الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عن فقه العدل

عبد الحسين شعبان *

يُروى عن عمر بن عبد العزيز الذي يُلقّب ﺑ«الخليفة العادل» قوله الشهير لأحد ولاته، «سوّر مدينتك بالعدل»، وذلك جواباً له على رسالة كان قد بعثها يطلب منه إرسال قوّة مساندة لمساعدته في القضاء على «المتمرّدين» والمقصود بذلك «المعارضة» باللغة المعاصرة اليوم. وقصد عمر بن عبد العزيز بردّه المشار إليه «أن العدل أساس الملك»، فهو الحامي للأوطان والإنسان. فماذا يعني ذلك؟ وكيف يمكن مقاربته في مجتمعاتنا الحالية؟

علامتان أساسيتان تقوم عليهما فكرة العدل:

الأولى: «المشروعية القانونية»، وهو ما نطلق عليه «حكم القانون»؛ أي أن الحاكم يحكم بالقانون الذي يجب أن يكون مثل الموت لا يستثني أحداً، حسب مونتيسكيو.

والثانية: «الشرعية السياسية» التي يحظى بها الحاكم من خلال رضا الناس وثقتهم، خصوصاً حين يحقّق لهم منجزاً ملموساً، وإذا ما سارت «الشرعية» مع «المشروعية» في خطّ متوازن، فإن ذلك طموح أي حاكم وأمنية أي شعب، ومعناه أن قسطاً كبيراً من العدل قد تحقّق، وهو ما يمكن البناء عليه.

ولعمري إن مثل هذه المعادلة الطردية بين «الشرعية» و«المشروعية» و«الحاكم» و«المحكوم»، هي الأساس الذي تقوم عليه فكرة المواطنة الحديثة في الدولة العصرية، والتي يُعتبر العدل، ولا سيما الاجتماعي، مرتكزاً أساسياً من مرتكزاتها. فالعدل يمثّل قاسماً مشتركاً أعظم لبني البشر، وبغيابه تشحّ فرص الحرية، وتتضاءل المساواة وتضيق إمكانية الشراكة والمشاركة دون تمييز.

ولعل الوعي بقيمة العدل الإنسانية السامية جاء ذكره في جميع الشرائع السماوية وغير السماوية، فروح الإسلام ومقاصده الكلية وفلسفته في الحياة تقوم على العدل كقيمة ناظمة للقيم الإنسانية الأخرى، مثل حق الحياة، وسلامة الجسد، والكرامة الإنسانية، والمساواة بين بني البشر كجزء من المشترك الإنساني الجامع.

والدين الحنيف لم ينتشر بالفتوحات والسيف وحده، وإنما كان العقل والعدل قد استوطن في النفوس قبل الإكراه أو حمل الآخرين على اعتناق الدين بالقوّة أو بالقسر، وذلك لما مثّله من علاقة البشر المتكافئة بعضهم ببعض: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى»، و«إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

وفضيلة العدل هي الأقرب إلى التقوى، والتقوى تعني الكمال والسمو في النفس الإنسانية، وتلك إحدى مستلزمات الجهاد الأعظم، وحين سُئل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن الجهاد الأعظم، قال: إنه جهاد النفس؛ أي الانتصار عليها بالعدل أمام النزوات والإغراءات، وذلك أقرب إلى أصل التقوى.

وما زال العدل في مجتمعاتنا ناقصاً ومبتوراً، وهو بحاجة إلى تعضيد وترسيخ لإشاعة روح التسامح والسلام ونبذ التعصّب والتطرف والعنف تحت ذرائع طائفية أو إثنية أو غيرها، وكم نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للعدل كقيمة عليا على المستويين الفردي والجماعي مثلما يحتاج الأمر إلى ردّ الاعتبار إلى الأخلاق أيضاً، بحيث يكون الإنسان قادراً على التحكم في نزواته وغرائزه ومصالحه الذاتية، مقابل فريضة العدل التي ينبغي أن تكون المرشد والهادي والقطب الأساسي في حياة الإنسان.

وتمثّل صحيفة المدينة النواة الأولى واللبنة الأساسية لفكرة التعايش والعدل، ومن حق العرب والمسلمين أن يفخروا بها، خصوصاً التعامل مع غير المسلمين، وذلك بكونهم أفراداً في مجتمع المدينة المنوّرة المتنوع والمتعدد الأديان.

لقد استبدلت صحيفة المدينة مفهوم القبيلة والعرق والانتماءات الضيّقة، التي كانت أساس الصراع والتناحر بمفهوم «الأمة»، وهو مفهوم يقوم على التعايش والتواصل والتفاعل الإنساني مع احترام الخصوصيات والهويات الفرعية، وهكذا توحّدت روح الجماعة في إطار الانتماء إلى هوية موحدة وجامعة، أساسها المشترك الإنساني الذي يستند إلى فقه التعايش، وأذكت لأول مرة روح الوطنية والانتماء إلى مجتمع المدينة المنورة وما حولها، وشكّل ذلك الأساس لوحدة الأمة العربية التي بعثها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بحيث أصبحت في ما بعد أمة واحدة ممتدّة من المحيط إلى الخليج، يجمعها شعور موحّد بالانتماء والهوية واللغة والتاريخ، إضافة إلى رسالة الدين الجديد.

ويقول عبدالله أبو صوف في كتابه «الإسلام والمشترك الإنساني: تسامح، تعايش، احترام الآخر»: إن فصول وثيقة المدينة هي وجه من وجوه ثقافة الإسلام التي تصهر مكوّنات المجتمع على اختلاف انتماءاتها وأصولها ودياناتها، ضمن وحدة مجتمعية متكتّلة، تُغلّب الوحدة والتعايش والتواصل والمشاركة في الوجود والفعل الحضاريين، وقوامها التشريعات الدينية العملية التي تُرسي ثقافة العدالة والمساواة وفلسفة الحرية والتكافل الاجتماعي، وتضمن الحقوق للأفراد والجماعات.

* أكاديمي ومفكر وكاتب عراقي

المصدر: الخليج