الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الإخفاء القسري في سورية سياسة ممنهجة

أحمد مظهر سعدو

دأب نظام القهر والاستلاب الأسدي ومنذ بداية الثورة السورية عام 2011، ثورة الحرية والكرامة على إنتاج سياسة أمنية غاية في القهر والقسر، تتكيء الى سياسات قديمة تبدأ منذ أن اعتلى حافظ الأسد السلطة في سورية علم 1970 وهي نهج يسير به النظام  الأسدي القهري في محاولة منه لكم الأفواه ومنع أي تحرك شعبي سلمي أو سوى ذلك، وكبت التحركات الجماهيرية التي تبغي الديمقراطية وسيادة القانون. هذه السياسة القمعية الطغيانية غيبت ماينوف عن 950 ألف إنسان سوري، حسب إحصاءات أممية لمنظمات حقوقية، وحالت دون الوصول إلى مصائر هؤلاء المحتجزين في معتقلات وسجون الإرهاب الأسدي، وأدت إلى تصدير عشرات آلاف الصور، فيما سمي بصور (قيصر) التي أضحت معروفة على مستوى العالم، وأدت إلى اطلاق وصف عالمي على سجن صيدنايا ليكون اسمه(المسلخ البشري).

إن واقع  ملف الإخفاء القسري في سورية لابد أن يتحول من كونه ملفًا إلى ضرورة أخذ مكانته الأهم من حيث أنه أضحى قضية، وهي من قضايا السوريين الأكثر إلحاحًا وضرورة، لما يمتلك من شمولية باتت تطال كل السوريين، وكل أسرهم وعوائلهم دون استثناء، فلم يعد هناك من أسرة سورية إلا ولديها فرد تم اعتقاله أو إخفاءه قسريًا، ولا يُعرف مصيره، ولا أي احتمالات لوجوده على قيد الحياة من عدمها، خاصة بعد  فضيحة صور (قيصر) التي أظهرت بشكل موثق مدى فجور النظام السوري وعبثه المقصود والممنهج بأرواح السوريين الذين تجرؤوا يومًا ما وخرجوا متظاهرين وقالوا كفى عسفًا، كفى قهرًا واستلابًا لحيوات الناس وإلغاء السياسة من مجتمعهم، وهدر إنسانية الإنسان السوري.

وقد أضحت هذه القضية في صلب اهتمام كل المنظمات الإنسانية والحقوقية التي تعنى بحرية البشر وبأهمية ولوجهم عالم المواطنة المفقودة كليًا في الحالة السورية مع آل الأسد ومن وقف مصطفًا إلى جانبهم من الإيرانيين والروس على حد سواء.

لكن أين المعارضة السورية من كل ذلك؟ وهي التي يُفترض أن يكون لها كل الدور والاهتمام بهذه القضية، لما تمثله من قلق حياتي يومي، وهمٍّ يرقى إلى أن يكون الأول في حيوات السوريين، إنما وبكل أسف فقد انشغلت المعارضة السورية بكل ألوان الطيف السياسي والعسكري، بما هو متخارج مع كينونة هذه المسألة، وراحت تدخل في حالة صراع  على الكراسي والمناصب دون إيلاء الأهمية اللازمة لقضية المخفيين قسريًا في سورية، ثم وضعت هذه القضية على الرف دون العمل الجدي من أجل إخلاء سبيل المخفيين قسريًا والذين تظهر قوائم موتهم يومًا إثر يوم عبر نشرها بالتتابع من قبل الأجهزة الأمنية للنظام الطاغوتي السوري.

من هنا فقد بات هذا الموضوع من هذا المنوال ثانويًا لدى المعارضة الرسمية السورية، وهي من يتحمل اليوم مسؤولية إظهاره إلى النور، وجعله حيًا بشكل يومي وفي كل المؤتمرات الدولية والاقليمية، وإن لم يكن ذلك كذالك فسوف يحاسب التاريخ وكذلك الشعب هذه المعارضة، التي لم تتمفصل بشكل جدي ومسؤول مع أهم قضية في حياة السوريين في العصر الحديث وهي قضية الإخفاء القسري والاعتقال السياسي.

لعله من المفيد أيضًا في هذا السياق تحميل المسؤولية كذلك في هذا الأمر لدولة الملالي الإيرانية التي تتحكم في قرارات النظام الأسدي المجرم، وتشجعه على المضي قدمًا في إخفاء قسري لمئات آلاف السوريين.

لقد كانت إيران ومازالت صاحبة مشروع فارسي طائفي كبير يريد إعادة مجد (كسرى أنو شروان) على أنقاض العرب المفككين، حيث ينالهم التشظي من كل جانب. لذلك فإن إيران تريد أن يبقى نظام الإجرام الأسدي تحت قبضتها، وضمن مشروعها للمنطقة برمتها، وهي من تعمل على التغيير الديمغرافي في سورية واستغلال الموارد السورية، واعتبار نظام الأسد مجرد أداة من أدواتها. والوضع الدولي والإقليمي يساعدها في ذلك. وليس من قلق غربي أو أميركي إلا من تحركات إيرانية قد تطال أو تقترب من (الأمن القومي الإسرائيلي) وهو الهم الأساسي لكل الإدارات الأميركية في المنطقة.

وسواء كان في قضية الإخفاء القسري أو في سواها من مسائل السوريين فإن النظام الأسدي يندرج في إطار العلاقة الإرتمائية مع الإيرانيين، لأن نظام الأسد أصبح في مهب الريح ولاكيانية له بعيدًا عن حماية إيران وروسيا، ولم يكن نظام الأسد الحالي ولا نظام أبيه حافظ إلا ضمن المشروع الفارسي الخطير، أي منذ بدايات الحرب الإيرانية العراقية يوم اصطف حافظ الأسد إلى جانب إيران ضد العراق، بل ضد كل العرب الذين كان لهم رأي آخر في موضوع حرب الثماني سنوات التي أدت إلى أن يتجرع (الخميني) كأس السم السياسي، كما أعلن في حينها.

النظام السوري اليوم بات خارج الحضن العربي كليًا نتيجة سياساته القمعية وإخفائه القسري لمئات آلاف السوريين، ولا أمل له في المنظور القريب، بعودة إلى الجامعة العربية، ولايسمح المجتمع الدولي بإعادة تأهيل بشار الأسد، بل مازال يضع الكثير من المحظورات في هذا المسار.

المصدر: إشراق