الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في شهر أيلول تواريخ لها تاريخ

محمد عمر كرداس

     يأتي شهر أيلول في كل عام مبشرًا بالخريف وحاملا ذكريات متنوعة دولية وعربية وسورية، ومن أهم الذكريات العالمية تدمير مركز التجارة العالمية في نيويورك على يد تنظيم القاعدة التي أنشأته أمريكا نفسها بتمويل ودعم سعودي بالمال والرجال لمحاربة النظام الأفغاني المدعوم من الاتحاد السوفييتي، وقد جاء التفجير كما نعلم يوم 11 أيلول/ سبتمبر  عام 2001 صباحا عن طريق اختراقه بطائرات مدنية محملة بالركاب موقعا حوالي 3000 قتيل كما تم تدمير المبنى بالكامل وجزء من مبنى البنتاغون في واشنطن وهو مقر وزارة الدفاع الأمريكية بينما سقطت طائرة أخرى كانت تستهدف مبنى الخارجية في واشنطن أيضا وكان من نتيجته أن قامت أمريكا باحتلال أفعانستان لمدة عشرين عاما وخرجت منه مدمرا دون أن تحقق ما أعلنت عنه من عزمها على تدمير حكومة الإمارة الإسلامية التي أعلنتها حركة طالبان هناك والقضاء على العدو الرئيسي كما اصبح يسمى (تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن )وبعد أن كانت تلك الإمارة عام 2000 تسيطر على بعض الأقاليم ،خرجت أمريكا والإمارة تسيطر على البلد بكامله….لقد كلفت تلك الحرب الميزانية الأميركية حوالي 2 ترليون دولار ولو صرف ربع هذا المبلغ على تنمية هذا البلد الاستراتيجي بموقعه والفقير بموارده لانتهى الإرهاب وانتهت أشكاله ولكن أمريكا لا تعرف بعلاقاتها مع الآخر إلاّ القتل والتدمير او النهب والمحاصرة.

    أما على الصعيد العربي فهناك حدثان أليمان حدثا في أيلول عام 1970 أولهما ماسمي بأيلول الأسود وهو نكبة المقاومة الفلسطينية على يد النظام الأردني وملكه العميل حيث تم تصفية المقاومة الفلسطينية التي كانت تتخذ من الأردن قاعدة انطلاق نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة من العدو الصهيوني ،عندها دعا الرئيس جمال عبد الناصر لمؤتمر قمة عاجل لوقف المجزرة التي توقفت مع نهاية المؤتمر يوم 28 أيلول ولكن كان هذا التاريخ يوم الحدث الأليم الثاني وهو وفاة زعيم الأمة العربية الرئيس جمال عبد الناصر الذي أوقف المجزرة وخسر حياته وخسرته الأمة في وقت كنا أحوج مانكون اليه وإلى قيادته الحكيمة….ومن يتابع ماجرى بعد غيابه في مصر ومن بعدها باقي الأقطار العربية يعرف فداحة الخسارة، فقد ارتد خلفه السادات وقاد بمباركة ودعم من أمريكا والسعودية مسيرة الردة التي مازلنا نعيشها إلى الآن، لقد تراجع هذا المرتد عن كل الإنجازات الوطنية والاقتصادية ووضع 99 بالمئة من أوراق الحل بيد عدونا الاستراتيجي أمريكا وعقد المعاهدات مع العدو الصهيوني وأخرج مصر من دائرة الصراع مع هذا العدو بعد أن كانت هي رأس الحربة في مقارعة هذا الكيان، وبخروج مصر من دائرة الصراع تدحرجت كرة الثلج لتكبر بمرورها على الفلسطينيين في أوسلو والأردنيين في وادي عربة وكثير من الدول من تحت الطاولة..وليأتي الرئيس الأمريكي ترامب وصهره اليهودي كوشنير في أيلول 2020أيضا  ليضع الجميع فوق الطاوله وليعقد اتفاق سماه الإبراهيمي بضمه الأديان السماوية الثلاث زورا وبهتانا، ولتصبح الإمارات والبحرين والمغرب والسودان أطراف هذا الدين الجديد كل ذلك يجري من الرياض عاصمة السعودية التي مازالت تدير المشهد ولكن من تحت الطاولة مؤقتا،ومن المعروف أن قطر وعمان تملك علاقات متجذرة مع أصحاب الدين الابراهيمي منذ زمن بعيد …هذا ما حصل بوفاة عبد الناصر وقيادة السعودية ومصر لمسيرة التطبيع مع الاحتلال في وقت يمعن العدو الإسرائيلي في قتل ومحاصرة الفلسطينيين وتجويعهم وهم القابضون على جمر قضيتهم التي فرط بها العرب وقيادتهم المتخاذلة…لقد أجبر الفلسطينيون ( شعب الجبارين العدو الصهيوني على بناء الجدران العالية لحمايتهم من هذا الشعب المغوار ،بينما فتحت الدول العربية حدودها وأجواءها ومياهها أمام هذا العدو الاستيطاني العنصري وفكت عنه العزلة ودعمته بالمال والاستثمارات في خطوة لتطبيق مشروع شيمون بيرز لشرق أوسط جديد يقوم على ( العبقرية اليهودية والمال العربي واليد العاملة العربية الفقيرة وغير المؤهلة) كل ذلك بعد أن عجز هذا الكيان عن مد حدوده إلى المكان التي تصله دباباته كما كان يصرح قادته…

    الحدث الأخير في هذه المقالة الذي سنتحدث عنه هو 28 أيلول 1961،هذا التاريخ المشؤوم والذي فرخ كل المآسي والنكبات والكوارث التي تحيق بأمتنا إنه جريمة انفصال الوحدة السورية المصرية التي أعلنت باستفتاء شعبي في البلدين في 22 شياط /فبراير 1958، ذلك الجرم الذي نفذه عدد من الضباط في دمشق تنفيذاّ لأجندات خارجية خططت لها المخابرات المركزية ومولتها السعودية وذنبها الملك حسين عميل تلك المخابرات،ضد إرادة الشعب الذي انتفض ضد هذا الجرم والذي جاءت حركة 8 آذار  1963 لإسقاط الانفصال وإعادة الوحدة كما أعلنت ، وسرعان ماسيطرت على فصيل من فصائل تلك الحركة شهوة الحكم والسلطة فتخلص من شركائه بمذابح متتالية لينفذ أجندة خارجية أخطر من الانفصال نفسه ليصل بنا إلى مانعيشه اليوم ،فنصف سورية مشرد بين نازح ولاجئ، وأراضيها  مقسمة بين عدة احتلالات استدعاها النظام المجرم الذي تمت تهيئته لتدمير سورية ونهب ثرواتها وتشريد شعبها وتقسيمها بين الطامعين .. هدف طالما سعت إليه الدوائر الاستعمارية منذ عام 1916  بمشاريعها المتعددة من إقامة كيان علوي ودرزي وشامي وحلبي على يد الفرنسيين،إلى مشروع أيزنهاور بالخمسينات بملء الفراغ ثم حلف بغداد الذي ضم ايران وباكستان وتركيا وبغداد بالإضافة إلى بريطانيا وامريكا وكانت العين على سورية التي أسقطت الحلف كله بوحدتها مع مصر..ليأتي نظام القتل لينفذ اليوم كل تلك الأجندات ويرسخها…

أخيرا لاننسى مع مجيء أيلول من كل عام يعيش شعبنا السوري تحت حكم الطاغية وفي المنافي وأماكن النزوح تحديا سنويا وهو دخول المدارس وقدوم الشتاء ومايكلفه هذا التحدي من إمكانيات غير موجودة إلا في يد قلة مرتزقة تعيش على قهر وإذلال شعبنا ونهب ماتبقى ويجيء أيلول هذا العام أيضا بأنباء عن تفشي مرض الكوليرا القاتل سريع الانتشار  وسببه الرئيسي شرب الماء الملوث وفقدان النظافة والرعاية الصحية….

    أعان الله شعب سورية على ماابتلي به على يد نظام مجرم جلب عليه كل تلك المصائب.