الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في “الامتحان”.. تُهزم الصين أم تايوان؟

أمين قمورية *

لن تقع الحرب بين ضفتي مضيق تايوان، لكن الصين لن تدع زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لمدينة تايبيه تفلت من يدها، ذلك انها الفرصة المناسبة لبيجينغ لاستغلال الخطأ الاستراتيجي الأميركي من اجل التعبئة والحشد وفعل ما يلزم كي تعود الصين واحدة.

تايوان بالنسبة الى الصين مثل أوكرانيا بالنسبة الى روسيا. هذه خط احمر لموسكو وتلك خط احمر لبكين، لكن الفارق ان تمدد حلف شمال الأطلسي الى كييف يمثل تهديداً وجودياً لروسيا، وفي المقابل، فان اقصى ما يمكن ان تُشكله زيارة المسؤولة الأميركية للجزيرة من خطر على بكين، هو شرعنة انفصال جزء منها عنها، وهذا بات من الصعب حصوله في زمن تفقد فيه واشنطن هيمنتها المطلقة.. دولياً!

تايوان أيضاً ليست كوريا. الثانية تشكلت بعد الحرب العالمية، الأولى خلّفتها الحرب الاهلية الصينية. الانقسام الكوري حصل بموجب حرب خارجية واتفاقات دولية. اما تايوان فمسألة داخلية صينية.. والعالم كله بما فيه واشنطن نفسها يقر ويعترف بصين واحدة، وأن تايوان جزءٌ من الصين، وأن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي تمثل الصين كلها، وعليه ترى بكين ان مكانة تايوان كجزء لا يتجزأ من الصين محددة وغير قابلة للتغيير، وأن المواطنين على ضفتي مضيق تايوان هم صينيون، وتالياً لا ينطبق لا ينطبق عليها وعليهم مبدأ “حق تقرير المصير”.

كانت تايوان جزيرة نائية قرب الصين ثم أصبحت جزءاً من الإمبراطورية الصينية والمجال الثقافي الصيني في القرن السابع عشر بعد هجرة كبيرة من سكان ساحل الصين الجنوبي.

وفي نهاية القرن التاسع عشر، خضعت جزيرة تايوان إلى الاحتلال الياباني، إلى أن هُزمت طوكيو في نهاية الحرب العالمية الثانية، فعادت تايوان لفترة وجيزة إلى حضن بكين، في وقت كانت الصين تشهد حرباً أهلية بين الحزب الشيوعي الصيني المدعوم من الاتحاد السوفياتي وحزب الكومينتانغ الوطني المدعوم من أميركا، قبل أن يُهزم الأخير عام 1949.

وبعد انتصار الشيوعيين، فرّت إلى جزيرة تايوان أعداد كبيرة من قادة وأعضاء حزب الكومينتانغ والعسكريين والموظفين الحكوميين ورجال الأعمال والتجار المحسوبين على الحزب، وقدر عددهم بنحو مليون شخص. وأعلنت نخبة حزب الكومينتانغ بعد سيطرتها على الجزيرة بدعم أميركي، أنها تمثل حكومة الصين الشرعية، وأطلقت على جزيرة تايوان مسمى “الصين الوطنية” مقابل “الصين الشعبية” التي يحكمها الحزب الشيوعي. ونكاية بالشيوعيين، منح الغرب الجزيرة مقعد الصين الدائم في مجلس الامن. وهكذا، وفي مفارقة كوميدية اقرب الى الخيال، صارت الجزيرة التي يسكنها بضعة ملايين معظمهم لا يتكلمون لغة الماندرين الرسمية في الصين وتايوان، الممثل الشرعي للصين، وبات البر الصيني الذي يسكنه نحو مليار نسمة آنذاك، بلداً منشقاً عن الجزيرة التي لا تكاد تُرى على الخريطة. ولكن سرعان ما سحبت أميركا اعترافها بتايوان كممثلة شرعية للصين، واعترفت بالصين الشعبية عام 1979، نكاية بالاتحاد السوفياتي الذي كان قد دخل في نزاع مع بكين، وقبل ذلك تم طرد تايوان من مجلس الأمن عام 1971، لتحل الصين الشعبية محلها كممثلة وحيدة للصين.

وهكذا فان اعتراف واشنطن ببكين كممثلة للصين، هو بمثابة إقرار رسمي بأن تايوان جزءٌ من الصين في ظل سياسة الصين الواحدة التي كانت تقرها تايوان وبكين معاً برغم اختلاف الطرفين حول من منهما يمثل الصين الرسمية.

وبرغم اعترافها بحكومة الصين الشعبية، ظلت واشنطن على دعمها السري والعلني لتايوان، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وعمدت الى ترسيخ فكرة انفصال تايوان، عبر تشجيع حلفائها الصغار على الاعتراف بتايوان كدولة مستقلة وضمها الى عدد من المنظمات الدولية. وهذا التوجه لم يكن مدفوعاً فقط بالتضييق على الصين منافسها الأكبر حالياً، بل طمعاً بالاهمية الاستراتيجية والتكنولوجية والاقتصادية للجزيرة.

هذا التوجه الأميركي لتعزيز انفصال تايوان بشكل غير رسمي، لا يدفعه فقط الهوس الاميركي بالمنافسة مع الصين، بل أيضاً ازدياد أهمية تايوان الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

عسكرياً، تمثل تايوان واحدة من دول الجزر وأشباه الجزر الآسيوية الحليفة لأميركا في مواجهة الصين. وفي هذه المنطقة واطرافها يعيش ثلث سكان العالم وفيها مصنع العالم الفعلي. بالنسبة لأميركا، فإن تايوان هي الجبهة الأولى الحامية لليابان وكوريا الجنوبية، وحتى للدول المتذبذبة في جنوب شرق آسيا مثل الفيليبين وفيتنام وتايلاند. لذا تسعى أميركا بشكل محموم، لتوريط اليابان وبصورة أقل كوريا الجنوبية، في النزاع حول تايوان، وجعل الدعم العسكري الياباني والكوري المحتمل جزءاً من معادلة أي صراع عسكري أو اقتصادي محتمل في المنطقة.

وفي المقابل، فان عودة تايوان الى برها، سيجعلها قاعدة أمامية، لتوسيع نطاق طائرات بكين وصواريخها إلى 150 ميلاً بحرياً إلى الشرق. وهذا من شأنه تمكين الجيش الشعبي الصيني من اعتراض الطرق الجوية والبحرية في بحر الصين الشرقي وزيادة قدرة بكين على ضرب أهداف في اليابان أو جزيرة غوام الأميركية.

كذلك فان تايوان تمثل نموذجاً أيديولوجياً تروج له واشنطن في مواجهة بكين، حيث ان تايبيه تمثل نموذجاً لنجاح الليبرالية الرأسمالية في مواجهة الحكم الشيوعي القائم على رأسمالية الشركات الموجهة من قبل الدولة الصينية.

وسيكون لخسارة تايوان لصالح الصين الشعبية تأثير ضار على الصدقية الأميركية، وسيمثل ميزة كبيرة لبكين في المنافسة الأيديولوجية مع أميركا. وفي حال ضم الصين لتايوان، ستتمكن بكين أيضاً من الوصول إلى صناعتها العالية التقنية. ويمكن قياس الأهمية البالغة لتايوان في مجال صناعة أشباه الموصلات العالمية (الرقائق الإلكترونية) من حقيقة أن أزمة سلاسل التوريد الخانقة التي أعقبت انحسار جائحة كورونا والتي أدت إلى تقليص إنتاج مروحة واسعة من المنتجات تشمل السيارات والهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية، سببها مشكلات في الإنتاج بتايوان التي تكاد تحتكر إنتاج أكثر من نصف أشباه الموصلات عالمياً، وتالياً فان هيمنة الصين على صناعة أشباه الموصلات التايوانية معناها هيمنة كاملة على كل أو معظم مراحل صناعات الإلكترونيات في العالم. كما أن الناتج المحلي الإجمالي الكبير لتايوان بالنسبة لعدد سكانها والبالغ 600 مليار دولار، سوف يقع تحت سيطرة بيجينغ، مما يضيف مزيداً من القوة الاقتصادية للصين.

كيف يمكن للصين أن تتصرف في ضوء زيارة بيلوسي؟

الحل العسكري لن يكون مطروحاً على الطاولة بين بيجينغ وواشنطن، بل ستدفع تايبيه الثمن، اذ قد تتعرض لعقوبات صينية اقتصادية وتجارية قاسية باعتبار أن بيجينغ هي شريكها الأكبر. وأول الإجراءات المنتظرة، حظر سلاسل الإمداد إلى تايوان، بالإضافة إلى مراقبة الاتصالات مع تايوان وحظر البضائع التايوانية، إضافة الى تكثيف النشاطات العسكرية البحرية والجوية حول الجزيرة من دون ان تبلغ حد الاقتحام او الغزو، علما ان بيجينغ تفضل عودة سلمية الى وطنها الام في اطار ما يسمى دولة واحدة بنظامين، على غرار ما كان حاصلاً في هونغ كونغ وماكاو اللتين استعادتهما الصين من بريطانيا والبرتغال. وثمة اعتقاد صيني بان مواصلة الصين تقدمها الاقتصادي والسياسي وتبوأها الصدارة العالمية سيكون حافزاً ومشجعاً لسكان الجزيرة بالعودة طوعا الى الوطن الام ولو بعد حين، لا سيما أن الصين كانت تتبع سياسة اقتصادية بعيدة المدى قابلة لأن تمكنها من هضم تايوان دون عمل عسكري مباشر بسبب تعميق روابط التصنيع والتجارة، إلى درجة قيام شركات تايوانية باستثمار ما يزيد عن 60 مليار دولار داخل البر الصيني حيث يستقر مليون تايواني يديرون أنشطتهم الصناعية والتجارية.

واقعياً، لا تعكس المفردات السياسية المحتدمة حالياً بين واشنطن وبكين أي احتمالات لتصادم سياسي عنيف بسبب تايوان وهذا ما تعمده وزير الدفاع الصيني الجنرال وي فينغي بأن بلاده تسعى إلى “إعادة التوحيد السلمي” مع تايوان لكنها تحتفظ “بخيارات أخرى”.

وبرغم تأكيد الإدارة الأميركية أن واشنطن لن تغير سياستها المعلنة إزاء تايوان وانها غير معنية بالتصعيد مع الصين، فإن زيارة بيلوسي وقبلها التصريحات الاستفزازية التي ادلى بها الرئيس الأميركي جو بايدن حول التدخل الأميركي للدفاع عن تايوان عسكريا اذا تعرضت لهجوم صيني، تدلان على رغبة واشنطن العميقة في تشجيع النزعات الانفصالية اضعافاً لموقع الصين ومكانتها، وليس ادل من ذلك سوى السعي الأميركي لبناء شراكة اقتصادية من 13 دولة آسيوية تحيط بالصين واستثارة النزاعات القائمة فى بحر الصين الجنوبي ومواصلة الحشد العسكري فيه.

في أي حال فان المنحى التصاعدي للأحداث شرقاً، يشي بأن التنافس المحموم يتفاقم بين قوة عظمى كانت تتفرد بالهيمنة على القرار العالمي وبين قوة صاعدة مصممة على بلوغ القمة بحزم وروية، وهذا من شأنه ترك الأمور مفتوحة على اخطر الاحتمالات.

* صحافي وكاتب لبناني

المصدر: 180 بوست