الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في الشمال السوري

ندرة المصحّات النفسية، وارتفاع حاد في أعداد المرضى النفسيين!

فيصل عكلة

على كرسي بلاستيكي يجلس أبو أحمد في ردهة مشفى الأمراض النفسية بين مجموعة من المرضى ومن مختلف الأعمار. دخل أبو أحمد مكتب التسجيل وناول موظفة الإستقبال بطاقته الخاصة بمراجعات المشفى لتكتب عليها موعد ورقم العيادة وعاد يمسح عرقه المتصبب على جبينه.

صحيفة إشراق زارت المشفى المذكور والذي افتتح أبوابه قبل أشهر قليلة،  وجالت بين المرضى والتقت من بينهم أبا أحمد وهو رجل خمسيني، وسألته عن سبب وجوده في المشفى فأجاب: والله يا استاذ أينما توجهتُ أشعر بالضيق وخاصة في الأماكن المغلقة، أتمنى دائما المشي في الشوارع وبين الأشجار، ويزداد ضيقي في ساعات الليل حيث يجافيني النوم وأضطر لأخذ الحبوب المنومة.

وأضاف أبو أحمد أن هذه الحالة بدأت معه بعد فترة من النزوح وبعد أن فقد أرضه وبيته واستشهد عددًا من أفراد عائلته بقصف طيران الروسي وقذائف الأسد وأن حالته تفاقمت في الشهرين الأخيرين الأمر الذي دعاه لمراجعة مشفى الأمراض النفسية  في مدينة سرمدا وأنه وجد اهتمامًا من كادر المشفى وحصل على علاج ووضعه في تحسن ولله الحمد وأنهم طلبوا منه مراجعتهم وبشكل دوري حتى يتماثل للشفاء الكامل.

أما الشاب محمود فقد برّر تأخره عن موعد المراجعة بعد أن لاحظت الممرضة تأخره لمدة اسبوعين بأنه كان مسافرًا إلى إعزاز وأنه لن يتأخر بعد الآن بعد أن أوضحت له الممرضة أن التأخير عن مواعيد المراجعة قد يضر المريض ويحتاج إلى مزيد من الوقت للشفاء.

مخاوف أمنية واقتصادية واجتماعية صعبة يعيشها ملايين المهجرين قسريًا إلى الشمال، الأمر الذي انعكس على المزاج العام وأصبح الكثير منهم يعاني أمراضًا نفسية وعصبية مختلفة من توتر واكتئاب وآلام في الرأس والأطراف عجزت المسكنات الطبية عن تهدئتها.

الأمر الذي أرغمهم على استخدام الأدوية النفسية شديدة التأثير وقد تصل بهم الحالة إلى استخدام الأدوية المخدرة والتي تستخدم في العمليات الجراحية!

 الطبيب محمد العلي، (طبيب مختص في الأمراض النفسية ويعمل في وحدة الصحة النفسية في سرمدا)، أجاب عن سؤالنا عن دواعي تخوف المرضى النفسيين من الذهاب إلى الطبيب النفسي، وهل ذلك يعتبر عيباً أو فيه حرج أمام الأهل والجيران، وهل يمكن للمريض إعادة صرف الدواء النفسي من تلقاء نفسه دون العودة للطبيب، وهل من نصائح للتخفيف من الإصابات بالمرض وكيف يعرف المريض أنّ مرضه نفسي، وهل من علاقة بين الأمراض النفسية والعضوية؟

وكان ردّ الطبيب: (نعم، هناك تخوف وهواجس لدى مرضى الاضطراب النفسي من مراجعة العيادات النفسية خوفًا من الوصمة أو ما يعتبر عيبًا حسب ثقافة المجتمع المحيط وخاصة في وسط النساء، وبدورنا نحاول تثقيف المريض ومن حوله والمجتمع على أن المرض النفسي هو مرض يحتاج العلاج وليس ضعفًا في شخص المريض أو تقليل من إمكانياته، وهو أمر خارج عن إرادته كما نحاول أن نوصل الفكرة لمن معه بأن هذا الإضطراب النفسي شائع بين الناس ويمكن الشفاء منه وبذلك يتقبل المريض مراجعة العيادة بشكل منتظم، كما أنه لا يمكن صرف الدواء من قبل المريض أو الصيدلاني دون مراجعة الطبيب لأن صرف الدواء يتبع تطورات الحالة فقد يتم زيادة الجرعة أو تبديل الدواء ولا يصرف الدواء إلا بوصفة موقعة وممهورة من قبل الطبيب المختص ولا ننصح المريض بأخذ أي دواء حتى لو صرفه له الصيدلاني لأن المتابعة المنتظمة عند الطبيب ضرورية جدًا للشفاء من الإضطراب النفسي، والعلاقة بين المرض العضوي والمرض النفسي قائمة ويمكن للآلام العضوية وخاصة عند ذوي الأمراض المزمنة أن تصيب المريض بحالة من اليأس والإحباط وعدم الرغبة بمواصلة الحياة وتمني الموت نتيجة الآلام المبرحة التي يعانيها)!

وعن النصائح التي يرغب بتوجيهها للمرضى؟

ننصح المريض بمتابعة الأنشطة الإجتماعية المعتادة ومشاركة الوسط المحيط في الأفراح والأحزان وزيارة الأقارب والجيران وتنظيم النوم وأخذ قسطٍ وافٍ منه وممارسة الرياضة بشكل يومي وتناول وجبات الطعام بشكل منتظم والابتعاد عن المشاكل والتخفيف من الضغوطات النفسية التي يتعرض لها المريض من الوسط المحيط والابتعاد عن كل ما يزعجه أو يسبب له ضغط، والأهم زيارة العيادة النفسية ومتابعة الطبيب ليوضح له أن هذا المرض شائع وقابل للشفاء وليس نتيجة ضعف من المريض. وعن توفر مراكز العلاج النفسي في المحرر أجاب الدكتور محمد:

هناك فجوة كبيرة بين ما هو مطلوب وما هو موجود ومتوفر، لأن عدد المراجعين كبير جدًا وعدد الأطباء قليل جدًا، ولا يوجد في المحرر سوى طبيبين مختصين في الطب النفسي، ويوجد مركز علاج (النفس المطمئنة) في مدينة الدانا، ومشفى (سرور) في سرمدا الذي يعمل كعيادة خارجية، ومركز في خربة الجوز، وعيادة في إدلب، ومشفى في إعزاز، وآخر في الباب، ولا يوجد عيادات خاصة بسبب قلة الاختصاصيين أو الأطباء المقيمين النفسيين!

لم تصدر احصائيات رسمية عن أعداد المرضى النفسيين في المحرر ولكن من المؤكد أن هناك نسبة كبيرة منهم تحبس أوجاعها وآلامها خلف الدموع لتتحول إلى أمراض عضوية قد تودي بهم مرغمين إلى المشافي إثر جلطات دماغية أو احتشاء لعضلة القلب.

 

المصدر: إشراق