الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

هل استعدّ العرب لمرحلة ما بعد توقف إطلاق النار؟

حسن نافعة *

نُشرت مقالاتٌ عديدةٌ بشأن ما قد تنتهي إليه عملية طوفان الأقصى، وما أعقبها من حرب إسرائيلية شاملة على قطاع غزّة، من نتائج. ولأن معظمها تناول “مرحلة ما بعد حماس”، فقد عكست هذه المقالات بشكل عام ميلاً واضحاً لدى معظم الكتّاب، خصوصا الإسرائيليين والغربيين، لفرضية أن إسرائيل ستخرُج من الأزمة الراهنة منتصرة في النهاية، وأن الحرب التي أعلنتها على الشعب الفلسطيني كله، في القطاع وفي الضفة الغربية على السواء، ستنتهي حتما بتدمير “حماس”، وبإسقاط حكمها في غزّة، وستمكّنها ليس من استعادة أسراها المحتجزين في غزّة فحسب، وإنما أيضاً من إعادة فرض سيطرتها الأمنية على القطاع، حتى لو اضطرّت تحت ضغوط دولية أو عربية لسحْب قواتها العسكرية منه.

وبعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف على اندلاع هذه الأزمة الكبرى، ما زالت “حماس” صامدة، بل وقادرة أيضاً على إلحاق خسائر بإسرائيل أكثر بكثير مما لحق بها من خسائر في أيٍّ من الحروب العديدة التي خاضها الجيش الإسرائيلي ضد الجيوش النظامية للدول العربية. لذا بدأت تظهر منذ أيام، وعلى استحياء شديد، مقالاتٌ تشكّك في قدرة إسرائيل على تحقيق كل الأهداف التي أعلنت أنها تصرّ على تحقيقها، وأيضا لإظهار حجم ما قد تنطوي عليه الأهداف المعلنة من تناقض واضح، خصوصاً التناقض بين هدف تدمير “حماس” في مقابل هدف استعادة جميع الأسرى وضمان عودتهم أحياء إلى إسرائيل. صحيحٌ أن الولايات المتحدة كانت، حتى كتابة هذه السطور على الأقل، لا تزال تتبّنى بالكامل موقف نتنياهو الرافض الوقف النهائي للعمليات العسكرية، وتقصر طلباتها من إسرائيل على مجرّد تشجيعها على إبرام “هدن إنسانية مؤقتة”، أو تقليل الأضرار التي تصيب المدنيين جرّاء عملياتها العسكرية، غير أن مؤشّرات جديدة بدأت تطفو تباعا على السطح، تؤكّد استحالة أن تتمكّن إسرائيل من تحقيق جميع أهدافها بالقوة المسلّحة، وبالتالي، ستضطرّ، آجلا أو عاجلا (على الأرجح عاجلا وليس آجلا)، للقبول بوقف نهائي لإطلاق النار والدخول مع “حماس” في مفاوضات غير مباشرة لإبرام صفقة شاملة لتبادل الأسرى والاتفاق على ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار.

من هذه الإشارات تصريحات رسمية صدرت أخيراً عن رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، ونقلتها وسائل إعلام إسرائيلية تؤكّد أنه لا يزال يرفض طلب “حماس” وقفاً نهائياً لإطلاق النار شرطاً لاستئناف التفاوض في صفقة شاملة لتبادل الأسرى، لكنه أبدى استعدادَه لقبول وقف نهائي لإطلاق النار، ولكن في حالة واحدة، حصوله على “ضمانات دولية موقّعة وغير قابلة للانتهاك”. ومنها ما نقلته وسائل إعلام أميركية من تصريحات لمسؤولين في كل من البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية، تفيد بأن الأجهزة المعنية في الإدارة الأميركية الحالية بدأت بالفعل في إجراء نقاش جاد في خيار الانسحاب الأميركي من سورية، في ضوء ما ظهر من احتمالاتٍ حتمية الانسحاب من العراق، والذي بدأ يلوح في الأفق فعلا، ما يعني أن إدارة بايدن في طريقها إلى الاقتناع بعدم جدوى البقاء والتورّط في مواجهاتٍ بلا أهداف، خصوصاً في ضوء إصرار جماعة أنصار الله (الحوثيين) على استمرار غلق باب المندب في وجه البضائع الإسرائيلية المتّجهة إلى إيلات، طالما استمرّ الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة. وتلك تصريحاتٌ، إن صحّت، توحي بحدوث تغييرات هامة وحاسمة في الموقفيْن، الإسرائيلي والأميركي، وبأن نتنياهو وبايدن بدآ يهيئان نفسيهما بالفعل لـ”النزول من فوق الشجرة”.

توقّف القتال نهائيا خلال أيام أو أسابيع قليلة، كما توحي المؤشّراتُ السابق ذكرها، رغم أن احتمالات استئنافه وتحوّل المواجهات العسكرية الجارية حاليا على أكثر من ساحة في المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة ومفتوحة ستظلّ قائمة، على الأقل طوال الأسابيع الأولى من المفاوضات المتعلقة بتبادل الأسرى، ليست بالأمر المستبعد كليا. وفي تقديري، سيكون التوقف النهائي للقتال في قطاع غزّة، إن تم فعلاً في ظل الأوضاع الميدانية الراهنة، محصلة لتفاعل ثلاثة عوامل رئيسية:

أولها: يخصّ حركة حماس والشعب الفلسطيني، فقد أثبتت “حماس” قدرتها على التخطيط لعملية عسكرية كبيرة من نوع “طوفان الأقصى”، وعلى تنفيذها بأكبر قدر من الحرفية والجسارة، وتمكّنت من الصمود والتنسيق مع حركات المقاومة الأخرى لإلحاق خسائر فادحة بالجيش الإسرائيلي، ورفض الشعب الفلسطيني النزوح من أرضه وتمسّك بتراب وطنه، رغم كل ما تكبّده من تضحياتٍ هائلة نتيجة عمليات إبادة جماعية مارسها الجيش الإسرائيلي في مواجهته، في ملحمة أسطورية نادرة الحدوث في التاريخ. لذا يمكن القول، من دون أي مبالغة، إن “حماس” قادت الشعب الفلسطيني نحو انتصار حاسم في جولة مفصلية من جولات الصراع العربي الإسرائيلي الممتد.

وثانيها: يخصّ الولايات المتحدة، فهي بحاجة ماسّة إلى الهدوء وعدم تصعيد الصراعات العالمية والإقليمية في مرحلة صعبة، فخلال هذه العام ستجرى انتخابات رئاسية أميركية صعبة، يتوقع أن تحدّد مصير الولايات المتحدة ومستقبلها إلى فترة طويلة مقبلة، كانت إدارة بايدن قد قدّمت كل ما تستطيع من دعم عسكري وسياسي واقتصادي لتمكين إسرائيل من تحقيق انتصار حاسم، لكن فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه المعلنة، وارتكابه جرائم حرب وإبادة جماعية، انعكسا سلبا على الإدارة الأميركية الحالية، وقلصا كثيرا من فرص بايدن بالفوز في هذه الانتخابات. لذا لا أستبعد أن يكون التلويح بسحب القوات الأميركية من سورية أحد أدوات الضغط التي مارسها بايدن لإجبار نتنياهو على تغيير مواقفه المتشدّدة واليائسة.

وثالثها: يخصّ الوضع الداخلي في إسرائيل، فقد تفاقمت الصراعات داخل إسرائيل بسبب تصاعد ضغوط عائلات الأسرى الذين بدأوا يدركون أخيرا أن جيشهم “الذي لا يُقهر” بات عاجزاً عن إعادة أبنائهم أحياء، كما تفاقمت ضغوط عائلات قتلي الجيش الإسرائيلي الذين تتزايد أعدادهم باضطراد في حرب استنزاف تبدو بلا نهاية. ولأن “طوفان الأقصى” ضرب إسرائيل بعد فترة قصيرة من إعصار “التعديلات القضائية”، يبدو أن المجتمع الإسرائيلي مرّ بحالة من فقدان الوعي والتوازن، قبل أن يتمكّن من الاستفاقة، ويصبح قادرا على رؤية الوقائع المرّة على الأرض، والتي تجبره على تجرّع كأس الهزيمة.

ماذا بعد أن يتوقف القتال؟ وكيف ستُدار المفاوضات التي ستبدأ عقب هذه الخطوة الحاسمة؟ هل ستقتصر على موضوع تبادل الأسرى، وبالتالي إخلاء السجون الإسرائيلية من كل المعتقلين الفلسطينيين مقابل الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين في القطاع، أم ستتوسّع لتشمل مجمل الأوضاع المتعلقة بتسوية القضية الفلسطينية، وربما مجمل الأوضاع المتعلقة بتسوية الصراع العربي الإسرائيلي ككل، والتطرّق كذلك لمعادلات الأمن الجديدة التي ينبغي رسمُها في المنطقة؟ تلك كلها أمور لم ينشغل بها كثيرون، خصوصا الأطراف الرسمية العربية، ربما لأن غالبيتهم لم يتصوّروا قط أنه يمكن لمسار الأحداث أن يتّجه في أي يوم نحو وجهةٍ تصبح فيها “حماس” قادرة على إنجاز انتصار حقيقي ومؤكّد في مواجهة إسرائيل. لذا على جميع الأطراف العربية أن تدرك في تلك اللحظة الحساسة والحاسمة من تاريخ المنطقة أن الشعب الفلسطيني كله هو البطل الفعلي والمنتصر الحقيقي في هذه الجولة من الصراع، كما عليها أن تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدُث في مرحلة ما بعد توقف القتال أن تواصل بعض الأطراف رسم مواقفها استنادا إلى مواقف تجسّدها خصومات فكرية وسياسية سابقة مع “حماس”. ويقيني أن إسرائيل ستبذُل كل ما في وسعها لاستغلال هذه الثغرة إلى أقصى مدى ممكن، ولإقناع حلفائها من الأنظمة العربية بأن “حماس”، المزهوّة بما أنجزته في هذه الجولة، ستشكل خطرا كبيرا عليها في المستقبل، وذلك محض هراء وافتراء. صحيحٌ أن “حماس” لا تمثّل الشعب الفلسطيني كله، لكنها جزءٌ أصيل منه، وبالتالي، لا يكتمل التمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني بدونه، فعزل “حماس” والعمل على تعميق الخلافات والمخاوف المتبادلة بينها وبين بقية الفصائل والأطراف، خصوصا السلطة الفلسطينية، لن يخدم القضية الفلسطينية أبدا، وسوف يضعف الموقف العربي كثيرا في مرحلة ما بعد الوقف الدائم لإطلاق النار.

لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في ما جرى للعالم العربي وفيه في أعقاب حرب أكتوبر، فقد انتهت هذه الحرب عن نصر عسكري عربي واضح، غير أن بعض القيادات السياسية في العالم العربي، خصوصا الرئيس أنور السادات، عجز عن استثمار هذا النصر الكبير والبناء فوقه، ومن ثم أدار المفاوضات اللاحقة بطريقةٍ أدّت، في نهاية المطاف، إلى توالي اتفاقيات السلام والتطبيع المنفرد مع إسرائيل، ما أفضى إلى هزيمة عربية شبه كاملة. ولولا بروز محور المقاومة المسلحة، وتنامي دوره في مرحلة لاحقة، لتحوّلت إلى هزيمة عربية شاملة، ولتمت تصفية القضية الفلسطينية نهائيا.

ثلاث قضايا يجب ألا تنجح إسرائيل في الفصل بينها أبداً، ومن ثم على جميع الأطراف الفلسطينية والعربية أن يصرّوا على الربط العضوي بينها في كل مراحل المفاوضات، والتي يتوقّع أن تطول كثيراً، ربما إلى ما بعد انتهاء انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، ثم الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المتوقعة: صفقة الأسرى، وإعمار غزّة، والتسوية الشاملة والنهائية للقضية الفلسطينية، فصفقة غزّة يجب أن ترتبط عضوياً ليس بالطريقة التي سيتم بها إعمار غزّة وإنهاء الحصار المفروض عليها فحسب، ولكن أيضا بوجود خطّة مضمونة من مجلس الأمن لتسوية شاملة ونهائية للقضية الفلسطينية تكون مقبولة من الشعب الفلسطيني بممثليه الحقيقيين.

* كاتب وأكاديمي مصري

المصدر: العربي الجديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.