الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أي نظام دولي قيد التشكيل؟

محمد المنشاوي *

بعد خمسة أشهر من بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، لا تزال المعارك مشتعلة في شرق أوكرانيا مع عدم حسم روسيا لأهدافها المعلنة بعد، وعدم قدرة أوكرانيا المدعومة بما يفوق 70 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية والغربية، على منع التقدم الروسي.

ومع استخدام روسيا ببراعة سلاحي النفط والغاز، تلاشى التفاؤل الغربي المبكر بأن هزيمة روسيا في أوكرانيا حتمية، وتلاشى اليقين في تشكيل جبهة عالمية تعارض الخطوة الروسية تضم قوى غير غربية مثل الصين والهند والبرازيل.

ورغم ما يجمع روسيا والصين من إرث عدائي وتنافسي، إلا أن بكين اختارت الحياد الإيجابي تجاه روسيا مفضلة علاقاتها التجارية الواسعة معها على ضغوط الغرب، وهي نفس النتيجة التي حسمتها الهند والبرازيل والكثير من القوى الإقليمية حول العالم مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وإندونيسيا.

لم يدعم الموقف الأمريكي المتشدد تجاه روسيا سوى دول حلف الناتو- باستثناء تركيا والمجر-ومجموعة «G7» التي تضم معها كندا واليابان وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا.

تمثل أزمة أوكرانيا في أحد جوانبها تحدياً وجودياً للنظام الدولي الذى دشنت له ودعمته وهيمنت عليه واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي.

تتفق روسيا والصين بالأساس، ومعهما إيران، على ضرورة مواجهة ما يعرفه العالم من هيمنة غربية تقودها الولايات المتحدة. وتؤمن هذه الدول أنه على الرغم من قوة مجموعة الدول السبع التي تمثل 45٪ من الناتج المحلى الإجمالي العالمي، و52٪ من حجم الإنفاق العسكري العالمي، إلا أن هذا التكتل يمتلك في الوقت ذاته نقاط ضعف هيكلية.

                                                                         *           *            *

اعتبر المفكر الأمريكي “والتر راسيل ميد” أن هناك ثلاث نقاط ضعف في النظام الغربي المُسيطر عليه أمريكيا تمنح الدول الرافضة له بعض الأمل في سعيهم لتحدى بنية النظام العالمي، وإنهاء هيمنة واشنطن عليه.

أول هذه النقاط يتعلق بالجانب الاقتصادي الحمائي الذي تتجه إليه أمريكا وغرب أوروبا، وقد دشن لهذا الاتجاه بصورة واضحة الرئيس السابق دونالد ترامب.

تقلل السياسات التجارية الحمائية من الجاذبية الاقتصادية للنظام الغربي بالنسبة للكثير من دول العالم الثالث والاقتصاديات الصاعدة. ودعمت سياسات ترامب المعروفة باسم «أمريكا أولاً» في جانبها الاقتصادي والتجاري من جاذبية النموذج الصيني على النموذج الأمريكي في العديد من أقاليم العالم.

ثاني هذه النقاط يتعلق بالقيم والمبادئ التي ينادي بها الغرب ويدعي التمسك بها وعلى رأسها عالمية قضايا حقوق الإنسان والتغيرات البيئية. إلا أن نظرة سريعة على سجل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإدارة بايدن على رأسها، يرى العالم تناقضاً واضحاً في ادعاءات الغرب والولايات المتحدة. ومَثل لقاء بايدن الأخير بقادة السعودية وولي عهدها دليلاً كافياً لإبراز الخواء الأخلاقي الذي تنادي به واشنطن وتطلب من العالم الالتزام بمعايير حقوق الإنسان لا تلتزم هي بداية بها كما يظهر في سياساتها الخارجية.

وفيما يتعلق بالقيم تنادى الولايات المتحدة والدول الغربية بالمساواة في عالم اليوم، إلا أن نظرة سريعة على تشكيل عضوية الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن نجد عدم وجود ممثل للملايين من الأفارقة أو الشعوب الآسيوية واللاتينية، في حين يمثل أوروبا وحدها ثلاث دول هم فرنسا وبريطانيا إضافة لروسيا.

وثالث العقبات التي تمثل تهديداً كبيراً للنظام العالمي الغربي ما نراه بوضوح في استعار «الحرب الثقافية» داخل المجتمعات الغربية وعلى رأسها المجتمع الأمريكي. وعليه ففاقد الشيء لا يعطيه، ومع استعار الصراع حول قضايا مثل الإجهاض وحق حمل السلاح والعنصرية وحقوق المثليين والمثليات والمختلفين والمختلفات جنسياً، ودور الدين في المجتمع، يصبح من العسير على الولايات المتحدة أو الغرب التبشير بنموذج اجتماعي أو نسق أخلاقي عالمي حيث ترفض أغلبية دول العالم التوجه الغربي فيما يتعلق بالحقوق والحريات الجنسية لمواطنيها ومواطناتها. ويتساوى هنا المجتمعات الصينية والروسية مع نظرائها في السعودية وإيران ونيجيريا وإندونيسيا، وأغلب دول الجنوب.

                                                                         *           *            *

لا يدعم الانقسام السياسي الأمريكي الداخلي والمتزايد بين الجانبين الجمهوري والديمقراطي النظام العالم المهيمن عليه أمريكا، بل يسهل من مهمة روسيا والصين في تحديه.

وعلى الرغم من الاتفاق العام في ملفات السياسة الخارجية بين الحزبين على ضرورة مواجهة الصعود الصيني والتهديدات الروسية، يقف الحزبان عاجزين أمام نفوذ الشركات الأمريكية ورأس المال الساعي لمزيد من الاعتماد المتبادل اقتصادياً وتجارياً ومالياً، وتجاهل الجوانب السياسية والأخلاقية في علاقاتهم بالصين وحتى روسيا. وسمحت طبيعة العاصمة واشنطن وانفتاحها من خلال آلية اللوبيات القانونية وغير القانونية على وجود جيش من أصحاب المصالح، الكثير منهم أعضاء سابقون بالكونجرس، الذين يخدمون أجندات صينية دون اكتراث بالمصالح الأمريكية أو بالنظام الدولي الذي ترغب الصين في تغييره لصالحها.

كما تقود شركات أمريكية كبرى مثل وول مارت وآبل ومايكروسوفت لوبيات واشنطن من أجل التشبث بعلاقات تجارية مع الصين تتجاهل أي قيم تدعيها الولايات المتحدة أو الغرب. وتسهم هذه الشركات بصورة غير مباشرة في تغيير بنية النظام الدولي لنظام جديد ستكون هي ذاتها على رأس ضحاياه.

* كاتب صحفي مصري متخصص في الشؤون الأمريكية

المصدر: الشروق