الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عندما يكون التدمير والتهجير هدفًا وليس نتيجة!

سليمان أبو ارشيد *

رغم الفشل العسكريّ المدوّي في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب الإسرائيليّة على غزّة، والّذي توّج بعد أربعين يومًا بالدخول المخزي لجيش الاحتلال لمجمع الشفاء الطبّيّ، أمس الأربعاء، والصور البائسة والمفبركة الّتي عرضها الناطق باسمه للتغطية على عار فضيحته المغطّاة أميركيًّا، والّتي أضيفت إلى فضيحة الفشل الأكبر في السابع من أكتوبر.

لكن بالرغم من ذاك الفشل، وهذا الصمود الفلسطينيّ الّذي يسطّر ملحمة أخرى على تراب غزّة، فإنّ حجم الدمار والتهجير والقتل الّذي أحدثته هذه الحرب، لا يمكن اعتباره بكلّ المقاييس مجرّد نتيجة لوقوع الحرب في منطقة، مأهولة لا بدّ أن يتأذّى خلالها الحجر والبشر من بيوت ومنشآت ومدنيّين من نساء وأطفال أيضًا، مثلما يحدث بالعادة في هكذا حروب، بل إنّه يندرج كأحد أهداف الحرب إن لم يكن هدفها المركزيّ.

وحرّي بنا أن ندرك أنّه عندما توضع أهداف حربيّة غير قابلة للتحقيق، على غرار القضاء على حماس وتحرير الرهائن الإسرائيليّين، فإنّ جيش الاحتلال وقيادته السياسيّة ليس أنّهم يريدون إعطاء حقن تخدير لجمهورهم ولأهالي المحتجزين فقط، بل لا بدّ أن يكون لديهم أهداف أخرى يريدون ولديهم القدرة على تحقيقها كلّيًّا أو جزئيًّا، وتنسجم مع طبيعة إسرائيل الاستعماريّة وفكرها الاستئصاليّ الصهيونيّ العنصريّ.

نحن ندرك أنّ حرب إسرائيل كانت دومًا، وما زالت على الشعب الفلسطينيّ كلّه؛ وبهذا المعنى فهي لا تستهدف طلائعه السياسيّة والمقاتلة المختلفة، الّتي ربّما تتبدّل من جولة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، بل هي تستهدف الشعب الفلسطينيّ وكينونته المدنيّة والإنسانيّة ووجوده المادّيّ، ولذلك فهي لا تفوت فرصة لضرب وتدمير البنى التحتيّة والعمرانيّة، ابتداء من الشوارع والمنشآت والمساجد والكنائس والجامعات والمستشفيات، مرورًا بالعمارات والبيوت السكنيّة وانتهاء بالبشر من نساء وأطفال ورجال.

لماذا كلّ هذه المستشفيات، الإندونيسيّ، التركيّ، الماليزيّ والأردنيّ وغيره، ورد في تسجيل مصوّر ورد بصوت شابّة إسرائيليّة انتشر على “التيك توك”، في ما يشبه التبرير للحرب على المستشفيات وتدميرها، إنّهم يحسدون غزّة على مستشفياتها الّتي تغصّ بالجرحى والشهداء، ويوفّرون بذلك التبرير لمحاصرتها وقصفها واقتحامها، وهو المنطق نفسه الّذي لطالما سمعناه من ركّاب الحافلات اليهود، وهم يرنون بحسد إلى البيوت العربيّة الجميلة الممتدّة على طول شارع وادي عارة وهم في طريقهم إلى تلّ أبيب.

إنّه المنطق الاستعماريّ الاقتلاعيّ الإحلاليّ الّذي يسعى إلى اقتلاع السكّان الأصليّين من بيوتهم وأرضهم والحلول محلّهم، على أرضهم وفي بيوتهم أيضًا وهو ما حدث فعليًّا في حيفا ويافا وطبريّا وصفد وغيرها من المدن الفلسطينيّة، وينفذ اليوم بفظاظة في سلوان والشيخ جرّاح وغيرها من بيوت القدس.

وما حديث رئيس “الشابّاك” السابق الوزير آفي ديختر عن نكبة غزّة 23 وحديث رام بن برّاك من “يش عتيد” عن توزيع أهالي غزّة على الدول الأوروبّيّة، إلّا دليل على تعمّق هذا المنطق وتحكّمه في التعامل مع الفلسطينيّين في كلّ بقعة من أرض فلسطين التاريخيّة، إنّهما ليسا بن غفير وسموترتش اللّذين بدءا بدورهما بإعداد العدّة للعودة إلى “غوش قطيف” فقط، بل هو “جيش الشعب” مكتمل النصاب بوحداته “السايبريّة” وطيّاريه الأشكناز وأبناء الكيبوتسات المدافعين عن لبراليّة وديمقراطيّة إسرائيل المزعومة في وجهيهما.

إنّنا أمام انكشاف متجدّد ليس لوجه هذا المجتمع الاستيطانيّ، بل لطبيعة إسرائيل ودورها الوظيفيّ وارتباطها العضويّ بالمركز الاستعماريّ الأميركيّ الغربيّ، وهو ما برز ليس فقط بحضور وتجنّد هؤلاء وإدارتهم للحرب على غزّة بشكل مباشر فقط، بل أيضًا في طبيعة الحرب وحدود المسموح والممنوع واليد المطلقة الممنوحة للآلة العسكريّة الإسرائيليّة وصولًا إلى نتائجها وأهدافها غير المعلنة المتمثّلة بالإبادة والتهجير، والّتي أفضت إلى نكبة ثانية على مرأى ومسمع من العالم.

برأيي أنّ هذه الأهداف الّتي حقّقها الجيش الإسرائيليّ هي الأهداف الاستراتيجيّة البعيدة للحرب، وهو ويسعى إلى تكريسها عن طريق منع عودة أهالي شمال قطاع غزّة واقتطاع جزء منه لصالح منطقة عازلة، إلى جانب مواصلة الضغط على الجانب المصريّ لتخفيف الازدحام في الجنوب أو تنفيذ خطّة بن برّاك المتعلّقة بالترانسفير الطوعيّ إلى دول أوروبّيّة.

أمّا على صعيد الفشل الإسرائيليّ في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، فتجدر الإشارة إلى ما كتبه المحلّل العسكريّ رونين برغمان في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، بأنّ الجيش الإسرائيليّ بالتعاون مع أجهزة الأمن الأخرى نجح في تحقيق معظم الأهداف التكتيكيّة مثل استعادة ثقته بنفسه وترجمة تفوّقه التسليحيّ والبشريّ والاستخباريّ على الأرض، بينما لم ينجح حتّى الآن في تحقيق أيّ من أهدافه الاستراتيجيّة، هذا إلى جانب الضرر الّذي تسبّب لصورته على المستوى الدوليّ وكذلك الضرر ليهود العالم، وذلك بغضّ النظر عن الضحيّة الكبرى المتمثّلة بسكّان غزّة، كما قال.

ويضيف برغمان، أنّه ومع كلّ الاحترام لعمليّة دخول مستشفى الشفاء واحتلال مواقع أخرى، فإنّ غالبيّة منظومة الأنفاق التابعة لحماس ما زالت على حالها، مشيرًا إلى أن هزم حماس عسكريًّا وسياسيًّا وتنظيميًّا، يتطلّب احتلال قطاع غزّة كلّه، في وقت من الصعب التنبّؤ بجدول زمنيّ تستمرّ خلاله أميركا بتوفير الغطاء لإسرائيل إلى حين الفروع من احتلال قطاع غزّة وتدمير الأنفاق، وهو يسخر من التهديد بقتل يحيى السنوار ومحمّد ضيف وهما محاطان بالرهائن الإسرائيليّين، لأنّه يخلق توقّعات صعبة جدًّا.

* كاتب فلسطيني

المصدر: عرب 48

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.