاية أو الانتداب غير الصريح، بموافقة دول عربية وتركيا وإسرائيل، وأنه يسعى لتحقيق هدفين إضافيين هما إخراج إيران من سوريا وتقويض نظام الأسد بصورة تدريجية.

سبق وأشرنا إلى ضعف مصداقية المعلومات بشأن هذا المشروع ووجوب الحذر في تناولها. وإذا كانت هشاشة قوة النظام وقدرته على السيطرة مما يغري بإضفاء شيء من الصدقية على احتمال صحة تلك المعلومات، فإن الوجود العسكري الإيراني وقوة سيطرته على مراكز القرار في دمشق تضعف منه، فليس من السهولة طرد الميليشيات التابعة لإيران من الأراضي السورية، وقد يتطلب تحقيقه حروباً محلية ضارية بدلاً من إرساء استقرار لتلك «الحكومات» المحلية ليكسب المشروع قبولاً شعبياً محلياً لا غنى له عنه. إضافة إلى أن هذه الحروب ستعني بمجموعها حرباً بالوكالة بين روسيا وإيران، في وقت تستفيد فيه روسيا من الهجمات الإيرانية على القوات الأمريكية في العراق وسوريا عبر وكلائها في البلدين والحوثيين في اليمن، على أمل أن تشكل هذه الهجمات ضغطاً متواصلاً قد تؤدي إلى سحب القوات الأمريكية من سوريا والعراق، وهو هدف معلن لروسيا لا تستطيع تحقيقه بنفسها.

بالمقابل يقوّي وجود إسرائيل في التفاهمات حول هذا المشروع من صدقية المعلومات المحتملة، بالنظر إلى هدف إسرائيل المعلن ضد الوجود العسكري الإيراني عبر وكلائها، وهي تقوم بضربات روتينية ضد هذا الوجود منذ سنوات، وتحولت في الفترة الأخيرة إلى ضربات موجعة بموازاة الحرب الوحشية على غزة المستمرة منذ أربعة أشهر.

وفي هذا الوقت بالذات تنشر صحيفة أمريكية تسريبات من مصادر مغفلة لها علاقة بوزارة الدفاع الأمريكية بخصوص تشكّل رأي يدعو الإدارة الأمريكية إلى الانسحاب العسكري من سوريا والعراق، بالنظر إلى كلفتها الباهظة على الأمريكيين (مقتل وإصابة جنود في الهجمات المدعومة إيرانياً، إضافة إلى الكلفة المادية) بالقياس إلى المكاسب المحتملة. صحيح أن ممثلين عن الإدارة نفوا وجود أي نوايا لها بالانسحاب من سوريا حالياً، ولكن لا نعرف مدى تأثر استمرار الهجمات الإيرانية من الآن حتى موعد الانتخابات الرئاسية في الخريف المقبل. وبالنظر إلى تطابق المصالح في إخراج إيران من سوريا بين واشنطن وتل أبيب، وأن موسكو ليست بعيدة كثيراً عن هذا التطابق، بل إن نظام بشار نفسه يشكو من ضغوط إيرانية اشتدت في الأشهر الأخيرة لتحصيل الديون المتراكمة عن طريق القضم من سيادة الدولة السورية… فإن تخيل سيناريو مقايضات أمريكية ـ روسية تكون ضحيتها إيران في سوريا ليس خيالياً بالمطلق، وبخاصة في ظروف حرب غزة والتفكير الأمريكي بـ«اليوم التالي» بعد انتهائها. فبإدخال هذا العامل يصبح معقولاً تصور إطار تفاهمات إقليمي واسع يشمل وضع الفلسطينيين بعد الحرب والنفوذ الإيراني في الإقليم، بما في ذلك مصير نظام الأسد.

وباستدلال عكسي يمكن تفسير النشاط الإيراني المتصاعد ضد الوجود الأمريكي، باستشعار النظام الإيراني باقتراب توافقات دولية إقليمية لطردها من مناطق نفوذها. أي أنه نشاط دفاعي استباقي أكثر من كونه هجومياً مبادراً.

كذا فيما خص قرارات رأس النظام التنظيمية المشار إليها في أول المقال، وضمناً الحملة الأمنية التي بدأ بشنها مؤخراً في اللاذقية وحمص ضد اثنين من أمراء الحرب من قوات الشبيحة التي قاتلت دفاعاً عنه في سنوات الصراع، وربما يخشى التحاق بعض مجموعاتها المحلية بالقيادة الروسية.

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.