الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

دبلوماسية الحبوب والمعضلة الغذائية

بشير عبد الفتاح *

تتويجا لشهرين من المحادثات المضنية، بوساطة تركية ورعاية أممية، وقّعت روسيا وأوكرانيا، في اسطنبول، يوم 22 تموز/ يوليو الماضي، اتفاقاً لاستئناف صادرات الحبوب والأسمدة العالقة في موانئ البحر الأسود الأوكرانية، عبر ممرات آمنة نحو مضيق البوسفور التركي، ومنه إلى الأسواق العالمية، بإشراف أمني أممي وتركي. وبعدها بأيام معدودات، افتتحت تركيا مركزاً لتنسيق عمليات استئناف الشحنات، التي انطلقت أولاها مطلع الشهر الجاري.

خطوة للأمام، شكلها الاتفاق، الذي يعتبره الأمين العام للأمم المتحدة، فريداً من نوعه بين دولتين متحاربتين. فبينما تمخض عن تراجع تدريجي في الأسعار العالمية للحبوب، يتوقع خبراء زيادة كمية القمح الأوكراني الممكن تصديرها، إلى 75 مليون طن، منها 20 مليونا كانت مُخزنة في الصوامع. لكن، ولعديد عوامل، يظل الاتفاق، الذي يبلغ مداه الزمنى 120 يوماً، قابلة للتمديد، غير كافٍ لمقارعة معضلات أمن الغذاء العالمي.

لسوء الطالع، لا تزال نيران الحرب الروسية الأوكرانية، متأججة. فيما يمكن لتطوراتها الميدانية المثيرة تحويل الاتفاق إلى مجرد حبر على ورق. وبجريرة العقوبات الغربية على موسكو، انتفضت أسعار الأسمدة بواقع خمسة أضعاف، بعدما قفزت تسعيرة الغاز الضروري لإنتاج النيتروجين، المستخدم في صناعة سمادي الأمونيا واليوريا، إثر انكماش إمدادات الطاقة الروسية للقارة العجوز. ويبقى اتفاق اسطنبول محاطاً بالشكوك في إمكانية صموده أو تجديده. إذ لم تمضِ ساعات على توقيعه، حتى اتهم الأوكرانيون روسيا باستهداف ميناء أوديسا بالصواريخ. ورغم تبرؤ موسكو من أية هجمات تطال الأعيان المدنية، سارعت الدول الغربية بإدانتها. وكذلك فعلت الأمم المتحدة، التي تؤكد تقديراتها عدم وجود أفق زمني واضح وقريب لانتهاء هذه الحرب.

بوازع من فجوة الثقة المزمنة والمتعاظمة، تتخوف كييف من اتخاذ روسيا «دبلوماسية الحبوب»، ستاراً، تسعى من ورائه لتقويض قدرات أوكرانيا في استعادة السيادة على سواحلها، عبر حرمانها من الدعم العسكري الغربي. ومع دخول الحرب الروسية الأوكرانية شهرها السادس، حمّل وزير الخارجية الأمريكي، الرئيس الروسي مسئولية المآسي العالمية، جراء إصراره على احتلال أوكرانيا. في المقابل، نفت موسكو إشعال عمليتها في أوكرانيا أزمتي الغذاء والطاقة. وأرجعت الأمر إلى تداعيات جائحة كوفيد ــ19، والاستراتيجية الأوروأمريكية للتحول في الطاقة، إضافة إلى تخبط سياسات الاقتصاد الكلي للدول الغربية، علاوة على رد الفعل الغربي غير المتناسب، حيال العملية العسكرية الروسية بأوكرانيا، والمتمثل في تكبيل موسكو بعقوبات، غير مسبوقة، أربكت سلاسل الإمداد الغذائية، بعدما رفعت أسعار النقل والتأمين، وحاصرت أقنية التعامل المالي. ودونما مواربة، رهنت موسكو التزامها تنفيذ وتجديد اتفاق اسطنبول، بتحرير صادرات الأسمدة والمنتجات الزراعية الروسية من ربقة العقوبات الغربية.

بدورهم، يشكو أصحاب الشركات والمزارع الأوكرانيون، عجزهم عن مباشرة أنشطتهم الزراعية. حيث أضحت أدوات إنتاجهم من أراضٍ، ومعدات، وبذور، وأسمدة، وعمال، ومخازن حبوب، واقعة على خطوط المواجهة المتعددة، أو ضمن الأراضي المحتلة من قبل روسيا. كما بات جل الأراضي الزراعية الأوكرانية، محاصراً ما بين استحالة الوصول إليه، أو صعوبة الاستفادة منه. فهو إما مثخن بالألغام، أو في قبضة الاحتلال الروسي، أو القوات المدعومة منه. يأتي هذا في الوقت الذي تضاعفت كلفة إنتاج القمح ثلاث مرات. ولما كانت إهراءات الحبوب في مرمى القصف، أو مسرحاً للعمليات، أو تحت الاحتلال، افتقدت أوكرانيا القدرة على تخزين عشرات الملايين من أطنان الحبوب المكدسة، كما أخفقت في تشوين (تشويل) أو بيع حصاد العام الماضي، أو تخزين محصول العام الحالي، أو حتى غرس البذار لمحصول العام المقبل. وقد بلغت كلفة الأضرار المباشرة التي لحقت بقطاع الزراعة الأوكراني زهاء 4.5 مليار دولار، فيما قٌدرت الخسائر غير المباشرة، الناجمة عن انحسار الإنتاج، وتعذر التصدير، بقرابة 20 مليار دولار. في غضون ذلك، حذر الرئيس زيلينسكي، من انخفاض إنتاج محصول الحبوب الأوكراني من 86 مليون طن العام الماضي، إلى 48.5 مليون فقط هذا العام.

ما برحت قضية نقل الحبوب تمثل إشكالية معقدة. فعلى وقع الحرب، تصاعدت أزمات سلاسل التوريد، وتقطعت السبل بنحو ألفي بحَار، على متن 94 سفينة شحن عالقة في الموانئ الأوكرانية. وتشير بيانات «المنظمة البحرية الدولية»، إلى بقاء نحو 450 بحاراً فقط على متن 80 سفينة منها، تحتاج جميعها إلى مزيد من البحارة لنقل الشحنات، بعد إجلاء معظم أفراد طواقمها. وهو أمر يبدو مستعصياً، في بيئة قلقة، وتعوزها ضمانات أمن الأطقم البحرية. ففي منتصف الشهر الماضي، صنفت اللجنة الحربية المشتركة، وسوق لندن للتأمين، المياه الأوكرانية والروسية في البحرين الأسود وآزوف، بوصفها بؤرا عالية الخطورة. الأمر الذي يفاقم أقساط تأمين شحن ونقل البضائع عبر هذه المياه، كما يعقد مشاكل الوقود، وتجهيز الأطقم. ولايزال بحارة كثٌر يحجمون عن السفر إلى المنطقة، قبل الاطمئنان إلى إجراءات تأمين السفن أثناء اجتيازها الممر الآمن، وإرشادها لتلافي الألغام البحرية. فمنذ تفجرها فى 24 شباط/ فبراير الماضي، أودت الحرب بحياة اثنين من البحارة التجاريين، كما تسببت في غرق اثنتين من أصل سبع سفن تجارية قبالة الساحل الأوكراني. كذلك، لقي قطب تجارة الحبوب الأوكراني، ومؤسس إحدى كبريات شركات إنتاج وتصدير الحبوب، أوليكسي فاداتورسكي، وزوجته، حتفهما، إثر قصف لمدينة ميكولايف.

لم يفلح إنكار موسكو وأنقرة، في تفنيد الاتهامات الأوكرانية والغربية، التي تلاحقهما منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، بالإتجار غير المشروع في القمح الأوكراني، الذي تهربه روسيا من الأراضي الأوكرانية المحتلة، إلى تركيا وسوريا. حيث أظهرت صور أقمار اصطناعية أمريكية، قيام موسكو بنقل معظم الحبوب من شرق أوكرانيا، بالشاحنات، إلى ميناء سيفاستوبول، ثم إلى شبه جزيرة القرم. ولم يتورع القباطنة الروس عن إيقاف تشغيل أجهزة أنظمة التعريف الآلية لسفن الشحن قبل دخولها الميناء، حتى لا يتسنى تتبعها، أو كشف بيانات الهوية الخاصة بها أثناء تحميلها بالحبوب المسروقة. وفي منتصف أيار/ مايو الماضي، أرسلت الولايات المتحدة تنبيهاً إلى 14 دولة، تناشدها عدم التعامل مع سفن الشحن الروسية المحملة بالحبوب الأوكرانية المهربة.

بموازاة الحرب الروسية الأوكرانية، لا تفتأ تحديات عديدة تلقي بظلالها على الأمن الغذائي العالمي. فمن تداعيات جائحة كورونا، إلى أصداء التغيرات المناخية، وما يواكبها من كوارث التصحر، والجفاف، وندرة المياه، وارتفاع أسعار الأسمدة، وارتباك السياسات الزراعية، ونقص العمالة، وتعاظم كلفة الإنتاج والتصدير، والتي أسهمت جميعها في تقليص كمية القمح الذى تنتجه كبريات الدول المعنية حول العالم. ناهيك عن استمرار الهدر الغذائي، واستخدام المحاصيل الغذائية ونباتات الأعلاف في إنتاج المواد اللازمة لتصنيع الوقود الحيوي. وتناغماً مع «نظرية مالتوس» بشأن عدم تناسب النمو السكاني مع تطور الموارد، أعلنت منظمتا «الصندوق العالمي للطبيعة»، و«غلوبال فوتبرنت نتوورك»، غير الحكوميتين، أن يوم 28 تموز/ يوليو 2022، هو الموافق ليوم «تجاوز موارد الأرض»، الذى تكون فيه البشرية قد استهلكت كل الموارد التي تستطيع النظم البيئية بكوكبنا تجديدها في عام واحد. في حين سيفوق الاستهلاك البشري خلال ما تبقى من السنة الجارية طاقة هذه الموارد. حيث سيعتمد استهلاكنا الموارد المتجددة على قضم رأس المال الطبيعي للكوكب، مع تجاهل احتياجات الأنواع الأخرى التي تشاركنا إياه.

وبحسب توقعات برنامج الأغذية العالمي، سوف يهوي ذلك الوضع بنحو خمسين مليون شخص في براثن المجاعات القاتلة. وبينما كانت استراتيجية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، تنشد القضاء على جميع صور انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية حول العالم، بحلول عام 2030، لوحظ تنامي نسبة الجوع عالمياً، خلال العام الماضي بنسبة 18%. ولعل هذا ما دفع الأمين العام للمنظمة الأممية، للتحذير من تأجيج الحرب الأوكرانية مآسي غير مسبوقة من الجوع والفقر، قد تُخلف وراءها فوضى اجتماعية، واضطرابات سياسية واقتصادية، وربما نزاعات مسلحة، تستتبع بدورها موجات عاتية من النزوح والهجرة الجماعية. من جانبهم، لا يرى المزارعون الأوكرانيون منجاة من هذا الكابوس، سوى انتهاء الحرب، وعودة المزارع إلى أصحابها، وإصلاح البنية التحتية، وإزالة كل الذخائر والمقذوفات غير المنفجرة من الحقول، وإعادة الموانئ الأوكرانية إلى سيطرة كييف، وتطهيرها من الألغام، وإنهاء الهيمنة الروسية المنفردة على البحر الأسود.

عن تشككها في جدوى اتفاق اسطنبول، أعربت دوائر دولية عديدة، أبرزها المنظمة الإنسانية «ميرسي كوربس». فمع افتقاد وسيطه التركي، وراعيه الأممي، أية سلطة مُلزمة، أو آليات زجرية ضاغطة على طرفيه المتقاتلين، باستثناء تحديد وإعلان الطرف المنتهك له، لن يتسنى للاتفاق كبح جماح التدهور الكارثي المتواصل في أمن الغذاء العالمي. ذلك الذي تتخطى وطأة معضلاته، حدود الحرب الروسية الأوكرانية، بما يستوجب تحركاً جماعياً لمجابهتها. بحيث تتضافر الإرادات الجادة، والجهود الحثيثة، من لدن حكومات وشعوب العالم قاطبة، للإقلاع عن عسكرة وتسييس قضايا الغذاء والطاقة، ونبذ الصراعات وسباقات التسلح. وتحري السبل الكفيلة بإقرار السلم والأمن في ربوع المعمورة. مع اتخاذ ما يلزم من تدابير للحفاظ على التنوع البيولوجي، وتقليص الانبعاثات الغازية الضارة، واستبقاء التوازن البيئي.

* كاتب أكاديمي وباحث مصري

المصدر: الشروق