الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

قيس سعيّد والأقوال المُرسلة

أحمد نظيف

في بداية شهر حزيران (يونيو) الماضي أصدر الرئيس التونسي، قيس سعيّد، قراراً بإعفاء 57 قاضياً وقاضية من مناصبهم اتهمهم بـ”الفساد والتواطؤ والتستر على متهمين بقضايا الإرهاب”. وقد ترافق صدور القرار مع حملة واسعة قادها أنصار الرئيس في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي ضد هؤلاء، سباً وذماً. ثم أطل الرئيس في مجلس وزاري مفسراً قراره بالقول: “تورّط قضاة في فساد مالي وتزوير أوراق رسمية والتستّر على متورّطين في الإرهاب وحماية مسؤولين سياسيين وحزبيين من المحاسبة ومنع إجراء تحقيقات أمنية في قضايا إرهابية، إضافة إلى قضايا أخلاقية وتأديبية”. وكي يطمئن عموم الشعب حول الأدلة والبراهين التي تدين هؤلاء، وأضاف مؤكداً أنه “تم النظر في كل الملفات والتدقيق والتمحيص لأسابيع طويلة حتى لا يُظلم أحد، وثبت ارتكاب عدد من القضاة تجاوزات جسيمة وإخلالات تهدّد المصالح العليا للبلاد”.

بعد هذا القرار “التاريخي” بأقل من شهرين، قررت المحكمة الإدارية في تونس تعليق تنفيذ قرار الرئيس سعيّد بعزل نحو خمسين قاضياً فيما أبقته سارياً على عدد آخر منهم. وقال الناطق الرسمي باسم المحكمة أن المشمولين بقرار وقف تنفيذ العزل يمكنهم استئناف عملهم، مشيراً إلى أن المحكمة علقت تنفيذ قرار العزل لأن ملفات القُضاة “لم يتوافر فيها الموجب الواقعي والقانوني” للعزل في حين أبقي على عزل آخرين، “ملفاتهم معللة وتوفر فيها موجب الإعفاء”. يأتي ذلك كله بعد تطمينات الرئيس للرأي العام بأن “النظر في كل الملفات والتدقيق والتمحيص أخذ أسابيع طويلة حتى لا يُظلم أحد”، فماذا لو لم تأخذ وزيرة عدل الرئيس كل هذه الأسابيع للتدقيق والتمحيص؟

هذا النموذج من العبث والإرتباك، الذي تقود به إدارة الرئيس سعيّد البلاد، هو السائد اليوم في كل القطاعات، ذلك أن حجم الشعارات والخطب والفائض اللغوي الذي يصدر عن النظام الحاكم أكبر بكثير من حجم المنجزات على الأرض. بل إن الوضع أشد كارثية عندما يترافق صعود الشعارات الرنانة مع الممارسة الفوضوية للحكم، وتكون الكارثة أكبر عندما تطاول هذه الفوضى مرفق القضاء، بوصفه إحدى المؤسسات المركزية في أي دولة. ويبدو أن العلّة الأساسية وراء كل ذلك هي: الاستفراد بالرأي وحكم الفرد من دون استشارة أو مشورة أو قيادة جماعية. فالواضح من قصة عزل القضاة وعودتهم من خلال حكم قضائي، أن الرئيس قد اتخذ منفرداً هذا القرار استناداً إلى تقارير تبدو أمنية الطابع، وليس بناءً على أدلة واضحة صادرة عن هياكل الرقابة والتفتيش داخل وزارة العدل، والدليل على ذلك خواء الملفات التي تقدمت به الوزارة إلى القضاء الإداري. ونماذج العبث هذه كثيرة على مدى عام كامل من سيطرة سعيّد على السلطة منفرداً، بدايةً من قانون العفو الجزائي الخاص برجال الأعمال الفاسدين، وقانون الشركات الأهلية والتعيينات في مناصب الولاة والوظائف العليا في الدولة.

لكن المسألة الأكثر خطورة هي مواجهة الرئيس للرأي العام وعموم الشعب في وسائل الإعلام الرسمية والحديث عن حيازة براهين وأدلة بكل ثقة ويقين، واضعاً سمعة وسلطة الرئاسة في الرهان. ثم يأتي القضاء لينسف كل ذلك، لأن أغلب الملفات كانت عبارة عن أقوال مرسلة، وهذا لا يعني القطع بنزاهة هؤلاء القضاة، ولكن القضاء الإداري لا يعترف بالشبهة، بل بالدليل، إلا إذ تجاوزنا ذلك نحو طرفة ساخرة أطلقها أحد أنصار الرئيس قائلاً: “رأي الرئيس كافٍ في إثبات فساد هؤلاء القضاة”.

والأمر وإن بدا سخرية إلا أنه يلخص جزءاً من رؤية الرئيس وأنصاره لرأيه الذي يرتقي إلى مصاف الحقيقة المطلقة التي لا تحتاج برهاناً. أي أن قول الرئيس قد يصبح في المستقبل حجةً مستقلةً بذاتها، كما جرى في تجارب شعبوية مجاورة لتونس على مدى عقود عندما تم تصنيف أقوال قائد الثورة كقوانين وأعراف سارية، على نحو من مزاحمة مقام “النبوة” الذي يكون فيه “النبي” معصوماً وقوله وفعله مقدسين.

هل سيخرج الرئيس كي يعتذر للقضاة الذين حكمت لمصلحتهم المحكمة الإدارية، وقتياً، كما فعل عندما قرر عزلهم وتحدث عن فسادهم؟ لا يبدو أن ذلك ممكناً، فطبيعة الرئيس النفسية ليست من ذلك النوع الذي يعتذر أو يتراجع عن أخطاء قد فعلها. غالباً ستقع المسؤولية كالعادة على عاتق الأشباح والأطراف المجهولة التي تتآمر، والتي يتهمها الرئيس دائماً من دون أن يحددها على وجه الدقة. فالرئيس الذي وضع كل السلطات في يد واحدة في 25 تموز (يوليو) 2021 وأقال حكومة هشام المشيشي بدعوى الفساد والخطر الداهم، هو الذي عيّن هذه الحكومة، وهو نفسه الذي باركها، وهو الذي أدخل المشيشي إلى العمل السياسي من بوابة مستشار في رئاسة الجمهورية، لكنه قفز على كل تلك الحقائق، وقاد انقلاباً شبه دستوري على حكومة المشيشي من دون أن يقدم نصف اعتذار للشعب على الكوارث التي تسبب فيها بتعيينه على رأس السلطة التنفيذية في سياق جائجة وبائية حصدت آلاف الأرواح. كما أنه لن يعتذر، فإن الأقوال المرسلة والتهم التي تلقى جزافاً على الجميع -دون أدلة واضحة- والعبث الإداري والسياسي لن يتوقف أيضاً.

المصدر: النهار العربي