الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الاختفاء القسري في سجون النظام بين تجاهل العالم وتهاون المعارضة

محمد عمر كرداس

    في فترة حكم الانفصال التي دامت ثمانية عشر شهرًا أعلن المعلمون إضرابًا عن العمل في درعا، فذهب رئيس الوزراء وكان يومها خالد العظم لمعالجة الوضع، وعند وصوله إلى المدينة رشق المتظاهرون موكبه بالبيض والبندورة وحدثت أعمال شغب قامت الشرطة على أثرها باعتقال عددٍ من المتظاهرين، يكتب العظم في مذكراته أنه في طريق عودته إلى دمشق توقف بمدينة الكسوة وهاتف محافظ درعا وطلب منه إطلاق سراح جميع المعتقلين على خلفية المظاهرات يومها، وأضاف يقول لم أستطع أن أدخل دمشق وهناك أشخاص اعتقلوا على خلفية الإدلاء برأيهم.

    بعد سقوط حكم الانفصال  في 8 آذار/ مارس 1963  وانفراد حزب البعث بالسلطة وفرضه حالة الطوارئ  أصبح الاعتقال بدون محاكمة وإخفاء مكان الاعتقال والمحاكم الميدانية التي من المفروض أن تكون أيام المعارك مع العدو وللعسكريين فقط، ولكنها أصبحت تحاكم المدنيين بثواني لتصدر أحكامها الجائر، نهجًا يوميًا في تعامل الحزب مع الشعب السوري، وضربت السلطات الحاكمة من مدنية وعسكرية وقضائية وحزبية عرض الحائط بحقوق المواطن مع أن سورية كانت عضوًا مؤسسًا في إنشاء منظمة الأمم المتحدة ومنظماتها الملحقة وتستفيد من جميع تلك المنظمات كمنظمة الأغذية والزراعة واليونسكو ومنظمات الطفولة والأمومة وغيرها ولكنها لم تلتزم في زمن البعث  بما يخص حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة كحق التقاضي أمام محاكم مستقلة وكوجود محام عند التحقيق في أية قضية أو حقه بالزيارات وباقي الحقوق التي نصت عليها تلك القوانين والتعليمات.

    في سورية/ البعث ساد الظلام والتعتيم على الاعتقالات التي توسعت بشكل غير مسبوق وغير معهود إلاّ في الأنظمة المارقة كالنظام السوري وساد الإختفاء القسري والاعتقال  العشوائي بأوامر عرفية وقرارات أمنية منذ 18 تموز/يوليو 1963 وإلى الآن، حتى أن شرطي المرور يمكن أن يوقف أي إنسان ويطلب له أمر عرفي لوجود مرسوم جمهوري  صدر عن رئيس الدولة عام 1968 ينص على أن رجل الأمن (وهو يشمل كل موظف أمني من شرطة وغيرها) لا يسأل عن أعماله أمام الجهات القضائية ولو أدى ذلك إلى القتل.

   الإختفاء القسري في شرعة حقوق الإنسان اليوم يعتبر جريمة حرب لاتسقط بالتقادم مهما طال الزمن، ولكن لماذا يتجاهل العالم الذي يعتبر نفسه مدافعًا عن حقوق الإنسان وحاميها مايحدث في سورية وفي الدول المارقة الأخرى كإيران وكوريا الشمالية، هل هو الخوف من هذه الدول أم أنها تقدم خدمات لهذه الأنظمة، أو أن هناك قوى خفية تحرك المسرح وتمنع هذه المحاسبة؟ لاشك أن النظام السوري المستمر في هذا النهج والذي يحتجز أكثر من مئتي ألف مغيب قسريًا لايعرف مصيرهم يحظى عالميًا بالتجاهل وهو تجاهل العارف وليس الجاهل ومن طرف ثان هناك معارضة هزيلة مرتهنة لا يمكن مطالبتها بهكذا ملف وهي التي تغاضت عنه في كل محادثاتها ولقاءاتها الدولية والإقليمية بنصيحة الكبار والداعمين، فهي لاتحرك ساكنًا به وإن حصل فهي ببيانات جوفاء لارصيد لها في الواقع، إن أكثر مايؤلم في هذا الملف أنه مستمر بشكل واسع منذ مجازر حماة في الثمانينات وإلى الآن وتترتب عليه تبعات مأساوية من حقوق العائلات في الزواج والطلاق والإرث والملكية وهو يوقف كل مايتعلق بالمعاملات الإنسانية والتعامل بين الناس،  لقد لجأ النظام أخيرًا إلى إخبار الناس بموت أقاربهم في المعتقلات بأعذار واهية، ولكنه غيض من فيض، وهو الآن يصدر قرارات يطلب فيها من يريد أن يوفي قريب له أن يحصل على إذن من القاضي وهو بذلك يحاول أن يعطي انطباعًا أن من ماتوا بعد اختفائهم قتلتهم( العصابات الإرهابية) والنظام من قتلهم بريء، ولكن ذلك لن يعفيه من مسؤوليته بإخفاء هؤلاء الناس وقتلهم تحت التعذيب.

  في اليوم العالمي للاختفاء القسري لابد من مطالبة المجتمع الدولي بوضع هذا الملف القاسي على كل الناس موضع الاهتمام الذي يستحقه ومطالبة المجتمع الدولي أيضًا ومنظماته الإنسانية بالاهتمام بالملف ومحاسبة النظام ورموزه لارتكابه هذه الجرائم الوحشية المصنفة دوليًا أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولن تكون هناك عدالة حقيقية إلاّ بطي هذا الملف.

المصدر: اشراق