الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ثنائية الثقافة العربية الحديثة

معقل زهور عدي

 في أوساط المثقفين العرب تجد دائما الانقسام الذي يحيلهم إلى ثنائية قلما تجد االطريق للالتقاء . فإما ثقافة مستمدة من الغرب , لكنها بدلا من أن تعمل على هضم العناصر الثقافية الغربية تكتفي بالغرق فيها , فتجد التبعية بدلا عن الفهم العميق والمستقل . وبصورة خاصة بعض أولئك الذين حصلوا على ” شهاداتهم ” المعرفية في الغرب وعاشوا تحت ظله فترة طويلة . وثقافة أخرى تقطع كليا مع الثقافة الغربية مرتمية في أحضان كتب التراث ولسان حالها ” ليس في الامكان أبدع مما كان ” . وبينما تصول الثقافة الأولى وتجول في الأدوات الاعلامية الحديثة تدعمها المؤسسات الغربية بأشكال متعددة ظاهرة ومستترة . وبالتالي تحتل حيزا كبيرا أمام الأجيال الصاعدة المنفتحة على العصر . تكمن الثقافة الأخرى في قلب المجتمع التقليدي بجذور عميقة لاتهتم بالمظاهر كثيرا لكنها تبرز عند المنعطفات التاريخية لتذكر الجميع أن العقل الجمعي العربي مازال منتميا لثقافته التقليدية , وأن الثقافة المتغربة ليست سوى قشرة طافية على السطح , أو فقاعة كبيرة لكنها فارغة هشة إلى أبعد حد . أزمة العقل العربي أنه لم يتمكن حتى الآن من إنتاج ثقافة قادرة على هضم ماقدمته الحضارة الغربية دون أن يكون الثمن عبوديته لتلك الحضارة , ورضاه بالتبعية العمياء لها . ثقافة لا تقطع مع الجذور العميقة للحضارة العربية – الاسلامية بل تأخذ منها كل ماهو صالح ومفيد للعصر وللمستقبل . والأهم من ذلك ثقافة تعي خطورة مسألة الهوية والانتماء بحيث لاتكون مستعدة للتجارة بتلك الهوية في سوق القيم والأفكار . كتب أحد المثقفين العرب :” عندما وصل المسلمون الى هسبانيا كما كانت تسمى (Hispania)، عرّبوا لفظ أسماء المدن من أصولها المختلفة دون المس بها جذرياً، إلا نادراً، أي لم يخترعوا لها اسماءً جديدة في الغالب، إلا العاصمة التي وجد اسمها الاول عربياً، مجريط، وصارت اليوم مدريد. وعندما أستعاد الايبيريون السيطرة على الاندلس، مع حمولة دينية عكسية وشديدة التطرف، من المفيد ان نلاحظ بأنهم لم يقوموا (بكثلكة أو اسبنة) اسماء المدن والبلدات، فحتى يومنا هذا لدينا : بنو الغالبون، بنو عرفة، المسجد الصغير، طريفة (التي تحمل اسم قائد بربري غازٍ)، بني الوليد. حتى الأنهار : الوادي الكبير، وادي المدينة ….” مايهمني مما سبق هو ” وعندما استعاد الايبريون السيطرة على الأندلس ” تطابق تلك الفكرة تماما موضوعة ” حرب الاسترداد ” Reconquista وهي موضوعة ظلت مسلمة في الثقافة الغربية مئات السنين , حتى بدأت تتعرض للنقد الشديد خلال الثلاثين عاما الأخيرة . يقول المؤرخ جوزيف كالاغن في كتابه ” تاريخ اسبانيا العصور الوسطى” : ” تحول كثير من المسيحيين في الأندلس – ربما الأغلبية – نحو الاسلام لتأمين أنفسهم وأملاكهم ..وبتحولهم نحو الاسلام فقد أصبحوا هم وأولادهم معفيين من دفع الجزية , رغم أن الحكام المسلمين لم يشجعوا على ذلك التحول كونه يفقدهم المورد المالي العائد للجزية ,أما العبيد الأرقاء فقد ربحوا حريتهم بتحولهم نحو الاسلام” وكأحد الأدلة على تحول الايبريين الأصليين للإسلام ماجاء في كتاب يرجع تاريخه الى عام 1311 م من أنه لم يكن من بين سكان غرناطة المسلمين البالغ عددهم حوالي مئتي ألف نسمة أكثر من خمسمئة من أصل عربي على حين كان سائر هؤلاء المسلمين من سكان البلاد الايبريين الأصليين الذين تحولوا للإسلام .” ( بحث في تاريخ نشر العقيدة الاسلامية – سير أرنولد توماس – ص 169) فإذا كانت الغالبية العظمى لسكان شبه الجزيرة الايبرية قد تحولت للإسلام بعد الفتح العربي – الاسلام بزمن قصير , وتعلمت اللغة العربية التي أصبحت سائدة كلغة الشعب اليومية , ونسيت اللاتينية , وأصبحت عاداتهم عربية – اسلامية , واذا كان مصيرهم بعد هيمنة الممالك الاسبانية على ديارهم يتراوح بين التهجير والقتل والاستعباد فماذا يعني ” استعادة الايبريين السيطرة على الأندلس ” ؟ أوضح المؤرخ ديريك لوماكس أن مفهوم الاسترداد قد تم إدخاله من قبل المسيحيين الأسبان عقب دخول المسلمين الأندلس عام 711 م مباشرة . وأحرز ذلك المفهوم تقدما في القرن التاسع الميلادي في مملكة أستورياس . على أية حال فمفهوم “الإسترداد ” لم يكن مفهوما استاتيكيا وصل صيغته النهائية في مملكة أستورياس لكنه تطور وتعرض لمؤثرات عبر الأجيال المتعاقبة. والخطورة في سيادة ذلك المفهوم لدى المؤرخين الأسبان والغربيين حتى مابعد منتصف القرن العشرين حين بدأ يتعرض للنقد أنه يشرع إبادة شعب الأندلس و كل الوسائل الجهنمية التي استخدمت في تهجيره وإجبار من بقي على تغيير دينه بحد السيف بما في ذلك محاكم التفتيش الرهيبة . من أجل ذلك لم نجد حتى عهد قريب في الغرب تلك الصرخة بالشعور بالذنب تجاه أفظع وأوسع حملات الابادة والتطهير الديني التي تمت داخل أوربة عبر التاريخ . فبدلا من الشعور بالعار لطرد وتهجير مايقارب ثلاثة ملايين أندلسي عبر حملات متلاحقة وقتل مئات الألوف منهم واجبار ملايين آخرين على تغيير دينهم تحت تهديد القتل والسجن والتعذيب وأولئك الأندلسيين في غالبيتهم ليسوا من العرب ولا من البربر بل هم من السكان الأصليين لشبه الجزيرة الايبرية الذين كان أجدادهم يعيشون فيها قبل اجتياح قبائل القوط بمئات السنين , وكل مافي الأمر أن آباءهم وأجدادهم اعتنقوا الاسلام , وتعلموا العربية , وأصبحوا جزءا من الحضارة العربية – الاسلامية . أقول بدلا من الشعور بالعار فقد أصبحت تلك الأعمال مدعاة للإفتخار والإحتفال في كل الغرب وليس فقط في أسبانيا . ومن حظ أجيال اليوم من العرب والمسلمين أن مراجعة واسعة لدى المؤرخين الغربيين قد بدأت منذ ثلاثين سنة ليس فقط لتاريخ الأندلس ومايسمى بحروب “الاسترداد” ولكن أيضا لتاريخ إسبانيا القديم الذي يظهر الهوية الحقيقية لشعب شبه الجزيرة الايبرية والتي تكونت في جزء هام منها من الحضارة الكنعانية الفينيقية خلال ستمئة عام من القرن التاسع قبل الميلاد وحتى القرن الثالث قبل الميلاد حين سيطرت الامبراطورية الرومانية على ايبريا . وبدون شك فستحمل تلك المراجعة التاريخية التي تتسم بقدر من الموضوعية والبحث العلمي يقظة للضمير الغربي لإدانة الجرائم التي ارتكبت في الأندلس تحت ستار ” الإسترداد ” . لقد كان مفهوم حرب “الاسترداد” السابق غطاء فكريا يمنح الغرب ليس فقط الأداة الضرورية لقلب وقائع التاريخ وإعادة كتابته بطريقة كاذبة ولكن أيضا لوضع الزهور فوق جثث مذبحة كبرى وجريمة بحق الانسانية . مخزية ومخجلة تبعية المثقف العربي لموضوعة لا أساس لها من التاريخ تعكس جانبا من الثقافة المتعصبة التي رافقت الحروب الصليبية ثم استمرت بعدها دون تدقيق أو نقد حتى عهد قريب حين بدأ الانتقاد يتوجه لها , ليس فقط من زاوية أخلاقية , كونها أداة تغطية لأكبر جريمة إنسانية حصلت في أوربة بإبادة شعب الأندلس . وما رافق ذلك من محاكم التفتيش الرهيبة , لكن من وجهة نظر الحقيقة التاريخية التي لايمكن الاستمرار في طمسها وتشويهها اليوم .