الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

آخر صراعات القوى العظمى.. إبليس في التفاصيل ومصلحتنا في النأي بالذات

جميل مطر *

أدرت سهرة نقاش حول حال العلاقات بين الدول العظمى. جرى النقاش هادئا في غالب السهرة حتى جاءنا خبر إعلان السيدة “نانسي بيلوسي” الرئيس الحالي لمجلس النواب الأمريكي نيتها القيام بزيارة رسمية إلى تايبيه عاصمة تايوان. فجأة سيطر على السهرة مزاج مختلف عن المزاج الذى استُهل به النقاش. المؤكد أن هذا الخبر، صح وقتها أو لم يصح، لم يكن ليثير كل هذا التوتر في أجواء سهرة ضمت أصدقاء يجتمعون عادة لمناقشة قضايا دولية تهم المصلحة الوطنية لو لم يكن النقاش قد مس بالفعل منذ بدأت السهرة تطورات وقضايا مهدت مزاج الحاضرين لأمر جلل إن لم يقع الليلة فواقع عما قريب.

                                                                        *           *           *

توافق المشاركون منذ بداية السهرة على أهمية موقع العقدين الأخيرين في التاريخ الأحدث لعلاقات القمة الدولية، إن صحت هذه التسمية وانطبقت فعلاً على حال هذه العلاقات في ذلك الحين. توافقوا مثلاً على أن أحوال القوى الثلاث، أمريكا والاتحاد الروسي والصين، تتغير في اتجاه مختلف جذرياً عن الاتجاه الذى رسمته عند مطلع القرن واستقرت عليه المدارس الكبرى للعلاقات الدولية في العالم الغربي وبخاصة في الولايات المتحدة. انتهى القرن، أو كاد ينتهي، وروسيا ما بعد المرحلة السوفييتية في حال فوضى وتسيب وأكثر خططها مدروس في الغرب لتصفية الاقتصاد الروسي لصالح أفراد منتفعين استطاعوا بعون أمريكي وبريطاني إخراج حصيلة بيع أصول الدولة ومشاريعها الخدمية والإنتاجية للخارج. وقتذاك أشارت كل التقارير المعتبرة إلى أن الانهيار الروسي مستمر والأمل في عودة روسيا لتلعب دوراً هاماً على القمة الدولية خائب.. خائب.

على الناحية الأخرى كانت الصين تنهض اقتصادياً. أعمت المصالح المشتركة والفوائد الجمة التي حققها الاقتصاد الأمريكي من وراء نهضة الصين عيون علماء السياسة ودعاة الفكر وواضعي الاستراتيجيا الإمبراطورية في الولايات المتحدة عن مراقبة الآثار المحتملة لهذه النهضة على مصالح أمريكا، خاصة وأن انشغال أمريكا، سياسيين ومصالح اقتصادية وأكاديميين مرموقين، بالعائد المادي والمتناثر، أخفى المغزى المنطقي والتاريخي لأبعاد الصعود الصيني إجمالاً وتفصيلاً.

في الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة وهي القوة الأعظم منفردة عند القمة الدولية، تنحسر أمام أعين شعوب العالم الغربي والعالم النامي. انحدرت كفاءة وأداء البنية التحتية من طرق وجسور ووسائل نقل ومواصلات، وانحدرت كفاءة وأداء قطاعات الخدمة الصحية والتعليمية، وعادت تتدهور العلاقات العرقية بين فئات الأمة الأمريكية ومعها تدهورت بالفعل القوى الأمنية وزادت الفوارق الاجتماعية وعاد الفرد العادي يتحسس سلاحه الناري ليدافع به عن نفسه وممتلكاته وعائلته، ومع هذه العودة للفوارق ازداد إحساس مؤسسات عتيقة وحديثة في الدولة بفداحة الانحدار. لم يغب عن البال في أمريكا وخارجها أن الحديث المعتدل عن مستويات الانحدار في بعض الإمكانات الأمريكية يخفي واقعاً أشد خطورة ناتجاً عن المقارنة بين المستويات المطلقة والمستويات النسبية، أي بالمقارنة من ناحية بمستويات الصعود والقفزات الصينية ومن ناحية أخرى بمستويات العودة الروسية، وإن بدت في بداياتها متواضعة ومتدرجة، ومن ناحية ثالثة بالمستويات الكلية وأقصد بما تحقق فعلاً في الدول الثلاث خلال آخر عقدين.

                                                                        *           *           *

فى سهرتنا اعترف أغلب المشاركين بأنهم في مرحلة ما من مراحل المواجهة التي بدأت مستترة بين أمريكا المنحدرة والصين الصاعدة قفزاً وثقة في النفس أسطورية وروسيا العائدة بإصرار ولكن بتدرج وثقة في النفس غير مؤكدة بالضرورة. هنا تجدر الإشارة إلى أنه بوصول دونالد ترامب إلى منصب الرئاسة لم تعد المواجهة مستترة. المثير من وراء متابعة تفاصيل المواجهة وما آلت إليه بالأمس القريب هو بين أمور أخرى الاعتقاد غير الجازم الذي تردد خلال السهرة من أن هناك في أمريكا أو في مكان ما آخر في الغرب جماعة أو «شلة» أو مؤسسة متخفية معظم الوقت أو كله، انتبهت إلى الخطر الذي صار يهدد قيادة الغرب للعالم، وهي القيادة التي استمرت طوال تاريخ العالم الذي نعرفه ودرسناه، باستثناءات قليلة ومحدودة. وسط هذا التحول الخطير في النقاش دقت أجراس كثيرة تحذر من الانغماس في فكر المؤامرة الذي لم تخل منه مرحلة من مراحل التطور البشرى.

دفع الحاضرين إلى توخي الحذر والخشية من الوقوع في منزلقات كتلك التي أودت في السابق بالبشرية إلى أتون الحرب العالمية وحروب الإبادة ومشاعر الكره الديني والعنصري. بدأت الأسئلة المتفجرة بطرح استفساري عن اختيار إدارة الرئيس ترامب للصين هدفاً لحرب استفزاز لها تاريخ رهيب في نفوس قادة الصين وشعبها. الصينيون إن نسوا فلن ينسوا حملات التحقير والكره التي شنها تجار الأفيون والشاي مستخدمين البوارج الحربية يهددون به قصور الإمبراطور ونخبة الحكم من كبار مثقفيها وبيروقراطييها. لماذا اختار ترامب الصين ولم يختار روسيا بينما الكراهية لروسيا ولكل ما يمثله الكرملين لم تزل حية وفاعلة ولها أنصار بالألوف في قاعات الدرس والبحث العلمي في مختلف جامعات أمريكا ومراكز العصف الفكري؟. شن ترامب على الصين حرباً إعلامية وأيديولوجية وتجارية وجمركية وتكنولوجية لا هوادة فيها، مهد العالم بأسره لعدوان على الصين بعد إدانتها بدون تحقيق شامل أو محايد بالمسئولية عن انتشار فيروس الكوفيد، بينما عادت حرب أوكرانيا لتثير أسئلة عن دور أمريكا فى نشر هذه الفيروسات وغيرها متسربة من معاملها المنتشرة فى دول عديدة بذريعة خدمتها لأغراض حلف الناتو. مهد لعدوان آخر عليها عندما حشد رأيا عاما ضد عسف القيادة الصينية ضد شعب هونج كونج المتمرد بحق على الممارسات غير الديمقراطية المزمع فرضها على المقاطعة، والثائر بدفع من الإثارة الأمريكية القوية ضد سلطات بكين.

يذهب الظن في الغالب إلى أن حملة ترامب ضد الصين كانت ستستمر خلال الفترة الرئاسية الثانية، ولكن ترامب لم يفلح في انتخابات التجديد بينما أفلح جوزيف بايدن الذي لم يتخلف بدوره عن إثارة استفسار ثان. بأي عقل سياسي تقرر دولة عظمى التحول من حربها التي شنتها على الصين إلى حرب أشد فتكاً وتنوعاً تشنها على روسيا. قيل في التفسير أن ترامب كان «يحب» بوتين بينما بايدن يكرهه ويكره أيضاً بحكم أيديولوجيته الليبرالية الرئيس الصيني بل الصين بكل ما تمثله كدولة آسيوية نامية وصفراء. يكرههما معاً لأنهما يسعيان إلى حرمان أمريكا من مكانتها كقطب منفرد في نظام أحادي القطبية. الاثنان، قطب صاعد وقطب عائد، يهددان أحادية القيادة في النظام الدولي لصالح نظام متعدد الأقطاب.

                                                                        *           *           *

كاد الغرب يتصور في مرحلة من مراحل حرب الاستفزاز ضد روسيا والصين أنه لو انتهج الاعتدال في حربيه ضد روسيا والصين فسوف يتوحد القطبان الروسي والصيني في جبهة واحدة ضد القطب الأمريكي. حسنا فعلت الصين حين رفضت التحالف مع روسيا ضد أمريكا. اكتفت بالدعم الرمزي لأنها تعلم أن روسيا في النهاية إن أفلحت فستعود قطباً ثانياً، وأغلب الظن أنها لن ترحب بقطب ثالث لا لشيء إلا لأنها لم تجرب النظام متعدد الأقطاب، وبالتالي ستجد الصين نفسها غريبة على قطبين غير راغبين في وجودها في أسوأ الأحوال وغير مرحبين بوجودها في أحسن الأحوال.

لاحظنا مثلا أن روسيا وأمريكا، ولم تتوقف الحرب الناشبة بينهما، ينشطان دبلوماسياً وبإقامة أحلاف تماماً كما كانا يفعلان في زمن القطبية الثنائية بينما الصين نراها عازفة عن دعوات التحالف العسكري أو الأيديولوجي. السباق على أشده على الهند درة تاج العالم النامي بينما أستراليا تنضم إلى حلف أمريكي آسيوي جديد واليابان تعود إلى التسلح على غير رغبة من الرأي العام الياباني. لقد كان اغتيال السيد آبى رئيس الوزراء الياباني الأسبق جرس تحذير لليابان وللصين بل وآسيا برمتها لما يمكن أن يحدث من جراء انغماس اليابان في برامج تسلح وتحالفات خارجية.

                                                                        *           *           *

انتهت سهرة النقاش إلى توصية تمنينا أن تصل إلى شعوب وحكومات العالم النامي وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. أوصينا بأن ننأى بأنفسنا عن التحالفات والائتلافات التي تسعى كل من روسيا وأمريكا لتشكيلها خلال الفترة القادمة، وأن نحاول أن نصل، بدون الصين، إلى رؤية تأخذ في اعتبارها أن النظام الدولي الجديد يولد مشحوناً بطاقة عنف هائلة ومزوداً بأساليب وأدوات هيمنة مدمرة. خير لنا أن نكون بعيدين عنها ومحصنين ضدها.

* كاتب ومحلل سياسي مصري

المصدر: الشروق