الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

رثاء الصحافة اللبنانية .. خمسون عامًا من التألق وعشرون من اليباس

صقر أبو فخر *

شهدت بيروت في تاريخها الحديث مرحلتين من الازدهار العمراني والثقافي. بدأت الأولى بعد المذابح الطائفية التي اندلعت في عام 1860 في جبل لبنان بين الدروز والموارنة، وفي بعض المناطق السورية بين أنصار الدولة العثمانية السُنّة والمسيحيين. أما المرحلة الثانية فجاءت بعد النكبة الفلسطينية في 1948، وكان عمر كل مرحلة قصيرًا جدًا. ففي عام 1835، قبيل المجازر الطائفية، كانت بيروت لا تزال مدينة صغيرة ذات أسوار متداعية، وبوابات متهالكة مهدّمة، وأسواق قذرة، ولم تكن تُعدّ من بين المدن المعتبرة على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. ولولا ميناؤها الصغير، ضحل المياه، لما ذُكرت في المصادر التاريخية، فيما كانت صيدا ويافا والإسكندريون أهم منها بكثير. وفي أي حال، شرعت البدايات الأولى لازدهار بيروت في التحفز غداة احتلال ابراهيم باشا بلاد الشام في سنة 1831 فصاعدًا. ثم انطلقت عناصر الازدهار بقوة بعد مجازر عام 1860 حين هبط مسيحيو الشام إلى بيروت، ونزل إليها في الفترة نفسها موارنة جبل لبنان، وتجّار من دمشق وحلب وحمص. وفي تلك الأثناء، راحت الإرساليات التبشيرية الغربية تتنافس على رعاية هؤلاء النازحين في أماكن سكناهم الجديدة في بيروت والجوار، وعملت على افتتاح المدارس لهم. ومن أبرز المؤسسات التعليمية التي ظهرت آنذاك الكلية الإنجيلية السورية (1866) وجامعة القدّيس يوسف (1875). ويروي المؤرخ نبيه أمين فارس أن أحد سكان بيروت شاهد القس “كرنيلوس فاندايك” مؤسّس كلية الطب التابعة للكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأميركية في ما بعد)، وهو يركب بغلته قاصدًا السفر، فسأله: إلى أين أنت ذاهب يا حضرة المبشّر؟ فأجابه فاندايك: أنا ذاهب إلى صيدا لافتتاح أربع مدارس. فتعجب المواطن وقال له: صيدا قرية صغيرة، فهل تحتاج أربع مدارس مرّة واحدة؟ فرد فاندايك: الحقيقة إنني ذاهب إليها لافتتاح مدرستين فقط: الأولى للبنين والثانية للبنات. لكن اليسوعيين (الجزويت) سيقتفون أثري ويؤسّسون مدرستين لمنافستنا. وهكذا تكون صيدا قد نالت أربع مدارس (راجع: نبيه أمين فارس، أميركا والنهضة العربية الحديثة، مجلة “الأبحاث”، بيروت: الجامعة الأميركية، أيلول 1958).

قام ازدهار مدينة بيروت على الدعائم الأربعة التالية: التعليم (مدارس الإرساليات والمدارس العثمانية ثم المدارس الأهلية التي ظهرت في حمّى التنافس مع الكنائس ومدارسها)، والصحافة، والمطابع (لتلبية طباعة الصحف  والكتب التعليمية والمجلات)، والتجارة (ميناء المدينة الذي توسع في عام 1892 ومعه خط سكة حديد بيروت – دمشق الذي شُقّ في عام 1895)، علاوة على الحِرَف، ولا سيما الحرفيون الشوام الذين تقاطروا على أسواق المدينة من دمشق وحلب والداخل السوري. وفي بدايات تلك الحقبة، وبالتحديد في سنة 1858، أصدر خليل الخوري صحيفة “حديقة الأخبار”، فكانت أول صحيفة تصدُر خارج اسطنبول عاصمة السلطنة العثمانية، ثم تلاه بطرس البستاني الذي أصدر في سنة 1860 مجلة “نفير سورية”. ولم تطل كثيراً فترة الازدهار هذه بعواملها الخارجية أساساً، فانتهت في سنة 1912 عندما قصف الأسطول الإيطالي مدينة بيروت في معمعان الحرب العثمانية – الإيطالية. وفي 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى التي كانت المجاعة في جبل لبنان المجاور لبيروت، واحدة من عقابيلها الكثيرة. ثم جاء الاحتلال الفرنسي لسورية ولبنان ليُنهي حقبة الازدهار قصيرة العمر (50 سنة)، وعادت بيروت مدينة محدودة الشأن وأقلّ ازدهارًا بكثير من يافا وحيفا ودمشق وحلب. وبقيت الحال على هذا المنوال إلى أن بدأت بعض عناصر الازدهار تتململ إبّان الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد بعد 1941 حين دخل الجيش البريطاني ومعه قوات فرنسا الحرّة وكتائب أسترالية إلى لبنان لإنهاء وجود أنصار  الجنرال هنري بيتان وحكومة فيشي. وعناصر الازدهار تلك تحرّكت، في البداية، لتلبّي حاجات قوات الحلفاء بالدرجة الأولى، ثم توسّعت قليلاً لتلبّي حاجات السكان خارج بيروت بعدما صارت بيروت عاصمة لدولة جديدة ضمّت جبل لبنان وطرابلس وعكار وسهل البقاع وقضاء حاصبيا  ومرجعيون وباقي جنوب لبنان، وهي مناطق كانت تعتبر نفسها، حتى أمد قريب، مناطق سورية لا لبنانية.

المرحلة الثانية من ازدهار مدينة بيروت هي الأكثر أهمية، مع أن عمرها كان قصيرًا أيضًا، أي نحو 25 عامًا (بين 1950 و1975)، ويمكن مدّها إلى عام 1982 فيصبح المدى  الزمني 32 سنة فقط. وعلى غرار المرحلة الأولى، كان للعوامل الخارجية الشأن الحاسم في ازدهار المدينة، فغداة النكبة الفلسطينية في 1948 تقاطر على لبنان 110 آلاف فلسطيني حملوا معهم نحو 150 مليون جنيه استرليني، أي ما يعادل اليوم قرابة عشرة مليارات دولار (أنظر: يوسف بيدس، صحيفة “النهار”، نقلاً عن مقابلة معه في مجلة “لايف الأميركية”، 27/1/1967). وكان لإقفال مطار اللد وميناءي يافا وحيفا أثر مباشر في البدء ببناء مطار بيروت الدولي وتوسيع ميناء بيروت لتلبية تجارة الترانزيت المتزايدة مع الداخل العربي. وكان لليد العاملة الفلسطينية المدرّبة دور في ازدهار القطاع الزراعي، ولا سيما في السهول الساحلية (صيدا وصور)، علاوة على القطاع الصناعي في ضواحي بيروت، مثل الدكوانة والمكلّس والحدث. وأطلقت النكبة الفلسطينية الفورة الأولى في الازدهار اللبناني، ثم تلتها الأموال السورية التي تدفقت على لبنان طوال عقد الخمسينيات، جرّاء اضطراب الأحوال السياسية والانقلابات العسكرية التي عصفت بسورية آنذاك. وفي ما بعد، انهالت أموال النفط العربية على المصارف اللبنانية لتجعل من بيروت في ستينيات القرن المنصرم بيئةً مجزيةً للاستثمار بوجوهه المختلفة، وواحة للتنعّم بالمناخ المعتدل  وبأماكن اللهو العابثة، فضلاً عما تمتّع به لبنان من ضروب الحريات المتعدّدة التي غمرت الجميع بلا ضوابط. ولهذا لم يكن غريبًا أن تشهد بيروت ازدهاراً موازياً في الصحافة والثقافة والفنون، وهي شؤون كان للفلسطينيين والسوريين، إلى جانب اللبنانيين، الدور الرئيس في إعلاء مكانة المدينة العاصمة. وفي هذا الميدان، ظهرت في بيروت مجلة “شعر” (أسّسها خمسة من السوريين المهاجرين إلى لبنان: يوسف الخال وأدونيس ونذير العظمة وفؤاد رفقة ومحمد الماغوط)، ثم صدرت مجلة “حوار” (أسسها الشاعر الفلسطيني، السوري الأصل، توفيق صايغ)، ومجلة “الآداب” (اللبناني سهيل ادريس)،  و”الطريق” (الحزب الشيوعي اللبناني)، ومجلة “دراسات عربية” (اللبناني بشير الداعوق – بعثي)، ومجلة “قضايا عربية” (الفلسطيني عبد الوهاب الكيالي  – بعثي). وكان من المحال العثور على مجلة تعالج الأمور الجنسية إلا في بيروت، حيث أصدر الطبيب والأديب السوري صبري القباني مجلة “طبيبك” ذائعة الصيت.

بعد هزيمة الخامس من حزيران / يونيو 1967، بدأ في بيروت تحطيم الأيقونات السياسية المقدّسة، كالبعث والناصرية والشيوعية السوفياتية، وبدأ، في السياق نفسه، نقد الدين بجرأة نادرة قلما نعثر عليها اليوم. وقرأ العرب، من منشورات بيروت، كتبًا جريئة عن الدين والجنس مثل “نقد الفكر الديني” (صادق جلال العظم)، و “المسيح في مفهوم معاصر” (عصام الدين حفني ناصف)، و “أين الخطأ؟” (عبد الله العلايلي)، و”من نقد السماء إلى نقد الأرض” (العفيف الأخضر)، و”الثالوث المحرم” (بو علي ياسين واسمه الأصلي ياسين حسن من سورية)، و”الثابت والمتحول” (أدونيس)، و”المرأة والجنس” (نوال السعداوي)، و”أيها العار إن المجد لك” (عبد الله القصيمي). وكانت بيروت تزهو بمسرحيات محمد الماغوط وسعد الله ونوس، وتتلألأ بأفلام فيلّيني (دولتشي فيتا وأماركورد) وبازوليني (ماما روز)، وبرتولوتشي (آخر تانغو في باريس)، وأفلام السوريالي لويس بونويل (سحر البرجوازية الخفي وشبح الحرية)، وأفلام كوستا غافراس (حالة حصار وحنا ك)، وإيتوري سكولا (بشعون قذرون أشرار)، وفيلم “زوربا اليوناني” لميكاييل كاكويانيس، و”الموت في البندقية” لفيسكونتي. وسُحِرنا بفيلم Hair لميلوش فورمان صاحب “طيران فوق عش الكوكو” و”أماديوس”، وكان في إمكاننا أن نشاهد في الشارع نفسه فيلم “الدارعة بوتومكين” (سيرغي أيزنشتاين) وفيلم ” ظلال الأجداد المنسيين” (أو “جياد النار”) للمخرج الأرمني الأصل سيرغي باراغانوف أو سركيس باراغانيان، وكذلك أفلام الروسي أندريه تاركوفسكي (“أندريه روبليف” و”سولاريس”)، وهو ما كان ممكنًا في العالم العربي إلا في بيروت.

تجاوبت بيروت بلذّة ودهشة مع ثورة الطلاب في فرنسا في عام 1968 (ربيع باريس)، وكانت أصداء تلك الثورة تتردّد في جامعاتها والشوراع المحيطة بها، ونُقش على حوائط الجامعات اللبنانية الهادرة شعار كوهين بنديت: “كونوا واقعيين .. أطلبوا المستحيل”. وكان المثال الجاذب للشبان اللبنانيين والفلسطينيين والعرب جيفارا وكاسترو والجنرال جياب وهوشي منه، وصارت روزا لوكسمبورغ هي المثال النسوي لا جان دارك، وقرّة العين الفارسية لا الست زينب، والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم لا عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش. وقد عكست الصحافة اللبنانية تلك التحوّلات كلها، وكان الشبان والكهول في بيروت منهمكين في قراءة صحيفة “النهار”، ولا سيما ملحقها الأدبي (أنسي الحاج) وعمود ميشال أبو جودة، ونجوم الناقد سمير نصري التي كان يمنحها للأفلام السينمائية التي كانت تتبدّل في مطلع كل أسبوع، علاوة على ملفات رياض نجيب الريس المثيرة. واشتُهر رسّامو الكاريكاتير أيّما شهرة، فكان ل “النهار” رسامها (بيار صادق)، ول “الصياد” رسامها (خليل الأشقر) ول “الدبور” (ديران) ول “الأنوار” (جان مشعلاني وديكران) ول “السفير” (ناجي العلي). وبسبب ناجي العلي، كان معظم الناس يبدأون بقراءة “السفير” من “القفا”، حيث يستقر كاريكاتيره على الصفحة الأخيرة. وكان هامش المدينة في سبعينيات القرن المنصرم يتّسع لظاهراتٍ ثقافية خوارجية وهذيانية أحيانًا، مثل عادل فاخوري وقصائده البصرية والإلكترونية العجيبة المنظومة على إيقاعات موسيقى شتوغها وزن، ومثل الشعراء عبد الأمير عبد الله وفيكتور عبد الساتر وصفوان حيدر والرسام نديم جوري (من لبنان) وهاني الزعبي ومحمد كبّة (من فلسطين) وآدم حاتم وغيلان وحيدر صالح (من العراق)، تمامًا مثلما اتسع متنُها في الستينيات  للشاعر محمد كامل شعيب العاملي الذي نظم 179 بيتًا في مديح الباذنجان، وللأفّاك العراقي يونس بحري، وللمتشرد باختياره الشاعر أحمد الصافي النجفي.

حرية للصحافة بلا صحافة حرّة:

غمرت بيروت في ذروة ازدهارها العمراني والثقافي حرّياتٌ واسعةٌ جدًا، منها بالتأكيد حرية الرأي والتعبير. لكن بيروت في ذروة ازدهارها قلما عرفت الصحافة الحرّة المستقلة، فقد كان ل “البعث” صحافته (الأحرار وبيروت والراية والصحافة)، وللشيوعيين صحفهم (النداء والأخبار)، وللقوميين العرب صحيفتهم (الحرية)، وللناصريين معظم الصحف (الأنوار والصياد والشعب والمحرّر والحوادث قبل أن ينقلب رئيس تحريرها سليم اللوزي على الناصرية ويصبح مواليًا للسعودية)، وللسوريين القوميين صحفهم (البناء وصباح الخير وصدى لبنان)، ولحزب الكتائب (العمل) وللحزب التقدمي الاشتراكي (الأنباء)، علاوة على عشرات المجلات مثل الأسبوع العربي والدستور والحوادث والبلاغ والجمهور وغيرها. وكانت جميع الدول العربية تقريبًا تتشكّى من الصحافة اللبنانية؛ فسورية تتشكّى من الصحف الموالية للعراق، والعراق يتشكّى من الصحف الموالية للسعودية  أو الموالية لسورية، ومصر تشكو من الصحف المؤيدة للسعودية حينًا، ومن الصحف المناصرة للعراق حينًا آخر، والمغرب يستاء من الصحف أو المجلات المؤيدة للجزائر، وتونس تتشكى من الصحف الموالية لليبيا (“السفير” في بداياتها و”بيروت المساء” أيضًا ثم مجلة الكفاح العربي). ومن طرائف تلك الحقبة أن وفدًا من نقابة الصحافة اللبنانية برئاسة النقيب رياض طه جاء إلى القصر الجمهوري في سنة 1964 لتهنئة الرئيس شارل الحلو بانتخابه رئيسًا للجمهورية، فاستقبلهم الرئيس حلو بعبارة: “أهلاً وسهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان”. ومع ذلك، كانت الصحافة اللبنانية مختلفة عن وصيفاتها العربيات، لامتلاكها حرّيات واسعة لم تنعم بها الصحف العربية الأخرى، ولا سيما في سورية ومصر.

كانت الصحافة اللبنانية دائمًا مرآة النظام السياسي اللبناني وعينه الكاشفة، أي حرّيات واسعة بلا ديمقراطية، فالنظام السياسي اللبناني كان رئاسيًا على الرغم من الزعم “الدستوري” بأنه برلماني ديمقراطي. نظام برلماني؟ نعم،  وفيه حرّيات كثيرة؟ هذا صحيح. أما أن يكون نظاماً ديمقراطيًا فهذا غير صحيح ألبتّة، لأن الديمقراطية تعني، في مبتدئها وخبرها، المساواة. والمساواة بين المواطنين في لبنان لم تكن متوفرة قط، لا قبل اتفاق الطائف في سنة 1989 ولا بعده، فالمواطن الماروني، على سبيل المثال، لا يمكنه أن يتولّى رئاسة الحكومة المكرّسة للسُنّة، أو رئاسة مجلس النواب المرصودة للشيعة. وعلى غرار ذلك المواطن السُنّي الذي لا يستطيع أن يتبوأ منصب رئاسة الجمهورية المكرّس للموارنة، أو أن يكون قائداً للجيش. وعلى منواله، لا يستطيع المواطن الشيعي أن يترقّى في مراتب الجيش إلى رئاسة الأركان المحجوزة للدروز… وهكذا. وقبل أكثر من أربعين سنة، قال المفكر السوري ياسين الحافظ: “الحديث عن ديمقراطية لبنانية ينطوي على تلفيق، والديمقراطية اللبنانية ديمقراطية مخصية، والطائفية هي الخاصي” (في المسألة القومية الديمقراطية، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1981). وللمفارقة، وما هي بمفارقة، سمحت “الديمقراطية اللبنانية” في عام 1957 في عهد كميل شمعون بتزوير الانتخابات النيابية بصورة مكشوفة، وأسقطت زعامات كبرى من عيار كمال جنبلاط وصائب سلام وعبد الله اليافي وأحمد الأسعد. وأتاحت الديمقراطية اللبنانية المخصيّة فرض الرقابة أحيانًا على الثقافة والفكر والفن والكتب والمسرحيات، فحوكمت الأديبة ليلى بعلبكي بعد صدور مجموعتها القصصية “سفينة حنان إلى القمر” (1963)، وشنّت صحيفة الشعب حملة ضدها واتهمتها بـِ “القذارة” (الصحافة هنا ضد حرية التعبير). ومنعت السلطات الأمنية في 18/4/1969 مسرحية “مجدلون” (تأليف هنري حاماتي، وتمثيل نضال الأشقر، وإخراج روجيه عساف) لأنها تعرّضت للجيش اللبناني لتقاعسه عن التصدّي للكوماندوس الإسرائيلي الذي أغار على مطار بيروت في 28/12/1968 ودمّر 13 طائرة مدنية على أرض المطار. و”الديمقراطية” إياها حاكمت المفكر السوري صادق جلال العظم بعد صدور كتابه “نقد الفكر الديني” في 1969 لاحتواء الكتاب على فصل بعنوان “مأساة إبليس”.

ومن مفارقات تلك الفترة أن العظم فرّ من بيروت إلى دمشق غداة الدعوى القضائية التي رُفعت ضده، وكانت العادة أن يفرّ الكُتّاب والسياسيون من دمشق إلى بيروت كلما وقعت اضطرابات سياسية أو انقلابات عسكرية. وعلى المنوال نفسه، طردت السلطات اللبنانية المفكر السعودي عبد الله القصيمي، وأرغمته على اللجوء إلى القاهرة نزولاً على خاطر السلطات السعودية، ومنعت توزيع كتاب العلامة عبد الله العلايلي “أين الخطأ؟”. وقد نالت كتب المفكر الليبي الصادق النيهوم في ما بعد، وكتاب “الشخصية المحمدية” لمعروف الرصافي”، و”تاريخ القرآن” للمستشرق الألماني تيودور نولدكه، المصير نفسه. ثم استجابت السلطات الرقابية في سنة 1999 لدار الفتوى الاسلامية في مطالبتها بمنع إذاعة أغنية “أنا يوسف يا أبي” لمارسيل خليفة (كلمات محمود درويش)، كما منعت عرض فيلم “المهاجر” ليوسف شاهين، وفيلم “متحضّرات” لرندة الشهال، الأمر الذي برهن مجدّدًا أن الرقابة في لبنان إنما هي تحالف بين رجال الأمن ورجال الدين. وحين منعت السلطات اللبنانية تصدير مجلة “الناقد” اختار لها صاحبها رياض الريس أن تموت واقفةً بدلاً من التسوّل.

ومع ذلك، كانت لبعض الصحف اللبنانية وقفاتٌ شجاعة جدًا، ولصحافيين كثيرين مواقف تاريخية مشرّفة. وحريٌّ بنا أن نتذكّر ميشال زكّور الذي واجه بشجاعة ليون دوكايلا، الحاكم الفرنسي للبنان. وكان دوكايلا ذاك قد أصدر قانوناً للصحافة قضى باعتبار كل من هو قادر على كتابة اسمه متعلمًا ويحقّ له إصدار مطبوعة. وكان القانون العثماني يشترط على كل من يريد إصدار مطبوعة أن يكون قد أنهى سبع سنوات دراسية. المهم أن الصحافيين عارضوا القانون الفرنسي بقوة، وبادروا إلى الاحتجاج عليه، وطالبوا بتعديله، فغضب دوكايلا، ورفض تعديل القانون، وأطلق جملته التي اشتُهرت آنذاك، “الكلاب تنبح والقافلة تسير”. حينذاك، نشر ميشال زكور في صحيفته “المعرض” كاريكاتورًا وتحته عبارة “اربط كلبك كيلا ينبح”. وكتب كمال جنبلاط مقالة في مجلة الأنباء (1952) عنوانها “جاء بهم الأجنبي فليذهب بهم الشعب”، تعرّض فيها لرئيس الجمهورية بشارة الخوري ولرجال الحكم الفاسدين، وفي مَقدَمهم شقيقه الفاسد الذي اشتهر بلقب “السلطان إبراهيم”، فأُحيلت الصحيفة على المحكمة. فما كان من ثماني صحف لبنانية أخرى إلا أن أعادت نشر مقالة كمال جنبلاط كطريقة شُجاعة في تحدّي السلطة، وفي التضامن مع “الأنباء”. ثم صدر الحكم فقضى بتعطيل المجلة ثمانية أشهر، وسجن المدير المسؤول 14 شهرًا. ولعل من المفيد عدم إغفال أن الصحافة اللبنانية دافعت عن ليلى بعلبكي وصادق جلال العظم وعبد الله القصيمي ومارسيل خليفة. وحين منعت السلطات اللبنانية في عهد رئيس الوزراء رفيق الحريري صحيفة السفير من الصدور في 12/5/1993، ناصرتها الصحف الأخرى، وصدرت “السفير” في 13/5/1993 رغمًا عن السلطات باسم “بيروت المساء”، وظهرت كلمة “السفير” وشعارها على رأس الصفحة الأولى تحت عبارة “بيروت المساء” وبحرف أكبر.

ومرّ في تاريخ الصحافة اللبنانية صحافيون شجعان دفعوا حياتهم اغتيالاً في ميدان حرية الرأي وحرية التعبير، أمثال نسيب المتني (التلغراف – 1958)، كامل مروّة (الحياة – 1966)، سليم اللوزي (الحوادث – 1980)، رياض طه (الأحد – 1980)، سمير عاصم الشيخ (الفهرست- 1985)، حسن فخر (1985)، سهيل الطويلة (النداء – 1986)، حسين مروّة (الطريق – 1987)، حسن حمدان الذي اشتُهر باسم مهدي عامل أو هلال بن زيتون (1987)، سمير قصير (النهار – 2005)، جبران تويني (النهار- 2005). آنذاك برهنت الصحافة اللبنانية ومعها الصحافيون اللبنانيون أنهم صوت المحكومين لا صوت الحكام.

تمويل الصحف:

شهدت ثلاثينيات القرن المنصرم في لبنان ظهور تياريْن سياسيين متنافسين، تسيّدا الحياة السياسية اللبنانية: الكتلة الدستورية بزعامة بشارة الخوري المدعوم من الجنرال البريطاني إدوارد سبيرز، والكتلة الوطنية بزعامة إميل إدة النصير السافر للانتداب الفرنسي. واستطرادًا، أُعيد إصدار صحيفة “لوجور” في 1933 التي كان يموّلها بنك فرعون وشيحا، لغاية وحيدة هي تأييد بشارة الخوري وسياسته، فيما ظهرت صحيفة لوريان في سنة 1935 لمواجهة “لوجور” ومناصرة إميل إدّة. ومنذ ذلك الحين، كرّت سبحة الصحف المتنافسة التي تموّلها مصارف أو جهات استخبارية أو مالية خارجية أو سفارات . وعلى سبيل المثال، كان مارون عرب (المسؤول عن محطة الاستخبارات في السفارة البريطانية في بيروت) يدعم روبير أبيلا صاحب صحيفة الزمان، والذي صار في ما بعد نقيبًا للصحافة اللبنانية، فيما كان رئيس محطة الاستخبارات المركزية الأميركية في بيروت، غصن الزغبي، يمدّ “صداقته” لصحافيين كثيرين، أبرزهم الفلسطيني خليل أبو الريش (أبو سعيد). والمعروف أن تمويل الصحف في لبنان غداة الاستقلال في 1943 كان مقصورًا في البداية على بطرس خوري (جناح رياض الصلح) وعلى هنري فرعون (جناح بشارة الخوري)، ثم تسلّل إلى هذا الميدان إميل البستاني. وكان سماسرة شراء الصحافيين العرب لمصلحة دول الخليج هم أكرم عجّة ووفيق سعيد ورجا وديع صيداوي، وكلهم سوريون، علاوة على عدنان خاشقجي وكمال أدهم، وهما سعوديان من أصول سورية – تركية (راجع: ناصر الدين النشاشيبي، حضرات الزملاء المحترمين، القدس: دار أخبار البلد، 1995، ص11). وغداة إعلان الرئيس العراقي، عبد الكريم قاسم، في سنة 1961 أن الكويت جزء من العراق فُتحت صنابير المال على صحيفة النهار وغيرها لتأييد الموقف العراقي. وفي الوقت نفسه، أوفد الشيخ جابر الأحمد الصباح مستشاره قدري قلعجي (كان سابقًا عضواً في الحزب الشيوعي السوري) إلى بيروت لتجنيد بعض الصحافيين، وتمكّن من الاتفاق مع كامل مروّة (الحياة) وسليم اللوزي (الحوادث)، ودفع للأول 30 ألف دينار كويتي، وللثاني 30 ألف دولار، الأمر الذي أثار احتجاج الثاني (إبراهيم سلامة، غدًا سندخل المدينة، بيروت: شركة أوروبا والشرق الأوسط للطباعة، 2008، ص52 و53). ولعل من المفيد هنا أن نذكر أن كامل مروّة كان يتلقى الأموال من فاضل الجمالي وصالح جبر للدفاع عن حلف بغداد، وكان شعار صحيفته “الحياة”: إن الحياة عقيدة وجهاد. وعندما اشتراها الأمير خالد بن سلطان، عَهِد برئاسة تحريرها إلى جهاد الخازن (فلسطيني من الجليل).

في السياق نفسه، كان الثري علي عرب يموّل صحيفة “المحرّر”، ودعم الأمير طلال بن عبد العزيز سعيد فريحة حين أصدر مجلة “الصياد”، وتلقى سعيد فريحة، فضلاً عن ذلك، المعونات من الثري نجيب صالحة وبنك سورية ولبنان، ثم من إميل البستاني. وموّل الشيخ عبد الله المبارك صحيفة “اليوم” لعفيف الطيبي. وفي أي حال، لم يكن تمويل الصحف اللبنانية مستدامًا، بل كان يخضع للتحولات السياسية ولتغير المواقف وللسياسات الإعلامية العربية المتبدلة. وباختصار، كانت “المحرّر” و”الدستور” و”بيروت” والوطن العربي تقبض من العراق، فيما “الحرية” و”الأنوار” و”الشعب” و”الصياد” و”الحوادث” (قبل أن يتحوّل سليم اللوزي إلى السعودية) تقبض من مصر. وتلقى غسّان شرارة الدعم من الجزائر حين أصدر مجلة “البلاغ”. وتلقت “السفير” (طلال سلمان) وبيروت المساء (أمين الأعور) والكفاح العربي (وليد الحسيني) الدعم من ليبيا.

ومن نافل الكلام التذكير بأن أمين الأعور كان شيوعيًا، ومن أبرز كُتّاب صحيفة “النداء”، ثم تحوّل إلى الناصرية وراح يكتب في “المحرّر”،  ثم إلى العقيد معمر القذافي الذي منحه أموالاً أسّس بها مجلة “بيروت المساء” التي اشتراها من السوري عبد الله المشنوق قبل أن يهيل أمين الأعور التراب على تجربته الصحافية ويبيع مجلته من زعيم منظمة العمل الشيوعي، مُحسن إبراهيم، وينصرف إلى الزراعة. وجديرٌ بالذكر هنا مجلتا “الجديد” (توفيق المقدسي) التي موّلتها السعودية، و”المستقبل” (نبيل خوري) التي تولى الفلسطيني فيصل الخضراء تمويلها قبل أن يبيعها نبيل خوري من رفيق الحريري. وكان الثري السوري الأصل جورج أبو عضل أصدر في 1959 مجلة “الأسبوع العربي” التي صارت إحدى أهم المجلات الأسبوعية العربية بفضل رئيس تحريرها ياسر هوّاري. وقدم المتموّل السوري رفيق رضا سعيد، من خلال ابنته، الدعم المالي لمجلة “النُقّاد” التي أصدرها الصحافي السوري اللامع رياض نجيب الريس في بيروت في سنة 2000.

قصارى الكلام في هذا الميدان أن تمويل الصحف في لبنان كان يأتي، في البداية، من رجال الأعمال ومن سفارات الدول العربية بالدرجة الأولى. لكن، بعد صعود زعامة الرئيس جمال عبد الناصر، صار الملحق الإعلامي في سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بيروت، أنور الجمل، (ضابط شرطة سابق) رئيسًا لتحرير نصف صحف لبنان، مثل الأنوار والمحرّر واللواء والسياسة والكفاح والحرية والحوادث والأحد. فيما تولى الملحق العسكري السعودي في بيروت اللواء علي الشاعر رئاسة تحرير الصحف: الحياة والزمان والديار والجمهورية والرواد. وتمكن الاثنان، أنور الجمل وعلي الشاعر، من استمالة أقلام كثير من الصحافيين اللبنانيين. وكان أصحاب الصحف هم مَن يقبض، بينما استمرأ بعض الصحافيين الخدمة لدى مَن يدفع. وكان بعضهم “ينقّ” لأن لا أحد يدفع له، والباقون عاشوا من غير أن يبيعوا أقلامهم، وماتوا من دون أن تودّعهم أقلام مَن كانوا يقبضون.

طيب الأغاريد ونشوة العناقيد:

اشتُهر في عالم الصحافيين اللبنانيين في حقبة الازدهار صحافيون لامعون، مزجوا خفة دمهم بالتهالك على النقود من أصحاب الجاه والنفوذ، واشتُهر من بين هؤلاء اسكندر رياشي وزهير عسيران وإبراهيم سلامة وسليم اللوزي وسعيد فريحة (نصف حلبي) ونبيل خوري (مقدسي) وزهير السعداوي (ليبي ومؤسّس جمعية الندامى). وكان هذا الميدان الفسيح يتّسع حتى لنجيب حنكش، وهو أحد مدّعي الثقافة وحب الفنون (كان صاحب فندق ومونولوجيست يلقي النكات على مسارح الغناء، وأصدر كتابًا يحتوي مجموعة من النكات الساذجة عنوانه “حنكش بليرتين“، وزعم إنه لحّن قصيدة  جبران خليل جبران “أعطني الناي وغنِّ” التي غنتها فيروز. والحقيقة أنه انتحل ذلك اللحن من أغنية “كومبارسيتا” المشهورة في البرازيل التي لحّنها جيراردو رودريغز في سنة 1916). ومن أظرف صحافيي تلك الحقبة إبراهيم سلامة الذي كان يكتب مقالة في “المحرّر” (الناطقة بلسان الناصريين) ويكتب مقالة أخرى في الوقت نفسه، لكن سرًا، في “الصحافة” (الناطقة بلسان البعثيين خصوم الناصريين)، ويوقّع باسمه الصريح في “المحرّر” وباسم “أبو يوسف” في “الصحافة” المناوئة. وراح إبراهيم سلامة يرد أحيانًا على زميله غسّان كنفاني الذي كان يكتب يوميًا في “المحرّر” زاوية “باختصار”، بمقالة في “الصحافة” مذيّلة باسم “أبو يوسف”. وفي أحد الأيام، سأل غسّان كنفاني ابراهيم سلامة عمن  يكون “أبو يوسف” هذا، فأجابه: إنه أحد البعثيين؛ إما منح الصلح أو إلياس الفرزلي أو نقولا الفرزلي. غير أن غسّان كنفاني تشكّك في أن يكون الكاتب المتخفي هو منح الصلح، ورجّح أن يكون أحد الأخوين الفرزلي (راجع: ابراهيم سلامة، غدًا سندخل المدينة، مصدر سبق ذكره، ص 46).

حين كان الملك سعود بن عبد العزيز مبعدًا من بلاده إلى أثينا بعد إقصائه عن العرش، وجد زهير عسيران (صاحب صحيفة “الهدف” ونقيب سابق للصحافة اللبنانية) فيه فرصة سانحة لكسب بعض الأموال، فاهتبلها فرصة، وذهب إليه، وأخبره أن له صلة ببعض الضباط السعوديين، وهو يتواصل معهم باستمرار. وأقنعه أن في الإمكان تدبّر انقلاب عسكري على أخيه الملك فيصل إذا توافرت الظروف. والظروف في هذه الأحوال تعني “المغلفات المملوءة بالأموال”. ونفحه الملك سعود مليوني دولار لتوزيعها على الصحف اللبنانية كي تشنّ هجمات إعلامية ضد الملك فيصل تمهيدًا للانقلاب الموعود، وراح الملك ينتظر الانقلاب  ويتحرّق شوقًا لوقوعه. وبعد نحو شهرين، علم الملك سعود أن زهير عسيران ينفق الأموال في باريس مع سيدة لبنانية تزعم إن جدّها كان يومًا ما أميرًا على بيروت. وقامت قيامة بعض أرباب الصحف اللبنانية على عسيران لأنه أخذ الأموال من الملك سعود، وتعهد توزيعها عليهم، لكن لم يصل إليهم منها أي قرش. وتزعّم الحملة رياض طه الذي تمكّن من إزاحة زهير عسيران وحلّ في محله في رئاسة نقابة الصحافة اللبنانية (إبراهيم سلامة، المصدر السابق).

أما رياض طه ففي سجله الحكاية التالية: تسلّم من اللواء السوري عبد الحميد السرّاج مئة بندقية لتطهير منطقة الهرمل في شمال سهل البقاع اللبناني من مقاتلي الحزب السوري القومي الاجتماعي في حوادث عام 1958. وكان يزعم إن لديه 500 مقاتل تحت إمرته. وبعد بضعة أيام، نشبت معركة بالقرب من مطار بيروت بين مقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي ومقاتلي الرئيس كميل شمعون، انتهت بفرار جماعة شمعون بعدما تركوا بنادقهم وراءهم. وتبيّن بعد التدقيق أن تلك البنادق هي نفسها التي تسلمها رياض طه من مستودع الأسلحة في بلدة تل كلخ السورية القريبة من بلدة الهرمل، والتي باعها من كميل شمعون بمئتي ألف ليرة لبنانية (راجع: سامي جمعة، أوراق من دفتر الوطن، دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة، 2000).

واختلف سعيد فريحة مع الثري إميل البستاني الطامح إلى رئاسة الجمهورية، فأمر جميع منشورات دار الصياد بعدم ذكر اسم إميل البستاني ألبتة، وحتى عدم ذكر اسم أي إميل. ولما علم البستاني بتلك الأوامر، اتصل بنبيل خوري، وقال له: هل تستطيع تمرير اسمي، ولك ألفي ليرة (المبلغ يساوي أربعة أضعاف راتبه)، فوافق خوري. ولما صدرت مقالة نبيل خوري وفيها احتيال على ذكر اسم إميل، جُنّ جنون فريحة، واستدعى خوري وقال له: كم دفع لك أخو …؟ فأجاب: ألفا ليرة. فقال له سعيد فريحة، معليش. لكن إذا تكرّر الأمر ستُطرد من دار الصياد (إبراهيم سلامة، مصدر سبق ذكره، ص 60). وفي أحد اجتماعات التحرير في صحيفة الأنوار في يوم من أيام عام 1960، همس الصحافي سامي غميقة في أذن رئيس التحرير سعيد فريحة بكلام ما، فإذا بسعيد فريحة يتجهم ثم يطلب من الجميع الوقوف دقيقة صمت على الروائي توفيق يوسف عوّاد صاحب “الصبي الأعرج” و”قميص الصوف” و”الرغيف”، وتمنّى على كل واحد أن يكتب رثاء له ليُنشر في صباح اليوم التالي. وفي ذلك الصباح، اتصل توفيق يوسف عوّاد مبكرًا بسعيد فريحة هاتفيًا، وعاتبه على الرثاء، فلم يصدق سعيد فريحة في البداية أن مَن يتكلم معه هو صديقه توفيق يوسف عواد، ثم هدأ لما عرف أن صديقه لم يمُت. وفي اجتماع التحرير بعد ظهر ذلك اليوم، جاء سامي غميقة، فقال له فريحة: هل حضرتَ مأتم توفيق يوسف عوّاد؟ فأجاب: نعم. وها أنا آتٍ من هناك. فسأله فريحة وهو يكظم غيظه: وماذا جرى في المأتم؟ فقال سامي غميقة: ألقى الأخطل الصغير وأمين نخلة وسعيد عقل قصائد. وعند هذا الحد، صاح سعيد فريحة قائلاً: “يا ابن …، لقد اتصل بي توفيق يوسف عوّاد، بل كان نصابًا وسمسارًا ووسيطاً بين البطريركية المارونية والوكالة اليهودية في فلسطين. في الصباح الباكر، وصحته مثل الحديد. يلا انقبر من هون، ومُرّ بالمحاسبة، وخذ مستحقاتك، وحلّ عني” (ابراهيم سلامة، المصدر السابق، ص 62). وتبيّن أن هناك شخصًا آخر يدعى توفيق عواد (ينادونه توتو عوّاد) هو الذي توفي، ولا تربطه أي صلة بالأديب توفيق يوسف عوّاد، بل كان نصابًا ووسيطًا بين البطريركية المارونية والوكالة اليهودية في فلسطين. وفي أحد الأيام، ورد في صحيفة الأنوار خبر عن اكتشاف كنيسة قديمة تعود إلى  ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح. فاستشاط سعيد فريحة غضبًا وهو يقول لمحرّر الخبر: ليش كان في كنيسة قبل المسيح؟ (أنظر: رياض نجيب الريس، صحافي المسافات الطويلة، بيروت” رياض الريس للكتب والنشر، 2017).

ومن لطائف الصحافة اللبنانية أن مباراة لكرة القدم جرت في الجامعة الأميركية قبيل الحرب الأهلية، وجاء الشيخ بيار الجميّل ليلبط الكرة إيذانًا ببدء المباراة. والمعروف أن الشيخ بيار، زعيم حزب الكتائب اليميني، بدأ حياته لاعبًا في إحدى فرق كرة القدم. وقد اغتنمت الفرصة آنذاك صحيفة “الديار” فنشرت صورة بيار الجميل بالشورت، وفوقها عبارة “رجوع الشيخ إلى صباه” الأمر الذي جعل رئيس حزب الكتائب يستشيط غيظًا، ويتطاول ابنه أمين على الصحيفة بالكلام الغاضب. وكانت علاقة الجيش السوري بالمناطق المسيحية قد تحوّلت في سنة 1978 إلى عكس وجهتها، وصارت على غير ما يرام بعد زيارة أنور السادات القدس في 1977. آنذاك، حصلت إحدى وكالات الأنباء على تصريح من بيار الجميل يقول فيه: “نحن لا نريد انسحاب الجيش السوري من لبنان”. ووزّعت الوكالة الخبر على الصحف الأمر الذي أثار غضبًا عارمًا في صفوف قادة حزب الكتائب وحلفائه اليمينيين المتعصّبين، أمثال كميل شمعون رئيس حزب الوطنيين الأحرار، والآباتي شربل قسيس وإدوارد حنين وشارل مالك. وعمل الجهاز الإعلامي الكتائبي طوال فترة بعد الظهر التي أعقبت ذلك التصريح على إضافة كلمة واحدة فقط إليه هي “الآن”، بحيث يُقرأ التصريح هكذا: “نحن لا نريد انسحاب الجيش السوري من لبنان الآن”. وقد امتثلت بعض الصحف لهذا التعديل، فيما رفضت صحف يسارية وعروبية هذا التزوير نكاية ببيار الجميل وحزبه.

لعل من المفيد هنا أن ننقل ما يلي: قال سليم اللوزي لناصر الدين النشاشيبي إن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان دفع له مبلغًا كبيرًا من المال كي يكتب عنه. ومضت الشهور ولم يكتب سليم اللوزي كلمة واحدة، فعاتبه الشيخ زايد على ذلك، فأجابه سليم اللوزي: لم يكن ما تلقيناه منكم ثمنًا للكتابة عنكم وإنما كان ثمنًا لعدم الكتابة والسكوت (ناصر النشاشيبي، حضرات الزملاء المحترمين، مصدر سبق ذكره، ص 38). وسافر نقيب محرّري الصحافة اللبنانية ملحم كرم إلى الكويت ونزل في أحد الفنادق، وانتظر أن يأتي إليه وزير الاعلام الكويتي، أو مَن ينتدبه، لكن الوزير لم يأتِ. وأمضى النقيب ملحم كرم ثلاثة أيام من دون أن يأتي إليه أحد من الرسميين. ولحيرته طلب من الصحافي الفلسطيني المقيم في الكويت نجيب عبد الهادي أن يستكشف له أسباب هذا الإهمال. وبعد نحو أسبوع من الانتظار، قرّر ملحم كرم العودة إلى بيروت. وفي المطار، بينما كان على وشك ختم جواز سفره، سمع أحدًا يناديه، فأرسل مرافقه لمعرفة ماذا يجري، ولم يلبث المرافق أن عاد ومعه مغلف فيه ألف دينار كويتي، وقال المرافق لملحم كرم: كنتُ سأردّ المبلغ، فمن المعيب أن يُرسلوا إليك ألف دينار فقط. فقال ملحم كرم: هاتِه، ربما ليس معهم غيره (رياض نجيب الريس، صحافي المسافات الطويلة، مصدر سبق ذكره، ص 230). وفي أواسط السبعينيات من القرن المنصرم بدأت مجلة الحوادث تنشر إعلاناتٍ ترويجيةً عن مقابلة مطوّلة أجراها سليم اللوزي مع مدير المخابرات الأميركية (CIA)، وليم كايسي، وطبّلت وزمّرت لتلك المقابلة التي صرنا نتشوّق إلى معرفة ما فيها من معلومات سيكشف عنها صاحبها. وعندما نُشرت المقابلة على حلقتين، لم نجد فيها أي أمر مهم على الاطلاق، بل كلام عام عن المنطقة العربية. غير أن أحد العارفين ببواطن الأمور شرح لنا الأمر على النحو التالي: لقد نشر سليم اللوزي من كلام وليم كايسي ما ليس له أي قيمة، وقبض من السعودية ثمن عدم نشر كل ما له قيمة. ومن طرائف الأمور أن الصحافيين اللبنانيين كانوا يُشفقون على أحوال الصحافيين والكُتّاب في سورية، ويتندّرون على أوضاعهم، ويتخذون من علي عقلة عرسان، رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية، مثالاً على ذلك، وبالتحديد بقاؤه ثمانٍ وعشرين سنة متواصلة في منصبه. ولم يتنبه الكُتّاب والصحافيون اللبنانيون إلى أن نقيب محرري الصحافة في لبنان ملحم كرم أمضى ثماني وأربعين سنة في منصبه من دون انقطاع، وها هو نبيه برّي اليوم يتفوّق على أي سوري أو مصري أو عربي بالبقاء ثمانٍ وعشرين سنة في رئاسة مجلس النواب اللبناني من غير أي منازع (تحيا الديمقراطية وتداول السلطة).

قصارى القول في هذه المسألة أن الصحافة اللبنانية كانت تشبه كثيرًا الصحافتين السورية والفلسطينية، وتأثرت بمدرسة “أخبار اليوم” المصرية (المحرّر والأنوار) أو بمدرسة “روز اليوسف” (الصياد). لكن نكبة 1948 أنهت دور الصحافة الفلسطينية، وتشتّت الصحافيون الفلسطينيون في كل مكان، وخصوصًا في بيروت ودمشق. وقضى تأميم الصحافة في مصر وسورية في عام 1958 على الصحف المستقلة عن الدولة. وهنا بالتحديد انفردت الصحف اللبنانية بما افتقرت إليه الصحف في سورية ومصر، أي الاستقلال النسبي والحرية. وتحوّل صحافيون فلسطينيون وسوريون كثيرون إلى العمل في الصحف اللبنانية. وبهذا المعنى، كانت الصحافة اللبنانية صحافة العرب جميعًا. وقد تقدّمت الصحف اللبنانية تقنيًا بأشواط على الصحف العربية الرسمية المقيدة. لكن صحف لبنان، منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، راحت تضيّق حريتها بالتدريج، وينهار كثير من أخلاقيات المهنة جرّاء الأموال التي تدفقت بغزارة على أصحاب الصحف والصحافيين ومخبري الصحافة وسماسرة الصحف.

الأفاعي وصيد الفضائح:

ليست مهمة الصحافة صيد الفضائح، وإنما التنقيب عن الأخبار وكشف خزائن الأسرار، ثم نشرها على الناس في نطاق من المسؤولية القانونية والمسؤولية الوطنية معًا. وجرّاء الحريات الواسعة التي تميزت بها الصحف اللبنانية، تمكنت من أن تبزّ الصحف المصرية والسورية والعربية بـِ “الشطارة” في أساليب الدعاية الإعلامية. غير أن تلك “الشطارة” تضمّنت، في حالاتٍ كثيرة، التضليل واختراع الشائعات وفبركة الأخبار الكاذبة والافتراء. وفي  هذه الحال، تكون الحقيقة هي الضحية الأولى للحرية الصحافية غير المسؤولة. ومن فنون الشطارة والفهلوة والتضليل معًا أن صحافيين كثيرين اعتادوا افتتاح مقالاتهم بصيغ من العيار التالي: “التقيت سفير دولة كبرى مصادفة في قاعة المغادرين في مطار شارل ديغول”؛ أو “جاء جلوسي في الطائرة المغادرة إلى باريس إلى جانب شخصية أمنية رفيعة في جهاز الاستخبارات السوفياتية KGB”. وعندما كنا نسأل بعض الزملاء في الصحف المعنية: هل سافر فلان حقًا إلى باريس؟ كان الجواب يأتي ضاحكًا مقهقهًا: فلان لم يغادر لبنان منذ أكثر من سنة. ومن مظاهر عدم المسؤولية أن “النهار” نشرت في 3/12/1973 القرارات السرية للقمة العربية التي عُقدت في الجزائر في 26/11/1973، الأمر الذي أثار حفيظة جميع الدول العربية على الحكومة اللبنانية التي بادرت إلى توقيف غسان تويني في 4/12/1973. والحكاية على النحو التالي: كان الصحافي إميل خوري في مجلس النواب اللبناني في 2/12/1973 لمتابعة أعمال لجنة الشؤون الخارجية التي يحضرها ،وزير الخارجية آنذاك فؤاد نفاع. وبعد انتهاء الجلسة لاحظ إميل خوري أن فؤاد نفاع نسي أوراقًا على الطاولة التي كان يجلس إليها. وعندما تصفحها وجد أنها تتضمن نص القرارات السرّية لمؤتمر القمة في الجزائر، فاستولى عليها وصوّرها. وعلم الوزير فؤاد نفاع أن إميل خوري يحتفظ بالأوراق السرية، فاتصل به وبغسان تويني رئيس تحرير صحيفة “النهار” طالبًا إليهما الامتناع عن نشر القرارات، لأنها أوراق تتعلق بأمن الدولة العليا. لكن غسّان تويني سارع إلى نشرها في 4/12/1973 بعدما ذيّلها بتوقيع وفيق رمضان الذي كان موفد “النهار” إلى مؤتمر القمة في الجزائر. وكان القصد  عدم إحراج الحكومة اللبنانية، والزعم إن وفيق رمضان حصل على الوثيقة السرية من جهات جزائرية وعاد بها إلى بيروت. ولم ينطلِ هذا الزعم على أحد، وتسبّب النشر في إحراج الرئيس سليمان فرنجية أيما إحراج، لأنه أحد الرؤساء العرب الذين تعهدوا عدم إفشاء المقرّرات.

من علائم التضليل وعدم التحلّي بالمسؤولية المهنية ما يلي: نشرت صحيفة “النهار” في سبعينيات القرن المنصرم مقالة وقّعها عبد الكريم أبو النصر، وهو أحد كُتّاب الصحيفة، جاء فيها أن اجتماعًا فائق السرية عقده الرئيس الأميركي جيمي كارتر مع مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي ووزير الخارجية سايروس فانس، واتفق الثلاثة في هذا الاجتماع على أمور خطيرة جدًا لها صلة بالشرق الأوسط، واتخذوا من القرارات السرية كيت وكيت. وصدّق كثيرون ما جاء في المقالة، وبنوا على ذلك تحليلاتهم السياسية، فيما القلة القليلة راحت تتساءل باستهجان وسخرية: كيف علم عبد الكريم أبو النصر بذاك الاجتماع السرّي للغاية وبقراراته؛ فإما أن الكاتب كان موجودًا في الاجتماع، وهذا من المحال، أو أنه عميل لوكالة المخابرات المركزية الأميركية التي زوّدته بمقرّرات ذلك الاجتماع، وهو أمر مستبعد لأن الوكالة لديها صحافيون مشاهير أين منهم عبد الكريم أبو النصر وصحيفته؛ أو أن الأمر كله من اختلاق الكاتب، وهو الراجح.

على هامش الصحافة اللبنانية الجادّة، تعيشت صحف قليلة على العناوين المثيرة. فإحدى الصحف التي كانت تصدر بصورة غير منتظمة، أي كلما تيسر لها “مانشيت” مجزٍ (صحيفة التلغراف على الأرجح)، نشرت في مرّة عنواناً طريفًا هو: “انقلاب عسكري سوري”. وكانت الانقلابات العسكرية لا تتوقف في دمشق، ومع كل انقلاب فاشل أو ناجح يفرّ إلى لبنان عشرات السياسيين السوريين.  وتخطّفت أيادي السوريين واللبنانيين أعداد تلك الصحيفة الطريفة اللطيفة من باعة الصحف الجوّالين، ليكتشفوا عدم حصول أي انقلاب عسكري في سورية، وكل ما في الأمر أن سيارةً انقلبت بسائقها العسكري. ولا ريب أن صوغ العنوان على هذا النحو فيه ذكاء ونباهة وظرافة، لكن ذلك كله وُظّف للإثارة والكسب لا للحقيقة.

وعندما أصدر رياض نجيب الريس صحيفة “المنار” في لندن في سنة 1977، شرعت الأفاعي في بث الشائعات عنها، وراح سليم اللوزي يشيع أن  المقصود من اختيار اسم “المنار” هو النكاية بـِ “النهار”. وهذا على منوال ما كان يروّجه الأخوان المسلمون عن مجلة “نداء الحياة” التي أصدرتها حركة فتح في بيروت في سنة 1959، فقالوا عنها إنها خليط من الشيوعية (صحيفة النداء) والإسلامية (صحيفة الحياة). والحقيقة أن صاحب امتياز “نداء الحياة” كان الحاج توفيق حوري، وهو إسلامي مستقل، وأول فتحاوي في لبنان (مع هاني فاخوري)، وكل ما فعلته حركة فتح أنها أضافت كلمة “فلسطيننا” إلى “نداء الحياة” ليصبح الإسم “نداء الحياة – فلسطيننا”، ولا علاقة لهذه الصيغة بالشيوعيين أو بالإسلاميين إطلاقاً.

موت اليسار والليبرالية:

انحسر شأن الصحافة اللبنانية في عالم الثقافة والفكر والسياسة إلى حد كبير جدًا، وأخلتْ مكانها للإعلام المرئي ولوسائل التواصل الاجتماعي. ومن البدهي القول إن الأسباب كثيرة. لكن ما يعنينا هنا، في هذا الحقل، هو التجربة الصحافية اللبنانية المعروفة. فقد انتهت تجربة صحيفة “السفير” اليسارية العروبية بإغلاقها نهائيًا في سنة 2017. وقد مثّلت “السفير” علامة فارقة في الصحافة اللبنانية؛ ففي سورية، على سبيل المثال، كان الرجل يقول لابنه: اذهبْ واشترِ لنا الجريدة. والجريدة تعني “السفير” بالتحديد. وإذا نطق الفلسطيني في لبنان بكلمة “الجريدة” فهو يعني حكمًا “السفير” التي يبدأ في قراءتها من الصفحة الأخيرة، حيث يطل كاريكاتير ناجي العلي يوميًا على الناس. وكذلك انتهت، بعد وفاة غسّان تويني، التجربة الليبرالية اليمينية التي جسّدتها صحيفة “النهار” مع تحوّلها إلى صحيفة محلية برائحة طائفية، وبعد ارتباطها المصلحي بنظام عربي معادٍ للديمقراطية والليبرالية معًا. والمعروف أن رياض نجيب الريس كان يكتب في “النهار” منذ عام 1993 مقالة أسبوعية في كل يوم اثنين. وعدد يوم الاثنين هو العدد الذي لا يدخل إلى السعودية. ولسوء حظ رياض الريس أن غسّان تويني كان يكتب افتتاحية “النهار” في يوم الاثنين أيضًا على الصفحة الأولى، وهو ما جعل غسّان تويني كثير التململ. وعندما رغبت جهات سعودية في تلزيم طباعة صحيفة “الشرق الأوسط” إلى مطابع دار النهار، وهي صفقة مجزية جدًا، اشترط السعوديون وقف رياض الريس عن كتابة زاويته “الفترة الحرجة”. وهكذا أوقف غسّان تويني تلك الزاوية الرصينة والمهمة في 13/2/1995، وانتهت آخر تجربة ليبرالية في الصحافة اللبنانية تحت وطأة المال السعودي (راجع: رياض نجيب الريس، آخر الخوارج: بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2008، ص 186).

قصارى الكلام أن الصحافة اللبنانية أُصيبت بما أصيبت به التيارات الفكرية الكبرى التي غمرت المشرق العربي منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين فصاعدًا، أي الشيخوخة والانحسار، وهو ما خضع له التيار القومي العربي، بجناحيه البعثي والناصري؛ والتيار السوري القومي؛ والتيار الماركسي بأجنحته المتعدّدة؛ والتيار الليبرالي الديمقراطي. ولعل مقاهي الأرصفة في بيروت تعبر، أفضل تعبير، عن هذه الحال؛ فقد كانت تُنتج ثقافة وصحافة وفنونًا وأدبًا ونقدًا وأفكارًا وسجالات، وكان وجودها الحر والطليق يمثل في حد ذاته بعض علائم التحضّر والحداثة الليبرالية، فصارت منذ نحو أربعين سنة مثل مصاطب القرية، فهي لا تنتج أي ثقافة جادّة، بل باتت مرصودةً لتزجية الوقت والتسلية والتحديق في النساء العابرات وإنهاء المواعيد السريعة. فمقهى الهورس شو المشهور الذي أسسه منح دبغي في سنة 1959 ليكون أول مقهى رصيف في بيروت تحول في سنة 1978 إلى مطعم أبو نواس (ثم إلى مقهى كوستا فإلى مقهى روسا). ومقهى الاكسبرس اشترته سلسلة مطاعم بيتزا هات قبل إقفاله. والإلدورادو بات مكانًا لبيع العطور والملابس والأحذية. ومطعم فيصل قبالة المدخل الرئيس للجامعة الأميركية، الغني عن التعريف، أُقفل في سنة 1978. ومقهى سيتي كافيه الذي افتتحه منح دبغي (مؤسّس مقهى الهورس شو) أُقفل أيضًا. والسماغلرز إن (الذي صرف الراحل جورج الزعني راعي مهرجان شارع المكحول شوطًا من عمره لتحويله إلى مطعم يعج بالثقافة والفن التشكيلي) جرى تفجيره. وتلك الوقائع كانت كلها علامات دالة وحاسمة على انتهاء مرحلة الازدهار الثانية في تاريخ مدينة بيروت التي لم يبقَ من علائمها القديمة إلا بحرها.

يقال إن الكلام نشرٌ والسكوت طي. والطي لدى صحافيين كثيرين يعني طي الجيوب على الأموال لقاء الصمت. وكان الرئيس جمال عبد الناصر يستعمل عبارة “الدفع الثوري” للإشارة إلى تحفيز الأمة العربية على النهوض، فتحوّلت العبارة في مقاهي بيروت والقاهرة إلى “الدفع الفوري”. وجرّاء تلك التحولات كلها ركدت في الصحافة اللبنانية ريُحها وخَبتْ مصابيحُها، وصار ما بقي منها مثل عجائز الأفراح: أكل ونقار وذمّ العروسين.

* كاتب عربي فلسطيني

المصدر: العربي الجديد