الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

“جبران توفيق شامية” (1914- 2006م): حياة حافلة لكاتب سياسي عربي منسي(1) 

هشام محمد *        

  • قبل سنوات خلت، كنت أبحث عن بعض الكتب الإلكترونية بصيغة pdf (مصورة أو نصية) حول التاريخ والسياسة والمجتمع في الخليج والجزيرة العربية، وكثير من تلك الكتب ممنوع للأسف بحكم سياسات الرقابة السلطوية الجائرة على المطبوعات والكتب، وجدت صدفة من بين أسماء وعناوين الكتب الممنوعة في الخليج عنواناً لكتاب اسمه (آل سعود ماضيهم ومستقبلهم)، وكاتبه شخص يدعى “جبران توفيق شامية”، وقد حاولت جاهداً أن أحصل على الكتاب مصورا بصيغة pdf، وبحثت كثيراً في أرجاء مواقع الإنترنت خاصة تلك المشهورة برفع وتحميل ملفات الـpdf للكتب الإلكترونية، ولكن للأسف الشديد لم أفلح في ذلك، وعلق في ذهني اسم “جبران شامية”، وقررت جاهداً في وقت من الأوقات أن أبحث أكثر حول هذا الكاتب، ولم أبدأ جدياً بذلك إلا في أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وللأسف، فتشتُ طولاً وعرضاً في جميع صفحات شبكة الإنترنت لعل وعسى أنتفع بالكثير من المعلومات عنه وعن حياته، ولكن للأسف لم أحظ من الإنترنت عن “جبران شامية” سوى بالنزر اليسير، وقد تواصلت مع كثير من الأصدقاء العرب خصوصا المهتمين والمختصين منهم في التاريخ السياسي للمنطقة العربية وعلى وجه التحديد تاريخ سوريا ولبنان الحديث والمعاصر، ولكن للأسف وجدت أن الكثير منهم لا يعرف عن “جبران شامية” شيء، وإن عرفوه فلا يعرفون شيئاً سوى اسمه وبعض كتاباته ومؤلفاته ومعلومات شحيحة أخرى حوله، أما عن مؤلفاته وكتبه فلم أحظَ منها سوى بكتابين فقط متوفران pdf (الاشتراكية في التجارب العربية) و(هل يقدم الإسلام نظرية للحكم ؟)، ومن كتابه الثاني (هل يقدم الإسلام نظرية للحكم ؟)، استعنت بسيرته الذاتية المنشورة في ذلك الكتاب، وأخذت أعدل وأضيف عليها من كل مصدر أو مرجع يقع بيدي هنا أو هناك، سواء بالعربية أو بالإنجليزية.
  • “جبران توفيق جبران أنطون شامية”، ولد في عام 1914م في العاصمة السورية دمشق، وهو من أسرة آل شامية المسيحية الأرثوذكسية الثرية والمعروفة منذ منتصف القرن 19م، والتي كانت من أبرز عائلات حي باب توما الدمشقي العريق، ووالد “جبران شامية” هو السياسي والوزير والمحافظ الراحل توفيق شامية (1885- 1963م) أحد مؤسسي الكتلة الوطنية السورية وأحد جناحيها حزب الشعب بين منتصف عشرينات وخمسينات القرن الماضي، درس في الجامعة الأمريكية في بيروت [AUB] وتخرج منها عام 1938م من كلية العلوم السياسية والاقتصادية (كانت رسالته الجامعية بالإنجليزية تحت عنوان مشروع مقترح لوحدة عربية فيدرالية مع مقدمة ابتدائية حول القومية العربية)، في تلك الفترة كان “جبران شامية” في بدايات حياته السياسية“جبران توفيق شامية” (1914- 2006م): حياة حافلة لكاتب سياسي عربي منسي(1)  الباكرة شاباً وطنياً وقومياً عربياً متحمساً ونشطاً في معاداة الاستعمار الفرنسي والبريطاني في الشام والعراق، فكان من أعضاء الحركة العربية السرية (جماعة الكتاب الأحمر) التي ظهرت في بيروت بلبنان عام 1935م وانتهت مع الحرب العالمية ونهاياتها عام 1945م، وبعد استقلال سوريا ولبنان في 1946م، عُين ‘شامية’ في عام 1947م مستشاراً من الدرجة الثانية ضمن ملاك وزارة الخارجية السورية لفترة من الزمن، ثم ترشح في انتخابات الجمعية التأسيسية (البرلمان السوري) عام 1949م لكنه انسحب منها بالتنازل لصالح أحد المرشحين، وعلى إثر تدهور الأوضاع في سوريا نتيجة لعدم الإستقرار السياسي والانقلابات العسكرية المتكررة، انتقل “جبران شامية” إلى لبنان عام 1954م فأسهم في تأسيس (نادي خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت- مؤتمر الخريجين الدائم لقضايا الوطن العربي) وكان عضواً في مكتبه التنفيذي، كما انضم إلى أسرة تحرير جريدة الحياة وارتبط بعلاقة صداقة قوية مع مؤسسها ومالكها الصحفي والسياسي اللبناني “مالك مروة” منذ عام 1954م وحتى عام 1966م، وقد استقال من أسرة تحرير الحياة في 1966م بعد اغتيال صديقه “كامل مروة” نتيجة لخلافاته الشخصية والإدارية (أي شامية) مع مُلاك الحياة (أسرة وورثة كامل مروة)، ليؤسس دار نشر شخصية كان ينشر فيها مؤلفاته ومطبوعاته سميت بدار الفكر الحر للأبحاث والنشر (تُعرف اختصاراً ولاحقاً باسم دار الأبحاث والنشر)، وقد بلغ عدد منشوراتها حتى عام 1995م حوالي أكثر من 30 كتاباً مطبوعاً ومترجماً، وكانت أهم مطبوعاتها سلسلة (سجل العالم العربي- Record of the Arab World) الفصلية التي وثقت الأحداث السياسية للمنطقة وتطوراتها بين(1966و1977م).
  • كان “جبران شامية” في أعقاب الحروب الأهلية والإقليمية- العربية الباردة في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي كاتباً يمينياً ليبرالياً محافظاً معادياً بصورة متطرفة ودعائية للشيوعية والاشتراكية في العالم العربي بحكم تأثره المبكر بالفكر الليبرالي المحافظ ولكونه من أسرة ثرية- برجوازية تأثرت كثيراً بإجراءات التأميم والإصلاح الزراعي في زمني الوحدة السورية مع مصر عبد الناصر (1958- 1961م) وحكم حزب البعث منذ 8 آذار/ مارس 1963م، وكان “جبران شامية” على ارتباط واضح بجماعات اليمين المحافظ والمتطرف المعادية للشيوعية واليسار عالمياً من خلال مشاركته على سبيل المثال في أعمال مؤتمر مناهضة الشيوعية العالميWorld Anti-Communist League WACL منذ تأسيسه في عام 1966م في العاصمة التايوانية تايبيه، بل وأسهم مع شخصيات عربية وشرق أوسطية مشاركة في المؤتمر كشكيب الأموي وأحمد جمجوم (من السعودية) وسعيد بن سمحان الكثيري (من سلطنة عُمان) وجهاد فتحي تيفيت-أوغلو (من تركيا) وجورج إلياس البيطار ونصري المعلوف (من لبنان) وآخرين من دول شتى في تأسيس فرع إقليمي للمؤتمر تحت مسمى مؤتمر تضامن الشرق الأوسطMiddle East Solidarity Council MESC تأسس في آذار/ مارس 1975م في بيروت (انتقل المقر لاحقاً إلى الرياض بسبب الحرب الأهلية في لبنان، وتوقفت أعماله تقريباً مع نهايات الحرب الباردة وسقوط السوفييت في عام 1991م)، كما كان على علاقات وثيقة بمنظمة (تحالف الشعوب المناهضة للبلشفية- Anti-Bolshveik Bloc of Nations ABN) التي كان يقودها القومي الأوكراني اليميني المناهض للسوفييت “ياروسلاف ستيستكو”، وأيضا كان على علاقات طيبة مع حكومة تايوان، وجماعات وأفراد دوليين كثر تجمعهم ”معاداة الشيوعية”، بل وقام بترجمة روايات الكاتب البريطاني “جورج أورويل” المشهورة (العالم عام 1984م) و(مزرعة الحيوانات ”ترجمها ‘شامية’ بعنوان مزرعة الحيوانات الثورية”) إضافة لرواية الكاتب الإيطالي “جيوفاني غويراشي” (دون كاميليو في موسكو ”ترجمها شامية بعنوان رجل دين في موسكو”)، وعربياً كانت له علاقاته مع شخصيات سياسية وعامة عربية عابرة للحدود وكثيرة من أقطار شتى واتجاهات مختلفة كأكرم زعيتر وصلاح الدين المنجد وشكيب الأموي وقسطنطين زريق ووصفي التل وعمر حليق وجورج جبور وواصف كمال ورشاد فرعون ومنير العجلاني وعبد الوهاب فتال.. الخ
  • في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990م) انحاز “جبران شامية” إلى أحزاب اليمين المسيحية المحافظة (الجبهة اللبنانية بأحزابها وفصائلها مثل الكتائب والوطنيين الأحرار والقوات اللبنانية.. الخ) وتعاطف معها، بل وكان عضواً في لجنة البحوث والإنماء في جامعة الروح القدس في الكسليك شرقي بيروت التي أصدرت منذ عام 1975م وحتى الثمانينات (سلسلة منشورات القضية اللبنانية)، والوثيقة الوحيدة التي كتبها “جبران شامية” باسمه الصريح ضمن تلك السلسلة في 11 كانون الأول/ يناير 1977م كانت بعنوان (نظام سياسي مقترح للبنان الجديد)، وفي عام 1980م رفع الحجز كلياً في سوريا بحكم قضائي عن أملاكه الزراعية على يد نظام حافظ الأسد بعد 13 سنة من مصادرتها كاملة في عهد حكومة يوسف زعين تحت ظل صلاح جديد عام 1967م.
  • انتقل “جبران شامية” إلى مونتريال بكندا لاحقاً نتيجة لاشتداد الحرب الأهلية اللبنانية، ولا نعرف عن أواخر حياته ونتاجه السياسي- الفكري شيئاً سوى أنه أصدر كتاباً سياسياً- تاريخياً نقدياً مثيراً للجدل في عام 1986م عن السعودية تحت عنوان (آل سعود ماضيهم ومستقبلهم) أصدر منه طبعة ثانية في 1989م عن دار صحارى للنشر في لندن بديلاً عن طبعة الكتاب الأولى التي صدرت في عام 1986م عن دار رياض الريس للنشر في لندن وبيروت التي حصلت بسببها مشاكل قانونية بينه وبين الدار، ومُنع الكتاب في السعودية والخليج لاحتوائه على انتقادات تمس آل سعود وسياساتهم في كثير من مواضيع الكتاب، ثم أصدر كتابه الأخير بالعربية (هل يقدم الإسلام نظرية للحكم ؟) في عام 1991م الذي أصدر منه طبعة إنجليزية لاحقة في عام 1995 م تحت عنوان (Traditionalists, Militants and Liberals in The Present Islam ”تقليديون، أصوليون، ومتحررون في الإسلام المعاصر”)، ثم ساهم في كتاب صدر عن جامعة البلمند في لبنان عام 1999م كباحث مشارك ضمن كتاب (كنيسة أنطاكية للروم الأرثوذكس: أية خصوصية ؟!).
  • يموت جبران شامية في مونتريال بكندا في 9 أيلول/ سبتمبر 2006 م عن عمر يناهز 92 سنة ليُدفن في مقبرة نوتردام دو-نيج في ربوع المدينة؛ وكان قد تزوج من السيدة (كورين شامية) وله منها 3 أولاد وبنات (طوني ومنى وهالة).

هامش:

(1). كُتب هذا المقال بتاريخ الأحد ١٨ من جمادى الآخرة ١٤٤٥هـ (31 كانون الثاني/ ديسمبر 2023 م).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب خليجي مهتم بالتاريخ السياسي العربي المعاصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.