الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

طوفان الأقصى بين وحشية العالم المتحضر وانقسام الموقف العربي

أوس حسن *

لو استطعنا أن نصف عصرنا الراهن والمرحلة المصيرية التي تمر بها البشرية، لن نكتفي بأن نصف هذا العصر بالتخلخل وانعدام اليقين فقط، بل يمكننا القول إننا نمر بفترة زمنية يسودها كل شيء غير منطقي، ولا عقلاني تجتمع فيه التناقضات أمام دهشة العقل الإنساني وصدمته، وهو يقف عاجزاً عن التفسير والفهم، فمن الملاحظ أن الكوارث من زلازل وفيضانات وحرائق، ازدادت نسبتها بشكل متسارع وغير معقول في العالم. كل الأشياء غير المتوقعة والخارجة عن الحسابات العقلية هي وحدها التي ما زالت تستمر في الحدوث وتجسد نفسها كواقع فعلي يأخذ شكل المعضلة والصدمة العقلية.

وينسحب هذا على الحرب الأخيرة في غزة، فما حدث في ليلة الهجوم الذي نفذته المقاومة الفلسطينية على الكيان الصهيوني، براً وجواً وبحراً، لا يمكن أن تنفذه إلا دول كبرى لها خطط عسكرية مدروسة واستراتيجيات سياسية بعيدة المدى، فما حدث من انهيار في المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية ومن اختراق للتحصينات العسكرية، لم يحدث في كل حروب الكيان الصهيوني، التي خاضها مع العرب، لأنها الحرب الوحيدة التي تحمل سيناريوهات الصدمة والمفاجأة والتغيير، وفي الوقت نفسه لم يتعب أحد نفسه بالتفكير والتحليل العلمي والمنطقي للاستراتيجية البسيطة لهذه الحرب، وظل كلٌ منّا مستسلماً لانفعاله العاطفي، الذي يشل القدرة على العمل والفكر السليم.

قوات حماس وفصائل المقاومة تتمركز خلف خطوط العدو، وفي قلب الصراع، لكن دون أي أنظمة دفاعية، أو طائرات تسند هذا التمركز وتحافظ على حياة الأبرياء والمدنيين في غزة، وهذا ما يجعلنا نسأل إلى أي مدى ممكن أن تصمد المقاومة الوحيدة في أرض العدو، دون إسناد ودعم، في الوقت الذي تقف فيه خلف إسرائيل جيوش جرارة عظمى وأموال طائلة، مع تصميم القيادة العسكرية الإسرائيلية على إبادة غزة ومحوها من الخريطة؟ من هنا يمكننا أن نصل إلى ما يشبه مسلمة وهي أن معادلة الحرب غير متوازنة، إلا في حال تدخلت إيران وبقية المحور المقاوم، ففي هذه الحالة تتحول الحرب إلى حرب عالمية، تنذر بالكوارث والإبادة، لن تغير خريطة الشرق الأوسط فحسب، بل العالم كله وجميع موازين القوى السابقة. سأحاول هنا قدر الإمكان أن أنظر إلى الأمر من عدة زوايا، ومن منظور عقلي وليس عاطفيا، مرهون بسيرورة الحرب وتطوراتها وأهدافها السياسية والرؤى الأخرى المطروحة على الساحة مستقبلاً.

بربرية العالم المتمدن ووهم التنوير:

لم يتوانَ الرئيس الأمريكي جو بايدن عن إعلان تأييد أمريكا المطلق لإسرائيل وشعبها والوقوف إلى جانبها، بكل الوسائل المتاحة اللوجستية والمادية والإعلامية، وما حاملة الطائرات الأمريكية وتزويد إسرائيل بالأسلحة والخطط الحربية إلا مشاركة حقيقية وفعلية في هذه الحرب. تبع الرئيس بايدن العديد من دول الاتحاد الأوروبي؛ التي يعتبرها المثقف العربي دولاً متحضرة، ساهمت في النهضة العلمية والمعرفية في العالم، وكأن منطق القوة والحضارة والمعرفة هو فقط من يمنح الحق في الحياة الإنسانية الكريمة، ولنتفكر في مقولة فيلسوف التنوير الألماني إيمانويل كانط: «تجرأ على استخدام عقلك» فالتنوير هو تحرير العقل من قصور التفكير، والحكم على الشيء بتجرد كامل من العواطف والانتماءات والعقائد، التي تشكل هوية مركزية عند الإنسان، لكن مثلما تعاني المجتمعات العربية والإسلامية من العودة إلى الهويات الفرعية والأصولية؛ فإن المجتمعات الغربية أيضا تتبنى الكثير من الخطابات العنصرية والعرقية، وتروّج لها، إضافة إلى الكثير من التابوهات والخطوط الحمر، التي يمكن اعتبارها بمثابة مركزيات لا يمكن المساس بها، مثل معاداة الإسلام ومجتمع المثلية الجنسية، والنقد العقلاني لليهود والسياسات الصهيونية الشوفينية. لكن السؤال الأهم: إذا كانت أوروبا هي التي أطلقت مشعل التنوير، وكانت السباقة إلى تأسيس الحريات الإنسانية، وإقامة المجتمع المدني الحر القائم على حقوق الإنسان وحريته في التعبير والممارسة، فلماذا إذن تشن هذه الحملة الشرسة والمتعصبة للدفاع عن يهود العالم، وتتجاهل جرائم إسرائيل وإرهابها المنظم تجاه الفلسطينيين؟ يعرف الجميع أن اليهود كانوا مضطهدين في أوروبا لمئات السنوات، ومورست عليهم العنصرية بشتى صورها وأشكالها، ما عدا عمليات الإبادة الجماعية والهولوكوست، التي مارسها هتلر والنازية بحقهم. فالغرب كان يرى اليهودي كيانا دخيلا على الحضارة الغربية وثقافتها، لأنه في نظر المجتمع الأوروبي إنسان شرقي، وهو امتداد للشرق داخل الغرب، علما أن اليهودي الأوروبي هو مواطن أوروبي بامتياز، وعليه أن يتمتع بكل حقوق المواطنة، والاختلاف هو في الهوية الدينية فقط، وهذا الاختلاف هو الذي عزز نظرية الصراع مع الآخر، فالصراع هنا ديني وإثني بالمرتبة الأولى، وأزمة الهوية والاندماج هي أزمة تاريخية عند اليهود، وهي مرتبطة بتكوين الشعب اليهودي وسيكولوجيته.

المتوغل في تاريخ المنطقة والشرق الأوسط لا بد سيستنتج أن يهود الشرق والمنطقة العربية، عاشوا بسلام في كنف المسلمين والطوائف الأخرى من الأديان، ولم تحدث أزمة صراع على أساس الهوية الدينية، إلا بعد إعلان قيام دولة إسرائيل المزعومة في فلسطين، وسرقة الحق من أصحابه عام 1948؛ على أساس الأسطورة التوراتية في أرض الميعاد، وتم إحياء اللغة العبرية المنسية لآلاف السنوات، لتصبح اللغة الموحدة للشعب اليهودي في أرجاء العالم كافة. وهذا لم يأتِ من فراغ، بل كان مسبوقا بحركات وجمعيات سرية لليهود في أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ومن أهمها الحركة الصهيونية الحديثة التي أسسها تيودور هيرتزل المعروف بالأب الروحي للدولة اليهودية، وقد دعا يهود أوروبا للهجرة إلى فلسطين وإنشاء دولة هناك، لتجنب معاداة السامية كما يعتقد، فالشرق هو المكان الوحيد الذي لم يتعرض فيه اليهود إلى الاضطهاد، وهي البقعة المباركة التي ما زالت تجذب أنظار اليهود في أرجاء العالم.

الصراع العربي الإسرائيلي في جوهره ليس صراعا دينياً، لكنه فيما بعد أصبح صراعا دينيا على أساس الهوية والأرض والمقدسات؛ فقيام دولة إسرائيل وتحولها من طائفة دينية إلى كيان قومي عنصري يهدد الهوية العربية والدينية في المنطقة، ساعد وحفز على قيام الحركات الإسلامية المتطرفة والرجعية، وجعل العالم يسقط في صراع الهويات الفرعية والأصولية. مشكلة العرب ليست في الصراع الديني مع اليهود، وإنما مع اليهودي القادم من خلف البحار، الذي يرتدي وجه أوروبا الاستعماري ونظرته الاستعلائية والبربرية تجاه الشرق وشعوب المنطقة جميعها. بقي أن نقول إن مخاوف أوروبا ليست على اليهود وكيانهم الديني، وإنما تكمن في الأحداث التي قد تخالف ثيمة التوقعات والتكهنات السياسية والعسكرية؛ وهي عودة اليهود إلى بلدانهم، التي غادروها قبل قرن أو أكثر من الآن، وبالتالي تخلخل النسيج الأوروبي والعودة إلى منطقة صراع تاريخية كانت أوروبا قد غادرتها منذ زمن بعيد.

اللحظة العاطفية وانقسام الموقف العربي:

يذهب بعض المحللين السياسيين إلى إن الهجوم الذي نفذته حماس وبعض الفصائل الفلسطينية ما هو إلا فخ نجحت إسرائيل في استدراجهم إليه، ورأى البعض أن هذه العملية شبيهة بأحداث11 أيلول/ سبتمبر التي غيرت خريطة المنطقة، وجلبت لها الحروب الطائفية والانقسامات وانهيار مركزية الدول العربية وأنظمتها الشمولية، فالبعض يرجح أن تصريح نتنياهو الأخير بأن الحرب على غزة هو بداية للتغيير في الشرق الأوسط، ما هو إلا تنفيذ لبعض الأجندة الدولية في صفقة القرن وتهجير الفلسطينيين من غزة إلى باقي الدول العربية، وتحديداً إلى العراق والأردن.

ولأن الشعوب العربية مأخوذة ومنبهرة باللحظات العاطفية والانفعالات المشحونة، خارج التفكير العقلاني والحسابات الاستراتيجية المدروسة وقعوا في فخ الانقسام والتشتت، وضياع وحدة القرار، وهو أمر يحدث ويتكرر بالكيفية نفسها وعلى صعيد الأزمات والانتصارات عند العرب.

بينما نرى أن وحدة الصف الإسرائيلي أصبحت أكثر قوة وتصميماً في القرار الذي يحدد مصير شعبهم، فرأينا كيف اتحدت قوى المعارضة والحكومة من أجل تشكيل حكومة طوارئ، متناسين كل خلافاتهما وانقساماتهما السياسية داخل البلد، وقد توحدوا تحت هدف واحد وراية واحدة، وهي أمن المواطنين واستقرار البلاد.

وفي الوقت الذي تقف أمريكا وبعض دول أوروبا مساندة إسرائيل في حربها، نرى انقساماً في الشارع العربي، شعوباً وحكومات ومؤسسات، بين مؤيد لإسرائيل ومعارض لها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل الأمر إلى التراشق بالشتائم، والدفاع عن الهويات الفرعية، الطائفية والعرقية منها. يمكننا تلخيص الموقف العربي بانقسامه إلى عدة اتجاهات وتيارات:

1- دول لديها معاهدات سلام ومواثيق دولية مع إسرائيل ترى في السلام والحل الدبلوماسي السياسي خياراً وحيداً لإنهاء الحرب والأزمة.

2- دول في حالة صراع دائم مع إسرائيل، وتؤمن أن المقاومة هي نتيجة حتمية لجرائم إسرائيل وانتهاكها لحقوق الإنسان والمقدسات الدينية على أرض فلسطين، لذلك فهي ترى أن التصعيد واستمرار الحرب هو الخيار المؤكد والوحيد لاسترداد الحقوق، مهما كانت النتائج والخسائر في الأرواح والممتلكات في الطرفين.

3- جهة تعارض إسرائيل أو تساندها لأجل غايات ومكاسب طائفية أو عرقية في المنطقة.

4- جهة محايدة، وفي الوقت نفسه لديها فوبيا من الحركات الإسلامية الأصولية كتنظيم «داعش» و«القاعدة» فترى في حماس امتداداً لتلك العقول الدينية وأنها هي من ابتدأت الحرب، وهي المسؤولة الوحيدة عن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين العزل والأطفال في غزة.

هذا ملخص بسيط لأبرز المواقف العربية المختلفة والمتناحرة من أجل قضية مركزية واحدة، تمس أمن المنطقة وهويتها العربية، ونستطيع أن نسمي هذه المواقف المتناحرة بالعقول المنقسمة، التي تملك الخيارات والحلول الصحيحة والمناسبة، لكنها تبقى غير فاعلة أو مؤثرة، لأن كل واحد يحتكر الحقيقة لصالحه.

* كاتب عراقي

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.