الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

غزة ومثلثها الأحمر

شادي لويس *

العجز يحوّل الجماهير إلى جمهور. بالطبع، المشاهدة، حتى ولو من بعيد ومن وراء الشاشات، ليست عجزاً كاملاً. للمرء الحق في تفسير ما يرى، أو حتى الامتناع عن النظر. لكن أن يكون الخيار الوحيد هو بين التحديق، أو إشاحة الوجه ،فهذه مرتبة متدنية من العجز، ولعلها درجتها ما قبل الأخيرة.

الحال أن الجماهير العربية منزوعة القدرة على الفعل وعلى القول، بثقل الأنظمة الباطشة التي تحكمها وبفعل قيود الترتيبات الإقليمية الراسخة بطول عقود من الانصياع واتفاقات السلام العلنية والتواطؤ والمصالح المتبادلة في الغرف الموصدة للتعاون الأمني. إغلاق الميادين والشوارع في معظم العواصم العربية، يكافئه تضييق في العالم الرقمي، ذاك البراح المحتفَى به قبل عقد ونيف بوصفه بديلاً حراً وأداة للتحرر، قبل أن يصير هو نفسه ماكينة هائلة للرقابة والتدجين والمنع والحجب والتقييد. هناك، فعل القول يكاد يكون صدى يتردد في غرفة فولاذية موصدة على نفسه. أما فعل المشاهدة فتغلب عليه الفرجوية.

ثمة مشقة في كلا الفعلين، وهي لعبة في الوقت ذاته، قواعدها التحايل وكشف الثغرات واختراع الشفرة والتراسل بها، وهدفها النهائي هو اختراق حوائط الخرس والعمى الإلكترونية. بمقادير متفاوتة من الحماس، ينخرط الجميع في اللعبة وينتزعون أقساطاً من اللذة والرضا عن النفس، بفعل الانتصار المسموح به على الآلة. هكذا، تهبط سقوف التوقعات والممكن، إلى مجرد تمرير الرسائل والمشاهدة جماعياً، وإن لم يكن معاً، على الأقل مشاهدة الشيء نفسه ولو كل على حدة.

الأعراض الجانبية للكلوستروفوبيا (رهاب الأماكن الضيقة والمغلقة) الرقمية، تتبدى في تداول منشورات “الخوارزميات” في الصفحات الشخصية في فايسبوك، كتعويذة عصابية لها صيغ مختلفة تعد بتوسيع مجال الرؤية والسمع. نوع من هلاوس التغلب على المنصة بسحر القص والنسخ. أما المذبحة، فتُنقل على الهواء مباشرة، تيار متدفق من البشاعة على مدار الساعة. الضحايا مجردون من كل شيء سوى مأساتهم، بعضهم يشهرها أمام الكاميرات تأنيباً للعالم أو طلباً للعون، والبعض الآخر يسأل مستنكراً ” لمين بتصور؟”.

قبل وقت طويل، عُطبت المنظومة الدعائية للخصم، القوة المفرطة لا تحتاج للإقناع أو لعلها تظن ذلك. التروس الصدئة للبروباغاندا الكسولة والواثقة من نفسها، تتطلب الكثير من التشحيم بزيت الهشاشة كي تعود لسابق عهدها. يتباهى العدو بقصف المباني السكنية من أعلى، وباقتحام المستشفيات، قبل أن يعود بمقاطع كاريكاتورية لاستعراض قرائنه المرتبكة لشرعنه الاستهداف. جدول بأيام الأسبوع معلق في غرفة، ومسبحة وستارة ورائها حائطن وقطعتا سلاح، تلك مقاطع يتم هضمها سريعاً كمادة فكاهية في ملهاة للسخرية الطافية فوق بحر الدماء.

كتائب القسام، في المقابل، أتقنت توليف مادتها الدعائية، مبالغة محسوبة ومقننة في تقدير خسائر العدو المعتبرة، وإن كانت أقل من التوقعات الإسرائيلية نفسها. لكن السهم الأحمر الصغير المقلوب على رأسه، والنابض على الشاشة، يصعد إلى مرتبة الأيقونة لدى المشاهدين/المتفرجين. السحر لا يكمن في استهداف المدرعات، بل في تصوير العملية، وفي تصويرها بأريحية. التصوير طبقة إضافية من إصابة الهدف، العدسة تصوب قبل السلاح ومعه، بعلامة المثلث الأحمر. يشعر المشاهد وكأنه وراء الكاميرا المتمهلة، جزء من المشهد، وشريك في القنص وفي لحظة الانفجار. تلك اللحظة المشبعة بنشوة التدمير وشفاء الغليل، لذا تتم إعادتها وتقريبها مرة، وإبعادها مرة أخرى، إبطاؤها وتسريعها، المثلث الأحمر وكأنه أصبع يشير ويشرح ويستشير.

بفضل المثلث الأحمر، فإن المشاهد البعيد وراء الحدود، الآمن والعاجز والمدرك لعجزه والموغل فيه، يشعر لوهلة وكأنه في الصفوف الأولى للمعركة، على شاشة لعبة للفيديو مشحونة بالأدرينالين المجاني والمغامرة منزوعة التبعات. تكرار لحظة الانفجار دعوة للمشاهد حتى يضغط على الزناد الافتراضي من “المسافة صفر”، لصالح جمع النقاط الثأرية الشحيحة. في إدمان المتفرجين على الجرعة اليومية من المثلثات الحمراء، والنشوة المخدرة التي تصحبها، وجه آخر لقلة الحيلة.

* كاتب وباحث مصري

المصدر: جريدة المدن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.