الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

راهنية «الحل العربي للمسألة اليهودية»

وسام سعادة *

كتاب «سلام عابر، نحو حلّ عربي للمسألة اليهودية» واحد من أهم اللحظات الفكرية التي بدرت إلى أذهان العرب على محك قرن من الصراع. صدر قبل أزيد من ثلاثين عاما، للصحافي اللبناني الراحل جوزيف سماحة 1949-2007، عن دار النهار البيروتية. كُتب قبيل إذاعة نبأ «اتفاق أوسلو». إنما في مناخ ما كان يتسرّب يومذاك حول مسارات التسوية المختلفة التي دشّنها مؤتمر مدريد. مفيد الرجوع إلى هذا الكتاب اليوم لأكثر من اعتبار.

الأوّل أن سماحة الذي ما كان يتوقع سلام مدريد إلا حالة عابرة، يخالف المقولة الشائعة عربياً بأن «فلسطين هي قضية العرب المركزية». ليس أبداً في معرض تهميش أو إقصاء المسألة الفلسطينية عن «اللبّ العربي» وتوهّم أنه يسع اللب صرف النظر عن هذه المسألة والالتفات إلى أمور أخرى تغنيه عنها، بل العكس تماماً. لا ديمقراطية ولا تنمية عند سماحة على قاعدة إدارة الظهر لعدوان دائم مفروض على المنطقة وشعوبها.

ليست القضية الفلسطينية عنده هي المركزية» لأن «القضية الأولى والمركزية للعرب هي التدرّج نحو الوحدة العربية». هذا بعد أن يكون قد دمج التدرج الوحدوي بالإلحاح على استئناف مشروع النهضة الحضارية، وبعد أن يكون قد حاول أن يوزن نصّاً، ولا يعرف المرء سبيل تحقيق هذه الموازنة واقعاً، بين التثمين الإيجابي للمرحلة الناصرية، وبين اقتضاء إعادة إنتاج الفكرة القومية الوحدوية بمضامين ديمقراطية وطيدة.

يصعب اعتبار طرح سماحة راهنياً بكليته، إلا أن سؤال الراهنية لا ينفك يطرح نفسه عند كل عتبة ومنعطف في هذا النص الذي جمع بين اتقاد ذهن ووضوح عبارة وبين جرأة على الاستشراف والتخيّل. يُحبّذ كذلك الأمر تحييد كتاب «سلام عابر» نسبياً عن تطور وعي ومواقف صاحبه بعد ذلك.

إسرائيل هي بالنسبة إلى سماحة «الذراع الضاربة للغرب الاستعماري» وسمتها هذه غير خاضعة للتبدّل مع تسوية أو من دون. تغيرت القوى الداعمة لها في الغرب، إلا أن سمتها الإجمالية كذراع ضاربة لهذا الغرب لم تتبدّل.

وعليه، «التناقض بين الأمة العربية وإسرائيل هو تناقض غير قابل الحسم إلا بانتصار أحد الطرفين». بالتالي، «سيمتد الصراع وتتغير أشكاله وتتحول وتتكيف». بل «يمكن لهدنات أن تحصل» إنما «لا مجال للتعايش بين تصورين للمنطقة».

فالعلاقة بينهما طردية، يقوى فيها طرف بضعف آخر. فإما نهضة قومية عربية وإما المشروع المزدوج الاستعماري والقومي الصهيوني لحل المسألة اليهودية. لكن ألا يمكن أن يسائل المرء عندها هذا الطرح عن المشترك المفترض بين كل الأفكار والمشاريع القومية؟ هنا ستجد سماحة قد استنجد بمقولة لمارتن بوبر حول تحقيق القومي بمعية الكوني الإنساني.

فقد اعتبر بوبر كما يكثّف فكرته سماحة أن «تحقيق الهدف الإنساني للحركة الصهيونية لن يتم من غير إيجاد حل وطني للشعب الفلسطيني» وهو ما يرتبط عنده بعزل المسألة الفلسطينية عن سياقها العربي والباع الاستعماري في المنطقة. الملفت في المقابل أن سماحة «يستولي» على المقولة التي أناطها بمارتن بوبر، ويقول ما مفاده أن تحقيق الهدف الإنساني للقومية العربية لن يتم من غير إيجاد حل «مواطنيّ» للمسألة اليهودية! يصيغها الصحافي الراحل هكذا: «هذه هي المهمة التاريخية الحضارية الكبرى المطروحة على الأمة العربية : هل من إمكانية للارتقاء وامتلاك وسائل القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية الكفيلة بتقديم حل لا للقضية الفلسطينية ولا للقضية الإسرائيلية بل للقضية اليهودية؟»

يستدعي هذا من العرب إدراك أن المركز الرئيسي للحياة اليهودية الراهنة بات في إسرائيل، من دون أن يحل وجود الأخيرة مشكلات الدياسبورا. ويقرّ سماحة بأن العداء للصهيونية انخفض بشكل حاد بين اليهود كنتيجة لفشل أنماط حل المسألة اليهودية غير تلك الصهيونية.

فالحل البرجوازي الديمقراطي للمسألة (كل الحقوق لليهود كأفراد مواطنين لا كجماعة) ترنّح منذ قضية دريفوس، والحل الاشتراكي لها أتلفته الستالينية التي «لم تستعد تراث السجال الشيوعي ضد الصهيونية إلا لتحميله، أحياناً، مضامين لا سامية مقزّزة» كما يكتب سماحة. وقد أدى هذان الفشلان، البرجوازي الغربي والسوفياتي، مقرونين بهول «الحل النهائي» الإبادي النازي للمسألة، إلى اندفاعة قوية في تزكية «الحل الصهيوني» واحتضان الغرب له، وتمكنه من فرض نفسه كمعطى هيمنيّ على مصائر اليهود واليهودية على حد سواء.

ارتبطت تزكية الحل الصهيوني بكمية كبيرة من الخبث الغربي حيث أن «كل اضطهاد إسرائيلي للفلسطينيين والعرب، لصالح الغرب، يتحول إلى مساهمة في تبرئة ذمة هذا الغرب من اضطهاد اليهود» وحيث أن «تصرف بعض اليهود انطلاقا من مرارات ذاكرتهم وعلى أساس أن العرب لا ذاكرة لهم يخفف العبء عن الذاكرة الغربية» كما يكتب سماحة، الذي لا ينسى أن يطرح فرضية نظرية حول اليمين واليسار الصهيونيين. فهو يشير الى أنه «قد يكون اليمين الإسرائيلي أخطر على الفلسطينيين غير أن اليسار هو، بالتأكيد، أخطر على العرب».

فاليمين حين يسوّغ لنفسه فكرة العيش في قلعة محاصرة يستبطن استمرارية حصار عربي لهذه القلعة، فيما اليسار الصهيوني يراهن على سقوط الحصار. لأجل ذلك لا يتردد سماحة في الجهر بأن مرآة اليمين تعكس «صورة للعربي أفضل بما لا يقاس من تلك التي تعكسها مرآة اليسار».

فالعربي، حسب اليمين الإسرائيلي، هو وطني حريص على بلاده، يملك ذاكرة ويريد بناء مصيره المستقل، فيما العربي حسب اليسار الصهيوني هو اليد العاملة زائد الأموال.

لكن هل يمكن اعتبار إسرائيل نتيجة المحرقة النازية؟ سماحة ميال للأخذ بذلك، وهذا ليس رأي المؤرخ الما بعد الصهيوني طوم سيغيف. الأخير يطرح في المقابل أن المشروع الصهيوني تبدّل جذرياً بنتيجة حصول المحرقة، التي أتت على معظم من كانت الحركة الصهيونية تحثهم على الهجرة نحو فلسطين. من لواحق هذا التبديل أن الصهيونية صارت في حاجة إلى ما كانت تتكبر عليهم قبل ذلك، واقتضاء هجرة اليهود من البلدان العربية والاسلامية، من السفارديم والمزراحيم في اتجاه الأرض.

طوم سيغيف كانت له أيضاً مساهمة استثنائية في كتابه «المليون السابع» 2000. عرض كيف عملت إسرائيل لأكثر من عقد ونصف على تجاهل المحرقة، وإعطاء الأولوية لسردية النجاح الصهيوني في حرب 1948، بل كيف عومل الناجون من المحرقة مطولاً باحتقار في إسرائيل إما بدعوى أنهم عاندوا النداء الصهيوني وتركوا أنفسهم للتحريق، وإما لأنهم عالة على الدولة الفتية وقواها المنتجة.

في الحالتين لدى طوم سيغيف ما يعدّله على النظرة العربية، بما فيها نظرة سماحة للموضوع، التي حرصت على إلزام نفسها بقالب القومية العربية.

في الوقت نفسه يعي سماحة على طريقته، الثمن الذي دفعته الصهيونية الأشكينازية عندما دمجت يهود المنطقة بها. فيقول: «إن معظم سكان إسرائيل الحاليين عرب يهود وإن الأمة التي فقدت يفترض فيها أن تصل إلى حيث تستطيع استعادتهم». لا بل يتابع: «ذهب الابن الضال بعيدا، غير أن التسامح، من موقع القوة، قادر على إعادته». بالتالي، الحل العربي للمسألة اليهودية القائم على دمج لليهود بصفتهم أفرادا يعيشون في المنطقة العربية الموحدة، وليس بصفتهم دولة، هو جزء من تصور عام طويل الأناة عنده يقول بأنه لا يمكن للقومية العربية أن تتجدد إلا بأن يعاد إنتاجها على محك تبنيها لتصور ديمقراطي حول الأقليات الدينية والاثنية». بالطبع، هو يتحدث عن مهمة طويلة الأمد. لكن المشكلة ترتبط أيضاً باستنطاق مفهوم الأقليات نفسه.

يصعب اليوم التفاعل مع نص يكثر الحديث حول القومية العربية وتجديد الطرح الوحدوي بالشكل الذي كان لا يزال من الممكن التفاعل معه يوم كتب سماحة كتابه هذا. يومها كانت القومية العربية مصابة بأكثر من هزيمة وكارثة، إلا أن النفوذ الإيراني لم يكن قد امتد اقليميا على ما صارت اليه الحال بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وعلى ما اختار سماحة في نهاية المطاف الانحياز إليه، وبتصميم زاد بعد حرب تموز 2006.

في الوقت نفسه، لا يمكن فهم إصرار سماحة على استعادة الفكرة القومية العربية مدمجة بتجديد عصر النهضة إلا في إطار موقف سلبي للغاية عبّر عنه تجاه الحركات الإسلامية في كتابه. إذ كتب أن «المضادات التي يفرزها الجسم العربي، في مستوى وعيه الراهن، مضادّآت إسلامية. ولا يمكن لهذه أن تملك برنامجاً جدّياً للخلاص، غير الحديث عن «الإبادة العسكرية» للعدو. إنها تعد بإعداد النفس لمناطحة حاسمة يحرز فيها طرف انتصارا نهائيا. هذا مستحيل». لقد شدّد على أن «القوة النووية الإسرائيلية تُسقط، مسبقا، الخيار الإسلامي كطريق نحو حسم الصراع».

«السلام يقود إلى الهاوية. الإسلام الحزبي يوصل المقاومة إلى الاصطدام بحائط». هذه كانت خلاصة جوزيف سماحة. ربطها يومها بالحاجة إلى استعادة القومية العربية في وجه كل من الاستسلاميين والإسلاميين. هل يسعنا الأمل بعد في مثل هذه الاستعادة اليوم؟ وهل يعني انتفاء إمكانها التراجع عن أصل الخلاصة؟ وغير بعيد عن السياق، «الابن الضال» الذي تحدث عنه سماحة، صار اسمه ايتامار بن غفير، فما العمل؟!

* كاتب لبناني

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.