الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مكاسب روسيا في سوريا بعد الحرب الإسرائيلية على غزة وتحولات الموقف الإيراني

حسن الشاغل *

لم يعد يخفى على أحدٍ محدودية أو عدمية وجود أي دور أو نفوذ إيراني على كتائب القسام في غزة، إذا ما استثنينا حركة الجهاد الإسلامي التي هي جناح إيران في غزة، ولم تلعب طهران أي دورٍ حقيقي على القسام لإنجاح تنفيذ عملية طوفان الأقصى ضد الاحتلال الإسرائيلي في غلاف غزة، يوم السابع من شهر تشرين الأول من العام الحالي.

لم تتبنّ إيران ولم يُسمع كما جرت العادة صوتها بشأن عملية طوفان الأقصى، لأن هذه العملية ليست عادية وخلفياتها وخسائرها المتوقعة ضخمة ومؤثرة على من هم ضمن إطار تنفيذها، وعلى الرغم من امتلاك إيران لأجنحة موالية لها في غزة، فإنه بغالب الظن لم يكن لديها علمٌ بالعملية حتى لحظة وقوعها.

وهذا يدل على تراجع أو ضعف الدور الإيراني على كتائب القسام، ويمكن القول إنّها قد بدأت في الابتعاد عن استخدام ورقة محاربة ومواجهة إسرائيل، فأصبحت السياسة الخارجية الإيرانية تسعى إلى تحقيق نوع من الاستقرار في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية للحفاظ على مسار المفاوضات ولتخفّف من ضغط العقوبات.

وبما أننا قد نشهد فراغاً أو تقلّصاً في الدور الإيراني تجاه القوات العسكرية في غزة، فقد يرافق ذلك تراجعٌ في سوريا يؤدي بطبيعة الحال إلى تنامي الدور الروسي، انطلاقاً من ذلك نسلط الضوء في سطور هذه المقالة على مكاسب روسيا في سوريا بعد عملية طوفان الأقصى والتحول في الموقف الإيراني تجاه العملية.

معادلة تقلّص النفوذ الإيراني وتوسّع النفوذ الروسي في سوريا بعد طوفان الأقصى بتنسيق روسي إسرائيلي، حيث وجّهت إسرائيل على مدار سنواتٍ عديدةٍ ضربات جوية مكثفة استهدفت مناطق النفوذ العسكري الإيراني في مواقع متفرقة من سوريا.

وفي ظل الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة ما زالت الضربات الإسرائيلية مستمرة على مواقع النفوذ العسكري الإيراني في مطاري حلب ودمشق، وهذه الضربات لم تقلّص في طبيعة الحال النفوذ والمصالح الايرانية في سوريا، بقدر ما بعثرت القوات الإيرانية وأبقتها في موقع المدافع والمترقب للضربات.

وقد بيّنا في مقدمة هذه المقالة تراجع وتقلّص النفوذ الإيراني لدى المقاومة الفلسطينية وخاصة على كتائب القسام، وقد ظهر هذا التراجع نتيجة تغيّر في السياسة الخارجية الإيرانية تجاه الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط.

واشنطن وطهران ضمنياً ملتزمتان بالحفاظ على مسار المفاوضات لا سيما إيران التي أنهكتها الضغوطات والعقوبات الدولية، ولا بد من الإشارة إلى أنه قبل أيام معدودة من عملية الطوفان أفرجت واشنطن عن 6 مليارات دولار لإيران بوساطة قطرية.

ومن ناحية أخرى فإن عدم تدخل إيران بأي شكل من الأشكال نابع من عدم رغبتها أو من عدم قدرتها على تحمل أعباء عملية الطوفان التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية إلى إرسال حاملات الطائرات المدججة بالأسلحة، مع دعم غربي غير محدود- غير أخلاقي لإسرائيل- وبطبيعة الحال ترى طهران أنه من غير الوارد الدخول في صراع خاسر، حتى لو كان التدخل غير مباشر ضد القوى الدولية.

إلى جانب العوامل المذكورة فإن قرار عدم المواجهة الذي التزمت به إيران وأذرعها في سوريا ولبنان قد يكون استراتيجيا لعدم إنهاك قواها في معركة تقف فيها كل الدول الغربية مع إسرائيل، إلا أن هذا القرار إلى جانب استمرار الضربات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة على القوات الإيرانية في سوريا من شأنه أن يضعف تمركزهم العسكري والسياسي والاقتصادي في سوريا، ويؤدي ذلك بطبيعة الحال لضعف الجناح الإيراني داخل مؤسسات الدولة السورية، والأقدر على تعويض تقلص النفوذ الإيراني المتوقع هم الروس الذين يحاولون السيطرة أكثر على سوريا.

وبهذه المعادلة فإن النظام الذي يعمل على الموازنة بين الجناح الروسي والإيراني للحفاظ على حكمه وسيطرته على الدولة عندما يدرك أن  الإيرانيين تحت حالة من الضغط والتراجع عن دعمه، سيدفعه ذلك إلى الاتكاء على الروس، بمعنى أننا قد نشهد توسعاً لمصالح الجناح الروسي في داخل مؤسسات الدولة السورية وما يرتبط بها.

المكاسب الروسية:

على المستوى العسكري من الوارد عندما يحصل تقلّص لقواعد ومراكز القوات الإيرانية أن يملأ الفراغ قوات مدعومة من روسيا وليس من الضروري أن تكون روسية.

ومن المهم الإشارة إلى أنّ القوات الإيرانية لم تعد ضرورية بالنسبة لروسيا بنفس القدر الذي كانت عليه قبل سنوات، لأن التفاهمات الدولية أصبحت هي المحرك الأساسي للملف السوري بدلاً من العمليات العسكرية.

ومن المتوقّع أن يكون المكسب الأكبر لروسيا هو تعاظم نفوذها الجيوسياسي على سوريا، بمعنى أن مسألة مستقبل النظام السوري ستكون بيد موسكو بشكل أكبر من السابق، وستكون مسؤولة عن قواعد الاشتباك وضبط الحدود على جبهة إسرائيل بشكل كامل، مما قد يعظم من دورها في الشرق الأوسط بشكل موسع بالشراكة مع إسرائيل.

والأهم من ذلك قدرة روسيا على ضبط واحتواء النظام السوري والميليشيات المنتشرة في مناطق سيطرته، قد يكسبها ورقة ضغط للتفاوض مع الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بمعنى تعهد الروس بالتنسيق مع الأطراف الدولية لحماية الحدود الإسرائيلية من طرف سوريا ولبنان مقابل التنازل رسمياً عن القرم أو مقابل رفع جزء من العقوبات الدولية المفروضة عليهم.

وسيكون توسع النفوذ السياسي والعسكري الروسي في سوريا مقترناً بالتوسع الاقتصادي، فما يزال النظام السوري يوقع العقود والاتفاقيات الاقتصادية مع إيران، وعلى الرغم من المعاناة الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام السوري، ما يزال في جعبته ما يعطيه لحلفائه، فعلى سبيل المثال قد يقدم للروس الاستثمار أو الاستحواذ على مؤسسات كبرى في  الدولة مثل مؤسسات المياه ومصافي البترول والكهرباء.

في النتيجة، نحن الآن أمام مشهدٍ وتحولٍ جديدٍ في سوريا خلّفته عملية طوفان الأقصى وما تبعها من تحولات إقليمية لا سيما الموقف الإيراني، مشهد تصوغه روسيا لتحقيق أكبر قدر من المكاسب على المستوى الداخلي في سوريا، باستغلال ضعف النفوذ الإيراني المتوقّع، وحاجة النظام لتعويض الفراغ الذي قد تخلفه إيران، وسيناريو توسع النفوذ العسكري والجيوسياسي والاقتصادي الروسي ستتضح ملامحه بعد فترة من الزمن، بعد احتواء موسكو النظام السوري أكثر والتنسيق بشكل أكبر مع إسرائيل.

* باحث سوري

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.