الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

فلسطين وتفكك مجتمعاتنا

د- عبد الناصر سكرية

منذ أن وضع مؤتمر (كامبل بانرمان) المنعقد في بريطانيا بين عامي 1905 -1907، تفاصيل خطة الغرب الاستعماري للسيطرة على البلاد العربية ووراثة الخلافة العثمانية التي كانت بدأت تعاني الضعف والتراجع، ومحاولات التخريب في بنية المجتمعات العربية قائمة بخبث ودقة وتخطيط وانتظام، محاولات لم تتوقف يوما واحدا وظلت باستمرار تطور أساليبها ووسائل عملها تبعا لتغير الظروف وتنوع أحوال المجتمع في كل بلد عربي، كانت مهمة مؤتمر كامبل بانرمان  والذي شاركت فيه كل الدول الأوروبية ذات التاريخ الاستعماري الحاقد على العرب والعروبة، دراسة أحوال كل مجتمع عربي ومعرفة تكوينه ومكوناته وخصائص الإنسان فيه والبناء الاجتماعي الراسخ فيه، ومعرفة نقاط قوته ونقاط ضعفه، ومن ثم وضع الخطط التفصيلية للتعامل معه بهدف إضعافه تدريجيا بغية الوصول إلى السيطرة التامة عليه، سيطرة تضمن للقوى الاستعمارية أطول مدة ممكنة من التحكم واستنزاف الخيرات وتسيير السياسات وفق ما تقتضيه مصالحها هي لا مصالح أي من العرب.

كانت بريطانيا القوة الاستعمارية الأولى ومعها فرنسا فاقتسمتا الوطن العربي بينهما فور إنتهاء الحرب العالمية الأولى.. أما ذاك المؤتمر فقد ضم خبراء في علوم السياسة والاجتماع والنفس والتاريخ والحضارات والأديان.. نخبة من الخبراء المتمكنين في مجالاتهم فوضعوا تصوراتهم العملية التفصيلية في كيفية التحكم والسيطرة والاستنزاف، كانت البنود الرئيسية في تصوراتهم المطلوبة منهم، تتضمن خططا تفصيلية للسيطرة على الشعب والمجتمع وليس فقط على النظم السياسية الحاكمة، ومنذ ذلك الوقت تصاعدت وتيرة التخريب الاجتماعي للبلاد العربية واتخذت أنماطا جديدة أكثر خبثا وذكاء وحدة أيضا.

كانت أعمال المستشرقين الغربيين تستهدف دراسة أحوال العرب ومعرفة شؤونهم وعقولهم تمهيدا لوضع الخطط المناسبة للسيطرة عليهم، فاعتمدوا (وكان عدد كبير منهم يعمل تحت رعاية وتوجيه دوائر السياسة والحكم في بلادهم)، على أسلوب التحريض والمواجهة  المباشرة والفتنة الواضحة وتشويه التاريخ والعقيدة الدينية، فكانت محاولات عقيمة في معظمها لانتباه المواطن العربي إلى دوافعها الاستعمارية، فلجأ المؤتمرون في بريطانيا (كامبل بانرمان) إلى وسائل جديدة تأخذ في حسبانها كل معطيات العلم والتقدم التقني كما كل خبرات تجارب المستشرقين وكل دروس التاريخ الممتد في الصراع بين الشرق والغرب، والصراع بين مجتمعات وحضارات العرب وكل القوى الغازية والطامعة في بلادهم وخيراتهم ومواقعهم المميزة الحاكمة للاستراتيجيا العالمية في مجالات التنقل والتواصل والتفاعل، وسائل جديدة تعتمد أساسا على تفكيك المجتمع ذاته والالتفاف على مكوناته ونقاط قوته وليس مواجهتها مباشرة، واستيعاب نخبه وفعالياته بشكل من الاشكال وإلحاقها بحركة القوة الاستعمارية الراغبة في السيطرة والتحكم، وما أن استطاعت تلك القوى الاستعمارية تأسيس نظام إقليمي قائم على تجزئة البلاد العربية من جهة وعلى التبعية للغرب من جهة ثانية، حتى راح هذا النظام يعمل لتحقيق خطط وأهداف القوى الاستعمارية المرسومة وفق مؤتمر كامبل بانرمان، ودائما تحت رعايتها وتوجيهها وحمايتها أيضاً.

ويمكن تلخيص خططهم تلك بالعناوين التالية:

1 -اصطناع مشكلات داخلية في كل بلد عربي بمعزل عن البلدان الأخرى تكسيرا لوحدة المصير العربي واهتمام العرب بقضية واحدة مشتركة.

2- استقطاب أكبر عدد ممكن من النخب والفعاليات الشعبية وإلحاقها بأحد أشكال التبعية للنفوذ الأجنبي، وغالبا ما كان يتم هذا عن طريق التوريط  والإيقاع والإبتزاز، وتحديداً عبر مغريات النساء والمال  .

3- تأسيس طبقات من المتمولين من الفئات الشعبية وترتيب ارتباطات مصلحية لها بالنفوذ الأجنبي بحيث يصبح وجودها مرتهن له متمسك به فتكون عونا له على أبناء مجتمعها ذاته.

4- تأسيس أجيال من المتعلمين والمثقفين المرتبطين فكريا بالنفوذ الأجنبي، ينظرون له ويبررون سياساته بل ويجاهرون بدعوة مجتمعاتهم للالتحاق به ثقافياً وسياسياً واجتماعياً وسلوكياً، وتم إنشاء مئات المدارس والمعاهد والجامعات والمراكز البحثية والدراسية والثقافية لإنجاز هذه المهمة، وتهميش وتسخيف مؤسسات التعليم الرسمي الموحدة التي فرضتها التجارب السياسية الوطنية التي وصلت الى حكم بعض البلاد العربية رغما عن قوة الغرب الاستعمارية.

وكانت المنح الدراسية والبحثية وسيلة هامة لاستقطاب عقول وتنشئتها وفق ما تقتضيه السياسة الغربية.

5- تشجيع خطاب ديني منغلق متحجر مليء بالهوامش والهامشيات الاتكالية المتخلية عن ممارسة التفكير كفريضة دينية وصولا إلى تفريغ الإيمان الديني من محتواه الإيجابي التحرري النضالي البناء.

6- تفريغ كل القيم الانسانية والاجتماعية والأخلاقية من مضمونها الحقيقي الفاعل مع الإحتفاظ لها بالشكل والمظهر والطقوس.

وبفضل التجارب الوطنية التي شهدتها البلاد العربية منذ بداية خمسينات القرن العشرين ممتدة حتى أواخر الثمانينات، شهدت الحركة الشعبية العربية انتعاشاً ملفتاً فكان لها دور حاسم في إطلاق ثورات تحررية وبناء تجارب نهضوية فعالة وناجحة، أسقطت الكثير من المشاريع الاستعمارية وأفشلت خططها،  فما كان من القوى الاستعمارية إلا أن لجأت إلى إطلاق ما يسمى حركة المجتمع المدني كأحد أخطر وسائل النفوذ الأجنبي في مواجهة الحركات الشعبية النهضوية، فمنذ عقود عديدة غزت مجتمعات العرب مئات الجمعيات الممولة أجنبيا تحت شعارات التنمية والإغاثة والمساعدة ورسالة السلام وحقوق الانسان، وكانت جميعها واجهة لأجهزة الجهات الممولة وكان أخطر ما في عملها، استقطاب عشرات وربما مئات آلاف الطاقات الشبابية والنسائية والبحثية وتوظيفها في معرفة دقائق وخفايا التكوين المجتمعي وكيفية التعامل مع مكوناته وإضعافها وتفكيكها، مستغلة الحاجة الى الوظيفة أو التمويل الذي لا يتم عمل مؤسساتي مدني شعبي من دونه.

وكان من نتيجة هذا التوجه فقدان الأحزاب والحركات الشعبية للقاعدة الشبابية اللازمة لعملها المطلبي والنضالي فزادت في أزمتها وفاقمت تراجعها لا سيما بعد بيان عجز قيادات الصف الأول فيها عن التجديد ومواكبة المتغيرات أو نتيجة تكلس ونرجسية من كان يسمى المسؤول الأول فيها.

وفي العقود الثلاثة الأخيرة تفاقمت دعوات “التحديث” إلى أن بلغت حدا يكاد يفتت كل أسرة عربية بضغط العولمة الرأسمالية المنحطة أخلاقيا من جهة ؛ وتحريض الدعوات النسوية الغبية للتمرد بحجة التحرر وامتلاك المرأة زمام حياتها منفردة.

وقد بلغت خطط تفكيك المجتمعات العربية ذروتها في عدة ظواهر أساسية:

الأولى: العصبيات المذهبية والطائفية والعرقية التي يتبناها الغرب الاستعماري ذاته، ويرعاها ويستثمرها ويوظفها لخدمة ما يريد وإن كانت تحمل شعارات معادية له.

الثانية: السلبية المفرطة لدى أجيال من الشباب والتقوقع على ذواتها بما تلقته من تعليم خاص ممنهج  يحضها على الانفعالات الذاتية الفردية في مواجهة كل أحداث الحياة دون أي مظهر من الإنتماء للجماعة أو التفاعل مع قضاياها وهمومها.

الثالثة: دعوات الفجور والانحلال الأخلاقي التي تتستر بالحرية الشخصية في كل أشكال العلاقات وصولا إلى الإباحية فالمثلية والتحول الجنسي المباح.

الرابعة: انتزاع الإنسان من كونه مواطنا صاحب حق ليصبح شحاذا وعالة ينتظر صندوق الإغاثة يأتيه كل شهر من أية جهة كانت، فيتم بذلك تفكيك الإنسان ذاته.

وخلاصة كل هذه الوسائل والأساليب أنها أخذت كثيرين من أبناء الفئات الشعبية لا سيما من الفعاليات والشباب، إلى مواقع لا تخصهم بل تجعل منهم محركات سلبية معاقة ومعوقة لحركة التقدم الاجتماعي والتفاعل مع الأحداث المصيرية، ولعل في هذا ما يفسر شيئا من التقاعس الشبابي العربي في تحمل مسؤولياته التاريخية حيال فلسطين والخطر الصهيوني على سبيل المثال، وبالرغم من هذا كله تبقى الحركة الشعبية العربية على قدر عال من الإحساس بالمسؤولية والتفاعل الوجداني مع فلسطين وكل قضاياها المصيرية رغم القهر والقمع الذي يُعيقها أن تتحول إلى فعاليات مؤثرة جديا.

المصدر: كل العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.