الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الزنزانة الوطن

محمد أمين الشامي

لم أنس قط حديث ميشيل كيلو مع زينة يازجي وقصته مع الطفل الَّذي ولد في السجن ولا يعرف من الدنيا إلا وجه أمَّه وحيطان الزنزانة وربَّما وجه السَّجان والعتمة. استحضرت هذه القصَّة في هذا المقام، ولا أخفيكم أنَّني أعدت تكرارها على اليوتيوب لأسمعها للمرَّة … ربَّما الرَّقْم يعادل عمر كهولتي. في زنزانة تقبع شابّة في عمر السَّادسة أو السّابعة والعشرين برفقة طفل عمره 4 أو خمس سنوات وجهه أسمر “متنفخ” ربَّما لأنَّه “لا يرى الشَّمس” -بحسب ما أردف ميشيل يومها- طفل لم يعرف ما هو العصفور وما هي الشَّجرة وما هو النَّهر وما هي الشَّمس، مع أنَّها من المفردات البديهيّة الَّتي يتعلُّمها أيُّ وكلُّ طفل مع تعلُّمه لكلمات بابا وماما ودادا وقطَّة، وكلب أيضًا. الأم رهينة عن أبيها الَّذي فرَّ إلى الأردن، والطِّفل نتاج اغتصابات تعرَّضت لها فلا تدري من هو والده، والورطة، كما سمّاها ميشيل، هي تحدٍّ من السَّجّان غير المثقَّف لميشيل المثقَّف أن يروي لهذا الطِّفل الَّذي لا يعرف شيئًا في الدُّنيا قصَّة يعرف مفرداتها كلُّ أطفال الدُّنيا. وبحسب تعبير ميشيل فقد تجمَّعت الدُّموع في عينيه وشعر بالاختناق، فدقَّ باب الزِّنزانة كي يخرج. ترى كم حالة مثل هذه تقبع في زنازين النِّظام؟ كم فتاة اغتصبت وكم طفل ولد وكم عرض انتهك؟ كم قطٍّ لم يتعرَّف إليه طفل؟ كم نهر لم ترسمه طفلة على صفحة بيضاء مثل براءتها لأنَّها لا تعرفه؟ كم فراشة سألوا عنها أطفال فحاروا جوابًا؟ كم صفحة لم يرسم عليها إلّا اللَّون الأسود لأنّ راسمها لا يعرف إلّا العتمة؟ كم قصَّة حاولت أمٌّ مسجونة أن ترويها لطفل أنجبته وأمام كلِّ كلمة يطلُّ سؤال ما هو أو ماذا يعني.

نقاط عديدة استوقفتني أمام هذه القصّة:

  • حالة الأم المتقوقعة على نفسها قبل دخول ميشيل إلى الزِّنزانة والَّتي انكمشت على نفسها بعد دخوله، أي أن حالة الخوف والرعب لم تبارحها على الرَّغم ممّا تعرَّضت له وقاسته لتكسر بذلك مقولة “بحكم العادة”. ترى كيف سيتقبَّلها أهلها ومجتمعها إن هي خرجت، وحتّى هي كيف ستتقبَّل وضعها؟
  • حالة السَّجّان الَّذي تحدّى المثقَّف في التَّواصل مع حالة يعرف مسبقًا أنَّها مستحيلة أو شبه مستحيلة، في دلالة على المستحيل الَّذي يطلبونه من المساجين بالقياس.
  • حالة الطِّفل الَّذي لا يعرف أنَّه طفل مجهول الأب وكيف سيستقبله المجتمع في حال خروجه من وطنه الَّذي يعرف -الزِّنزانة- ولجوئه إلى الوطن الَّذي لا يعرف والَّذي قد يخرج له وثيقة “مكتوم” مؤقَّتة كي لا نستخدم كلمة أخرى.

هذا الطِّفل ووالدته عيِّنة شهد على وجودها شاهد عيان، وروى مأساته ومأساة والدته بعد أن خرج، وبقي مثلهما كثر لا يعرف أعدادهم إلّا الله ولم يتح لأحد أن يعرفها أم يعلم بوجودها.

ميشيل روى القصّة في محافل دوليّة فاستدرَّت دموع الجميع، لكنَّها لم تستدرَّ أفعالهم، وسمع القصَّة منه كثيرون فتأثَّروا وانتقلوا إلى موضوع آخر، وأكيد هناك قصص مشابهة يعرفها المعارضون الأشاوس فلم يبنوا عليها قضيّة لأنَّها ليست قضيَّتهم. ولا إخال أحدًا ينسى دموع مي سكاف وهي تتساءل بحرقة إلى من نتوجَّه ولمن نحكي؟ وتشتم المسبِّب لهذه المأساة  المجرم القاتل الَّذي أذل الشَّعب في كلِّ مكان اتَّجه إليه.

ما يهمُّنا من تلك الواقعة الَّتي بدأت بها مقالتي جملة ميشيل عندما قال له أحدهم إنَّه يريد تحويل القصَّة إلى فيلم سينمائي لأنَّها “سورية، سوريّة المظلومة الَّتي تمثِّلها هذه الفتاة الَّتي لم ترتكب ذنبًا إلّا أنَّ والدها هارب من النِّظام”، مع فارق بسيط سأدمج فيه آخر مقولة لمي سكاف: “إنَّها سورية العظيمة، سورية المظلومة الَّتي تمثلها هذه الفتاة التي لم ترتكب ذنبًا سوى أنَّ أبناءها وإخوانها وأهلها وجيرانها وعشيرتها وشعبها طالبوا بالحرِّيّة، وليست سورية الأسد.

وفي الختام، أكرِّر هنا عبارة يارا صبري: بدنا ياهن بدنا الكل.

المصدر: اشراق