الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

تطبيق الشق الجنائي من مضامين العدالة الانتقالية مطلباً ملحاً، لإنصاف الضحايا

أيمن أبو هاشم:

ضمن ملف العدالة الانتقالية الذي تفتحه صحيفة (إشراق) التقينا بالأستاذ أيمن أبوهاشم الكاتب والمحامي السوري الفلسطيني، ومنسق عام تجمع (مصير) وسألناه حول مفهوم العدالة الانتقالية وهل تصلح تطبيقًا مستقبليًا للوضع السوري؟ ومن ثم هل تعتقدون بضرورات ومحددات معينة ومميزة لابد منها في الحالة السورية في سياق التطبيق العملي للعدالة الانتقالية. وهل ترون أن المجتمع الدولي سوف يدفع في يوم ما لتطبيق العدالة الانتقالية كمفهوم أممي يأتي مابعد الحروب. حيث أجاب قائلًا: “تطبيق موجبات العدالة الانتقالية في سورية، ضرورة أساسية وشرط لا غنى عنه، لبناء مداميك الانتقال السياسي الحقيقي نحو دولة القانون والمواطنة والحريات. وبعد كل ما ارتكبه النظام السوري وحلفائه من جرائم وانتهاكات جسيمة، من قتل واعتقال وتعذيب وإخفاء قسري وتهجير لملايين السوريين، وتدمير ممتلكاتهم ومصادرتها، فإن تطبيق الشق الجنائي من مضامين العدالة الانتقالية المتعلق بملاحقة ومحاسبة كافة المتورطين بارتكاب تلك الجرائم، مطلباً سورياً ملحاً، لإنصاف الضحايا، وبناء قواعد السلم الأهلي على أسس قوية تضمن عدم عودة الاستبداد وتفكيك الدولة الأمنية التي اكتوى الشعب السوري بقمعها وتنكيلها وإرهابها. بيد أن العدالة الانتقالية لايمكن أن تقتصر على الشق الجنائي منها، فلا بد من تنفيذ آليات جبر الضرر والتعويض، لاسيما أن حجم السوريين المتضررين من سياسات النظام طيلة سنوات الثورة، ومنهجية سلب أملاك المهجرين، ما يقتضي لأي هيئة حكم انتقالية في سورية، من وضع إطار مؤسساتي وقانوني، لإنفاذ برامج جبر الضرر والتعويض، بعد إلغاء كافة القوانين التي أصدرها النظام، وحاول من خلالها شرعنة عمليات سلب الأملاك ومصادرتها دون وجه حق. فقد صدرت عشرات القوانين والبلاغات والتعليمات خلال السنوات الماضية، عمل النظام من خلالها على تطويب عمليات التغيير الديمغرافي التي قام فيها، من خلال تغيير واستبدال هوية الأماكن الأصلية للمهجرين، ومنع عودتهم إلى المناطق التي هجّروا منها. وهناك العديد من السوابق الدولية في تجارب العدالة الانتقالية التي يمكن الاستفادة منها في السياق السوري، كتجربة البوسنة والهرسك على صعيد استعادة الأملاك والرد والتعويض التي تم تطبيقها عشية اتفاق دايتون للسلام. وهناك تجارب أخرى يمكن الاستفادة فيما يتعلق بلجان الحقيقة والمصالحة كتجربة رواندا التي شهدت حربًا أهلية في عقد التسعينات.”. ثم تابع يقول”  من المؤسف جداً أن مسار العدالة الانتقالية في سورية ما يزال مغلقاً بعد مرور ١١ عامًا من حرب النظام على الشعب السوري، وبسبب التعقيدات والمشكلات المتراكمة نتيجة التدخلات الخارجية في الساحة السورية، وحتى القرارات الدولية الخاصة بحل القضية السورية لم تنص بوضوح على أولوية تطبيق العدالة الانتقالية. ومكمن الاستعصاء أيضاً أنه لاتوجد إرادة للمجتمع الدولي، لتفعيل مبادئ ومعايير العدالة الانتقالية، ودعم تنفيذ آلياتها وبرامجها، بما يضمن بناء الدولة السورية الجديدة الضامنة لحقوق كافة مواطنيها. غير أن ثمة أمل يمكن تلمسه حاليًا، من خلال متابعتنا لقيام بعض الدول الأوروبية التي تتبنى مبدأ الولاية القضائية العالمية في قوانينها المحلية، في ملاحقة أشخاص متورطين بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في سورية، ممن لجأوا إلى تلك البلاد، التي باشرت محاكمها كألمانيا وفرنسا والسويد وهولندا، في محاكمتهم إثر الدعاوى التي رفعها ضحايا وشهود في مواجهتهم. ورغم فتح مثل هذا المسار الجنائي على أهميته، فإن المطلوب أكثر من ذلك، وهو إنشاء محمكة دولية خاصة في سورية، من خلال تجاوز الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن، واللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار قرار بإنشاء تلك المحكمة استنادًا إلى قرار ” الاتحاد من أجل السلام” وحتى الآن لاتوجد إرادة دولية للقيام بذلك. مما يجعل فرص تطبيق العدالة الانتقالية في الحالة السورية ضئيلة جداً، مع أن كل خطوة نحو التغيير الحقيقي في سورية من نظام الاستبداد الأسدي، نحو الدولة الديمقراطية، سيتوقف على تفعيل نظام وآليات العدالة الانتقالية بصورة متكاملة.”.

المصدر: إشراق