الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

“سيناريو الهلاك” بين روسيا وأوروبا… أميركا تربح!

محمد حسين أبو الحسن

امدادات الغاز الروسي إلى أوروبا

صدمة في أوروبا. أشهرت روسيا في وجهها سلاح الطاقة، قطعت إمدادات الغاز عن القارة العجوز، عبر خط “نورد ستريم” إلى أجل غير مسمى. تصعيد خطير يترك تأثيرات وخيمة في الاقتصادات الأوروبية والعالمية، أتى بعد ساعات من قرار وزراء مالية الدول الصناعية السبع فرض سقف لأسعار نفط روسيا، مطلع الأسبوع الجاري، ولأنه لا بديل متاحاً للغاز الروسي والشتاء على الأبواب، تبدو الخيارات كلها سيّئة للأوروبيين، وحتى للروس. البعض وصف ما يجري بأنه “سيناريو الهلاك”، فإلى أي مدى قد يسوء الوضع؟ وكيف تنعكس الصدمة على بقية بلدان العالم؟

حافة الكارثة

تزود روسيا أوروبا بنحو 155 مليار متر من الغاز سنوياً، تمثل 40 في المئة من احتياجاتها، معظمها عبر خطوط أنابيب، وتساهم في توليد 20 في المئة من كهرباء أوروبا، إضافة إلى تدفئة المنازل وتشغيل المصانع، بل وكمادة خام في صناعات حيوية، لا سيما البتروكيماويات، كالأسمدة مثلاً، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات يسري كالنار في الهشيم في كل دول القارة. تقارب مستويات التخزين راهناً 45 في المئة، برغم أن دولاً كألمانيا وإيطاليا وصلت إلى 80 في المئة، استعداداً لفصل الشتاء القارس، ومن ثمّ يضع الإغلاق الكامل لخط “نورد ستريم- 1” دول أوروبا على حافة كارثة مكتملة الأركان، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً واستراتيجياً.

سيناريو لم يكن من الوارد تخيّله في الأحوال العادية، تتحكم فيه متغيرات عدة: طول فترة إمدادات الغاز، والبدائل المتاحة، وحجم المخزون وإمكان اللجوء إلى مصادر الطاقة التقليدية الأخرى، كالنفط والفحم أو غير التقليدية كالطاقة النووية والرياح والشمسية، وتغيرات المناخ وتشابكات السياسة وانعكاسات الحرب في أوكرانيا، وقدرة الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط على ضخ كميات مناسبة قبل الشتاء.

نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، كتب على تطبيق “تلغرام”: “ببساطة، لن يكون هناك غاز روسي في أوروبا”، وذلك عقب إعلان وزراء مالية مجموعة السبع، وضع سقف لأسعار النفط الروسي، في خطوة تهدف إلى تقليص إيرادات روسيا التي تعتمد بشكل أساسي على صادراتها من النفط والغاز، وتنتظم في سلك العقوبات الغربية القاسية عليها، في ظل الحرب الروسية – الأوكرانية، وتتضمن أيضاً عدم السماح بتوفير خدمات النقل البحري، ومن ضمنها التأمين والتمويل، إلا إذا تم شراء شحنات النفط الروسية عند مستوى السعر الذي تحدده مجموعة “السبع”.

وقد خصص الاتحاد الأوروبي أكثر من 35 مليار يورو (38.2 مليار دولار) لإمدادات الطاقة الروسية، وفقاً لمسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، وقال زميله رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، في نيسان (أبريل) الماضي، إنه “عاجلاً أم آجلاً” على الكتلة أن تفكر في حظر واردات النفط الروسي، وحتى الغاز، لكن ألمانيا تصر على أن مثل هذا الحظر ستكون له عواقب وخيمة، يقول سيغفرايد راسوورم، وهو رئيس اتحاد الأعمال للصناعة الألمانية، فـ”فرض حظر مفاجئ على استيراد الغاز سيؤدي إلى توقف قطاعات كاملة من الصناعة ويلحق أضراراً جسيمة بأكبر قوة في ألمانيا، وكذلك في النزاعات الدولية، قوتها الاقتصادية واستقرارها”.

إيقاع الأزمة

في عام 2018، خاض مسؤولو الحكومة الألمانية تجربة محاكاة سيناريو، يكون فيه نقص الغاز الطبيعي هائلاً. أُجبرت بعض المستشفيات ودور رعاية المسنين والسجون على الإغلاق؛ وأُغلقت الشركات، وتُركت الماشية لتموت؛ واختفت مئات الآلاف من الوظائف، كما فُرض التقنين على الأسر، وفق ما تفيد به الرواية الرسمية لتمرين إدارة الأزمات. اليوم تجاوزت دروس تلك المحاكاة دائرة التكهنات لتصبح واقعاً محسوساً. ومن شأنها أن تؤدي إلى ركود حاد، انخفاض الإنتاج بنسبة 2.2 في المئة العام المقبل في ألمانيا، والقضاء على 400 ألف وظيفة. يقول ستيفان كوثز من معهد كيل للاقتصاد العالمي: “ستخسر ألمانيا 220 مليار يورو (240.3 مليار دولار) من ناتجها عامي 2022 و2023، يعادل 6.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي”.

على إيقاع الأزمة الأوكرانية، اشتعلت “حرب الطاقة”؛ تسعى أوروبا لتخفيض تدريجي وصولاً إلى الاستغناء عن الغاز والنفط الروسيين في حدود عام 2027، وما كان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يغفل عن ذلك، فأخذ زمام الأزمة بيده، وقرر وقف تدفق الغاز عبر “نورد ستريم-1″؛ وعلى الفور بدأت تلوح العواقب على الجميع: ارتفاع متصاعد في أسعار الغاز والنفط والطاقة إجمالاً، بشكل يضغط على العملة الأوروبية “اليورو” المتراجعة أصلاً أمام الدولار، ونذر تأجيج التضخم وتعميق الركود، وانخفاض الأسهم الأوروبية، قياساً للأميركية. وسارعت دول أوروبية إلى فرض سياسات الترشيد الإجباري للطاقة، لكن بنك “يو بي إس”، قال إن هذا الترشيد سيلحق أضرراً كبيرة بالاقتصادات الأوروبية التي تعاني من تداعيات كورونا والأزمة الأوكرانية، وتوقع خبراء البنك انخفاض أرباح الشركات 15 في المئة، كما ستتجاوز موجة البيع السوقية 20 في المئة من أسهم الشركات المدرجة على مؤشر “ستوكس 600″، واعتبر أن هذا أقل السيناريوات سوءاً.

حلقة مفرغة

أوضح تشارلز هنري مونشاو، وهو كبير مسؤولي الاستثمار في “بنك سيز” أن أوروبا تدور في حلقة مفرغة، فأسعار الطاقة المرتفعة تضر بالاقتصاد الأوروبي. وأكدت شركة “يونيبر” الألمانية للغاز، أن أكبر اقتصاد في أوروبا لن يكون قادراً على التعامل مع أي قطع لإمدادات الغاز الروسي، وأنّ العواقب ستكون “وخيمة”، في وقت يتسارع فيه التضخم، ويتعرض الانتعاش ما بعد الوباء للتهديد. وأشارت “الاندبندنت” إلى تحليل أجراه بنك “غولدمان ساكس”، يفيد بأن قطع إمدادات الغاز بشكل كامل، يرفع تكاليف الطاقة المنزلية الأوروبية 65 في المئة، ما قد يفجر احتجاجات وتظاهرات وربما تقود إلى “ربيع أوروبي” ملوّن في الشتاء، لا سيما أن شركات الطاقة في ألمانيا والنمسا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبولندا والتشيك وسلوفاكيا وبلغاريا أبلغت عن ضعف شديد في كميات الغاز الروسي.

وجه آخر للأزمة هو تجميد أو تخفيض قدرات القطاع الصناعي في غالبية الدول الأوروبية، مثلاً جرى بالفعل تخفيض إنتاج الأمونيا واليوريا في مصانع الأسمدة إلى أقل من نصف الإنتاج، حيث يُستخدم الغاز الطبيعي مادة أولية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، ويعتمد كل محصول رئيسي في العالم على هذه الأسمدة. ومن دون تدفق مستمر، سيواجه المزارعون صعوبة أكبر في الزراعة، ما يهدد البشرية بأزمات في الغذاء بعد الطاقة، ويخرج بالأزمة من أوروبا إلى العالم بأسره.

باستثناء النروج وبريطانيا اللتين تتوافر لهما مصادر ذاتية للغاز، فإن معظم الدول الأوروبية تتعرض لأضرار فادحة؛ جراء توقف الإمدادات الروسية؛ ما جعل مستشار النمسا كارل نيهامر يصرخ: “يجب أن نوقف هذا الجنون في أسواق الطاقة، لن نسمح للرئيس الروسي بتحديد أسعار الطاقة الأوروبية، لن نترك الاتحاد الأوروبي تحت رحمة موسكو”. ليس سهلاً “الفطام” على الجميع، في نيسان (أبريل) الماضي، قال المستشار الألماني أولاف شولتس للبرلمان إن اعتماد البلاد في مجال الطاقة على روسيا “نما على مدى عقود ولا يمكن أن ينتهي في يوم وآخر”، في حين يبدو بوتين عازماً على شطب تجارة الغاز مع أوروبا من قاموسه، بخاصة ألمانيا قلب أوروبا الاقتصادي والسياسي، لإجبارها على خيارات مؤلمة أو تغيير نهجها تجاه روسيا في الأزمة الأوكرانية، محولاً سلاح “العقوبات” الذي استُخدم ضد نظامه، لمصلحته، لكنه من المؤكد أن يخسر، على المدى البعيد، مداخيل وأسواقاً واستثمارات هائلة في خطوط الغاز بين روسيا وأوروبا.

تظهر أوروبا مرتبكة وقليلة الحيلة، وذهبت إلى الأزمة برجليها، وكل ما تفعله حالياً هو البحث عن مصادر أخرى للغاز. ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من الغاز المسال إليها، هذا يعني أن أوروبا لا تبحث عن حل جذري للأزمة. بل التحول عن الغاز الروسي إلى الأميركي. وإذا كان هناك ربط بين الغاز والسياسة، فإنه يصعب افتراض وجود علاقة بين الغاز الروسي والسياسة، وعدم وجود هذه العلاقة بين الغاز الأميركي والسياسة.

المصدر: النهار العربي