الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب «في الفكر السياسي»؛ (الجزء الأول).. الحلقة الثامنة والعشرون

 (الحرية أولاً) ينشر حصرياً الكتاب المفقود «في الفكر السياسي» بجزئيه، للمفكرين “الأربعة الكبار”، وهذه الحلقة الثامنة والعشرون من الجزء الأولأسطورة الخصائص(1/4)؛ بقلم الدكتور “جمال الأتاسي”

أسطورة الخصائص(1/4)

    إن شعار «الاشتراكية العربية» الذي طرحته القوى الاشتراكية القومية في المشرق العربي، والذي بدأ حزب «البعث العربي» بطرحه منذ أكثر من خمسة عشر سنة، في وجه الحركة الشيوعية المحلية ليميز منطلقه القومي في التفكير والنضال عن منطلق الشيوعية الخارجي والأممي- هذا الشعار قد أحيط بكثير من الالتباسات والتشويه. والواقع أن هذا الشعار لم يأتِ تعبيراً عن وجهة نظر واضحة ومدروسة، ولم ينبثق عن تحليل للتكوين الاقتصادي والطبقي للمجتمعات العربية ولطريق الثورة الاشتراكية منها، بل جاء محاولة لتلمُس طريق خاصة، وجاء رفضاً للأسلوب الشيوعي الذي لم يكن استجابة لحاجات وضرورات في المجتمع العربي، بل كان قسراً مُصطنعاً للظروف المحلية وتطبيقاً لقوالب جاهزة في العمل والتفكير.

    إن فكرة «الاشتراكية العربية» قد كانت بالنسبة لنا منذ البدء، وبكل بساطة، ضرورة الانطلاق من تحليل الواقع العربي مستلهمين في هذا التحليل الخبرات والتجارب الإنسانية المختلفة، للوصول إلى رسم معالم الطريق التي يمكن أن يسير فيها الشعب العربي، نحو تحقيق الاشتراكية. فالمبدأ الأساسي لهذه الفكرة، كان يعني قبل كل شيء، ضرورة وضع النضال في سبيل الاشتراكية في إطاره القومي، أي طرحه لا على صعيد القطر الواحد، بل على صعيد الوطن العربي كله، وربط المطالب الاشتراكية بالمطالب القومية في التحرر والوحدة. ولكن شعار «الاشتراكية العربية» هذا ما لبث أن أخذ به البعض ليعطونه محتوىً غيبياً غامضاً وليفصلوه عن لحمته الاجتماعية والطبقية والإنسانية، فأخذوا يتحدثون عن نظرية عربية للاشتراكية وفلسفة عربية خاصة لها، وقالوا بخصائص عربية ومزايا أصيلة لا بد أن تتميز بها الاشتراكية العربية، واذ كان من المتعذر إعطاء محتوي واضح للاشتراكية بدءاً من هذه الكلمات والمسميات العاطفية، فقد ظلوا يدورون في الفراغ، بانتظار الفيلسوف الملهَم الذي يستطيع أن يبتكر هذه النظرية الجديدة.

    لربما وجدت تلك المنطلقات العاطفية في التفكير الاشتراكي والقومي تبريرات لها في الماضي، عندما كانت الحركة القومية العربية بحاجة لأن تؤكد على الطابع القومي لتحررها الوطني قبل التأكيد على الطابع الاشتراكي، وعندما كانت النزعة القومية العربية تواجه نفياً ومعارضة لها من الشيوعية المحلية ومن الحركات السياسية ذات النزعة الدينية، فأجابت على هذه العصبيات السلبية بعصبيتها القومية، وكان همها التأكيد على الصفات والخصائص التي تكوّن وحدة هذه الأمة ومقوماتها التاريخية الأصيلة البعيدة المدى، ولكنها تجاوزت حدود هذا التأكيد، لتعطي الوجود التاريخي للأمة صفات فوق التاريخ، فأمام نفي الاستعمار والقوى المختلفة التي تنطلق من منطلق معاد للقومية العربية وللمقومات الراهنة للوحدة القومية للأمة العربية، أجابت الحركة القومية بأسطورة الخصائص الخالدة و«الرسالة الخالدة» للأمة، وعندما نادت بالاشتراكية جرَّتها هي أيضاً إلى هذا الصعيد فزودتها بالخصائص، وما كانت تلك الخصائص إلا مجرد كلمات غامضة، حتى إذا ما أرادت أن تعطيها مضموناً واقعياً وأن تتكلم لغة أرضية وجدناها تستعمل التعابير التي تستعملها الحركات البورجوازية المعارضة للاشتراكية، فتقول بالفردية والتشبث الفردي، وبنداء الأرض، ورابطة الإرث…

    لقد تجاوزت الحركة القومية العربية مرحلة تأكيد مقومات وجود الأمة العربية وتأكيد إمكانية وحدتها، وأصبح مطلب الوحدة العربية مطلباً لجماهير الشعب الواسعة وتلبية لحاجات وضرورات مستمدة من التجربة والواقع. لقد أصبحت الحركة القومية العربية في صلب التاريخ الإنساني الحديث ولم تعد بحاجة لأن تتغذى من التعصب ومن ردود الفعل، بل إن انسجامها مع واقعها النضالي التحرري وتجاوبها مع التجربة التاريخية والإنسانية التي تمر بها، يفرضان أن تكون رفضاً للتعصب وتحطيماً لعبودية القوالب العتيقة والأساطير. لا شك بأن الكثيرين قد تحرروا من هذه النظرة التعصبية الضيقة في تفكيرهم القومي والاشتراكي، ولكن تلك القوالب العتيقة ما زالت تطبع بعض العقول بطابعها وتعطي للتفكير الاشتراكي للحركات القومية في المشرق العربي شكله الغامض.

    إن إطلاق شعار «الاشتراكية العربية» على سبيل التخصيص، في وجه التفكير الاشتراكي العالمي، وكل ما يُرادف هذا الشعار من ادعاءات ضخمة، وإعطاء مزايا خاصة لاشتراكيتنا ومبادئ مميزة لا تجد أي رصيد لها في الواقع. إن مثل هذه الاشتراكية تثير عند المفكرين الاشتراكيين في الدول الاشتراكية والغربية الشك في قدرتنا على إيجاد منطلق علمي حديث في تفكيرنا الاشتراكي.

    في مطلع عام 1956 زار وفد من قيادة «الاتحاد الاشتراكي» اليوغوسلافي الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان، وحزب البعث العربي الاشتراكي في سورية. وكانت لهذا الوفد مع قادة الحزبين اجتماعات ومباحثات، ولقد سجل الوفد انطباعاته عن هذه الزيارة والمحادثات في تقرير قدمه «للاتحاد الاشتراكي»، ولم ينس اليوغوسلاف في تقريرهم أن يشيروا للطابع الفردي والتفكير الصوفي الغامض لقيادة الحزب التقدمي وعن المنبت العشائري لتنظيمه. وكانت نظرتهم لحزب البعث أكثر جدية، ولكنهم أخذوا عليه أيضاً ما يحمله في تفكيره الاشتراكي من غموض ومن أطر روحانية ومثالية في التفكير، واستشهدوا على ذلك بفقرات من الدستور القديم لحزب البعث، والاشتراكيون اليوغوسلاف لهم مذهبهم الشيوعي ونظريتهم الماركسية، ومن الممكن أن يوجه لهم ولمن يذهبون مذهبهم، جميع الانتقادات التي توجه للماركسية ولأنظمة الدول الاشتراكية، ولكن ما هو الرصيد الفكري والعملي الذي يوضع أمامها? إن القوى المعارضة للاشتراكية لا يعنيها من النقد إلا موقفاً سلبياً، إنها لا تريد الاشتراكية، وفي هذا السبيل يكفيها أن تحصي نقائصها وعثراتها.

     قال جيل مارتينه في كتابه: (الماركسية في زماننا) :«هناك من يرفضون الماركسية، وينقدون نقائصها بأسلوب يماثل أسلوب موليير في نقده للأطباء. ولكننا مهما تكن الظروف، نفضل الأطباء على الدجالين..».

وكذلك الأمر فان معارضة المذهب الماركسي في الاشتراكية باشتراكية عربية، من غير أي رصيد نظري، سوى أسطورة الخصائص والمميزات، يقيم سداً بيننا وبين تمثل الأفكار والتجارب الاشتراكية في العالم.

    ولقد ساعد على هذا الاتجاه ولا ريب، موقف الشيوعيين السلبي من اليقظة القومية العربية، والشكل المذهبي الضيق الذي تحولت إليه الماركسية منذ أن أصبحت مذهباً رسمياً لدولة كبرى، على يد الستالينية، والشكل النمطي الجامد في نقل الشيوعيين المحليين للأفكار الماركسية. ولقد تغذت من الماركسية أيضاً جميع الحركات الاشتراكية التي قامت في الغرب، وأعطتها صوراً وتأويلات مختلفة، ولكنها ظلت تدور بها في جو مشكلاتها الخاصة، وأصبحت الماركسية بعيدة عن أن تعطي جواباً على التجربة الثورية للشعب العربي وللشعوب المتخلفة التي لا تدور في فلك الدولية الشيوعية، ومع ذلك فقد كان للأفكار الماركسية بوجه عام، كما كان لظفَر الثورات الاشتراكية في عدد من الدول، دوراً إيجابياً في تغذية النضال القومي والاشتراكي في الوطن العربي وتعزيزه، ولكن الحركات الاشتراكية العربية لم تستطع أن تكيف هذه الأفكار بشكل يجعل منها دليلاً نظرياً للعمل، كما وأنه لم يكن بمقدورها أن تقدم بديلاً عنها، فظلت تدور على نفسها مكتفية بإطلاق الشعارات الاشتراكية العامة، غير أن التجربة الثورية العميقة التي مر بها النضال الشعبي التحرري في عدد من الأقطار العربية في السنوات الأخيرة، أخذت تملأ هذه الشعارات بمحتوى إيجابي، لتضع بعض الحركات السياسية، بل وبعض الحكومات على طريق الاشتراكية. وإن التعمق في تحليل هذه التجربة وتمثلها واستخلاص نتائجها النظرية، وأن الانفتاح الحر على التجارب الانسانية الأخرى، وعلى التفكير الماركسي في إطاره الواسع، لا بد وأن يخلق جواً من التفكير الجدي يمكن الوصول منه إلى استخلاص وجهة نظر أو دليل نظري للنضال التحرري وللتطبيق الاشتراكي في الوطن العربي.

    ولكن- وفي هذا السبيل- لا بد من الانعتاق من التفكير السلبي ومن ردود الفعل العاطفية، ولا بد من التحرر من أسطورة الخصائص الثابتة والمزايا الخالدة للاشتراكية العربية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع.. الحلقة التاسعة والعشرون بعنوان: أسطورة الخصائص(2/4)؛ بقلم الدكتور “جمال الأتاسي”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.