الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب «في الفكر السياسي»؛ (الجزء الأول).. الحلقة التاسعة عشر

 (الحرية أولاً) ينشر حصرياً الكتاب المفقود «في الفكر السياسي» بجزئيه، للمفكرين “الأربعة الكبار”، وهذه الحلقة التاسعة عشر من الجزء الأول(11). سياسة ستالين في الداخل؛ بقلم الأستاذ “الياس مرقص”

(11).  سياسة ستالين في الداخل

تلك ليست الحال بالنسبة لموضوع تأسيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية ولموضوع السياسة القومية في جيورجيا. فقد اصبحت الخلافات بين لينين وستالين حول هذين الموضوعين معروفة الآن. إذ أوضحتها ملاحظات لينين الشهيرة حول «مسألة القوميات أو الاستقلال الذاتي» التي نُشرت في عام 1956 بعد أن ظلت طي الكتمان أكثر من ثلاثين عاماً. (حركة التحرر الوطني في الشرق، ص201-208)

    وجوهر الخلاف أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي كانت قد كلفت هيئة خاصة يرأسها ستالين بوضع مشروع لإقامة اتحاد الجمهوريات السوفيتية. فتقدم ستالين بمشروع سمي «مشروع الاستقلال الذاتي» تبنته الهيئة المذكورة. وبموجب هذا المشروع تدخل الجمهوريات السوفييتية المختلفة ( أوكرينيا،  عِبْر القوقاس، الخ) في جمهورية روسيا الاتحادية كوحدات تتمتع بالاستقلال الذاتي (أو الاستقلال الداخلي) فقط. إلا أن لينين انتقد هذا المشروع بشدة لتعارضه مع مبدأ المساواة الحقوقية بين أمم روسيا، وتقدم بمشروع معاكس، وهو اقامة «اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية» على أساس المساواة الحقوقية الكاملة بين جمهورية روسيا وكل من الجمهوريات السوفييتية الأخرى. وتراجع ستالين.

   وتبنت اللجنة المركزية مشروع لينين…

   کما انتقد لينين بشدة سياسة البطش التي سار عليها ستالين وأوردجونكدزه ودزرجنسكي في جورجيا(7)، ولام بشكل خاص ستالين على روح التسرع والاستعلاء والحقد على ما أسماه ستالين «الاشتراكية القومية»، ودافع لينين عن الشيوعيين الجيورجيين الذين اتهمهم ستالين بالانحراف القومي، ونعتَ ستالين وأعوانه بالروح الشوفينية الروسية القيصرية، ثم حذّر القادة السوفييت من مغبة السقوط في مواقف استعمارية إزاء القوميات المظلومة»، وهي مواقف من شأنها أن تقوض «كل إخلاصنا للمبدأ، كل دفاعنا المبدئي عن النضال ضد الاستعمار»… (المرجع المذكور ص ۲۰۸)، كما حذرهم من شخص ستالين.

     لقد أراد ستالين، عام ۱۹۲۲، تكريس السيطرة الروسية في دستور الدولة السوفياتية. ولئن فشل مشروع ستالين رسمياً، إلا أن ستالين استطاع تطبيق أفكاره عملياً. فشن حرباً لا هوادة فيها على « الانحرافات القومية » المحلية، في ما سمي «الفترة الأخيرة من حياته». وفي الفترة ۱۹۳۷- ۱۹۳۹، عندما قامت محاكمات موسكو المعروفة، واتسع نطاق الإرهاب، خُصّت «القوميات الشقيقة» بنصيب وافر منه.

   وأعدم عدد كبير من زعماء الحزب الشيوعي ورجال الحكم السوفياتي في أوكرينيا وآسيا الوسطى وحوض الفولغا الأوسط ومنطقة القوقاس:

كوسیور، بوستيشيف، سلطان غالييف، فيض الله خود جایيف، القادة الشيوعيون الأدجاریون، الخ الخ..(8)

   و لا بد آن  نذكر مأساة الحزب الشيوعي البولوني قبيل الحرب العالمية الثانية: فقد اتهم ستالين هذا الحزب بأنه مملوء بالجواسيس والمخربين وعملاء البوليس الفاشستي البولوني، وحله بقرار من الكومنترن، وأعدم جميع زعمائه الموجودين في موسكو (1939). وقد رد الاعتبار لهذا الحزب في عام 1956 بقرار نشر في جريدة الكومنفورم، وألقيت مسؤولية ما حدث عام ۱۹۳۹ على بيريا. وبالرغم من هذا القرار فقد ظلت القضية لغزاً تاريخياً. فإلى أي مدى کان «الانحراف القومي»، سبباً في الحل والإعدام?(9).

   ولم يكن إعدام ممثلي «الانحرافات القومية»، إلا جانباً من السياسة السوفييتة الروسية التي سار عليها ستالين.

   وقد تطورت هذه السياسة الظالمة واستفحل ضررها أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، إذ أصابت حينئذ شعوباً بكاملها.

    ففي 25 حزيران 1946، أصدر مجلس السوفييت الأعلى قراراً بإلغاء عدد من الأقاليم القومية في شمال القوقاس وحوض نهر الفولغا وشبه جزيرة القرم.

   وأعلن أن سكان هذه الأقاليم قد تم نفيهم إلى مناطق أخرى. وشمل هذا القرار أربعة أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي هي جمهورية القرم وجمهورية تشتشين أنغوشي- وجمهورية الكالموك وجمهورية ألمان حوض الفولغا، وإقليم الكاراتشاي، وشعب البالخار الداخل في جمهورية الكابارد والبالخار.

   وتنبغي الإشارة إلى أن القرار الصادر في سنة 1946 عن مجلس السوفييت الأعلى لم يكن إلا تكريساً لقرار اتخذه المكتب السياسي للحزب الشيوعي منذ سنة 1943 وتمّ تنفيذه قبل نهاية الحرب(10).

   ونفي معظم هؤلاء المشردين الى آسيا الوسطى وجبال آلتاي . وانقطعت أخبارهم تماماً .

وأخيراً، في 9 كانون الثاني 1957، صدر قرار عن هيئة رئاسة مجلس السوفييت الأعلى بإحياء جمهورية تشتشين- انفوشي ومنطقة الكالموك وإرجاع البالخار والكاراتشاي إلى مناطق سكنهم الأصلية.

   وأعلن غوركين، سكرتير هيئة رئاسة السوفييت الأعلى «إن تهجير شعوب القوقاس كان خرقاً فظاً للسياسة اللينينية». واضاف ان ارجاع هذه الشعوب التي «ردّ لها اعتبارها» إلى مناطق سكنها السابقة سيتم بالتدريج خلال فترة تمتد على أربعة أعوام. وكتبت جريدة الايزفستيا الناطقة بلسان الحكومة السوفيتية:

   «لقد سجل المؤتمر العشرون حالات حدث فيها خرق فظ لمبادئ السياسة اللينينية القومية في الماضي. وقد تجلت هذه المخالفات في الطرد الذي لا مبرر له والذي أصاب شعوباً بكاملها هجرت من أراضيها وأسكنت في مناطق جديدة مع نزع حقوقها». (عدد 12/2/1957)

………………

الهوامش:

(7) كان ستالين نفسه جورجياً، وكذلك زميله أوردجونیكدزه. أما دزرجنسكي فكان يهودياً بولونياً. وقد لاحظ لينين بهذا الصدد أنهم اشد تعصباً للقومية الروسية من الروس أنفسهم.

 (8) إن حركة الإعدامات الجماعية في فترة 1936- 1940 تتعدى نطاق المسألة القومية. فقد أصابت جماعات المعارضة- أو بالأصح المعارضة السابقة- بل وعدداً كبيراً من خصوم هذه المعارضة أي من أنصار ستالين ولكن تخصيص قسم كبير من هذه المحاكمات والإعدامات «للانحرافات القومية» أمر له مغزاه. وقد رد الاعتبار اليوم كلياً إلى معظم الذين حُكموا بالإعدام. وأسقطت تهمة التآمر والتجسس عن الباقين .

 (9) وقد أعدم أيضاً رئيس الثورة السوفياتية المجرية، بیلا کون، وعدداً من رفاقه. وأعدم معظم قادة الحزب الشيوعي اليوغوسلافي، وكان على وشك أن يعلن حل هذا الحزب (1938- 1939).

 (10) هذا يعني أن ستالين قد ألغى، بقرار من عنده، وحدات اقليمية أوجدها دستور الاتحاد السوفياتي.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع.. الحلقة العشرون بعنوان: (12). السياسة الستالينية في الخارج؛ بقلم الأستاذ “الياس مرقص”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.