الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

 لا خوف على الثورة إلّا من عقوق أبنائها

حسن النيفي

أثارت تصريحات وزير الخارجية التركية السيد جاويش أوغلو المزيد من ردّات الفعل في الوسط السوري المناهض لنظام الأسد، وتأتي هذه التصريحات في سياقات سياسية أفضى إليها مسار أستانا الذي ترعاه الدول الثلاث ( تركيا – روسيا – إيران ). ما يمكن تأكيده هو أن ردّات الفعل على العموم غالباً ما تنبثق من شعور آني وانفعال عاطفي تفرزه النتائج الراهنة للوقائع، وقلّما ينطوي على استقصاء للحقائق والبحث في المقدمات التي أفضت إلى تلك النتائج، وهذا بالطبع ليس تقليلاً من شأن ردّات الفعل كونها حقاً مشروعاً في التعبير عن الرأي، ولكن من المفيد – كما أظن – ألّا تصادر ردّات الفعل المشروعة والمحقة سبلَ التفكير الهادىء والاحتكام للمنطق في محاكمة الوقائع والمواقف، وهذا ما يدعونا للقول: إن ما حدث من استدارات في المواقف السياسية لتركيا أو لسواها إنما يأتي في السياق المنطقي لمصالح الدول التي تحرص على ألّا تكون سياساتها مفارقة لمصالح شعوبها، ذلك أن العلاقات الناظمة بين الدول ليست قائمة على معايير الحق والخير والجمال، بل على المصالح ولا شيء سوى ذلك، كما أن القادة القائمين على تنفيذ تلك السياسات ليسوا رهباناً أو قدّيسين أو من أولياء الله، بل هم موظفون ومُكلفون وستحاسبهم شعوبهم إنْ أخطؤوا أو انزاحوا إلى أهوائهم ومصالحهم الشخصية، وبناءً عليه يمكن الذهاب إلى أن مواجهة الإخفاقات والإشكاليات العميقة في القضية السورية ينبغي أن تبدأ من داخل البيت السوري لا من خارجه، ولئن كان من الصحيح أنه لا يمكن إنكار الأدوار السلبية للمجتمع الدولي حيال القضية السورية، إلّا أن تلك الأدوار السلبية ما كان لها أن تأخذ مداها لولا وجود من يقوم بتبنّيها والترويج لها وتنفيذها من السوريين، بل ممّن أصرّوا على أن يكونوا الوحيدين في تمثيل الثورة السورية، فالذين كانوا يمثلون المعارضة في مسار أستانا هم سوريون، والوفود التي كانت تشارك على مدى خمس سنوات في لقاءات أستانا كانت تتألف من عدد من قادة الفصائل العسكرية إضافة إلى عدد من شخصيات سياسية، وهؤلاء كلهم سوريون، كما أن أعضاء اللجنة الدستورية الذين اختزلوا القضية السورية بمسار دستوري عبثي هم من السوريين، بل إن الكيان السياسي السيادي الذي حظي على اعتراف سياسي أممي ودولي في تمثيل ثورة السوريين – وأعني الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة – هو كيان جميع أعضائه من السوريين، وهو ذاته – أي الإئتلاف – مَنْ قَبِل بفكرة تمييع القرارات الأممية حين رحّب بتقسيم ديمستورا للقرار الأممي إلى أربع سلال، تمهيداً لإلغاء الفكرة الجوهرية في القرارات الأممية، وهي فكرة إنشاء هيئة حكم إنتقالي، ومن ثم الاكتفاء بسلة الدستور التي انتهت إلى لجنة دستورية تتحكم روسيا بمصيرها ورسم مسارها العبثي الذي لا يستفيد منه سوى نظام الأسد.

لا شك أن أيّ انعطافة سياسية دولية لصالح نظام الأسد سوف توجع السوريين وتزيد في تعميق مأساتهم، ولكن يجب أن ندرك في الوقت ذاته أن الإنعطافات السياسية لا تحدث فجأة، بل غالباً ما تكون نتيجة لمسارات طويلة، بل نتيجة حتمية لمقدمات سبق ترسيخها والبناء عليها، ولعل ما يحصل اليوم من تحوّل في السياسات التركية حيال القضية السورية لم يكن وليد اللحظة الراهنة، بل بدأت إرهاصاته في الظهور منذ مطلع العام 2017 والتأسيس لمسار أستانا ، ومن ثم لقاء سوتشي أواخر العام 2019 حين قبلت المعارضة السورية بأن تكون مخرجات اللقاء المذكور هي السبيل الوحيد للحل في سورية، ولئن أنتجت المسارات المذكورة مخرجاتٍ ليست لصالح القضية السورية، فإن من سعى إليها وقبل بها بل ودافع عنها دفاعاً مستميتاً هي الكيانات الرسمية للمعارضة السورية، وهذه الكيانات جميع أعضائها هم سوريون وليسوا من أقوام أخرى، كما أن أعضاء هذه الكيانات قد قبلوا بأدوارهم التي قاموا بها بملء إرادتهم، بل ربما تنافسوا وتشاجروا ومارسوا كل أشكال الكيد لبعضهم البعض في سبيل أن يحظى أحدهم بعضوية في هذا الكيان أو ذاك، ومَنْ مِن هؤلاء يستطيع الزعم بأن الدولة الفلانية أو الطرف الفلاني أجبره على الانضواء في الإئتلاف أو هيئة التفاوض أو اللجنة الدستورية أو سوى ذلك؟ ثم إذا كانت الدول الحليفة لقضية السوريين اقتضت مصالحها أن تغيّر من مواقفها أو سياساتها، وهذا أمر طبيعي وفقاً لمنطق التغيير وعدم الثبات في السياسات، فما الذي أجبر كيانات المعارضة السورية على التماهي مع مواقف الدول واستداراتها السياسية؟ ألم يكن من الممكن اتخاذ موقف ينسجم مع المصلحة الوطنية السورية أولاً؟ ولو أنهم فعلوا ذلك فهل كانت الدول الأخرى ستطيح برؤوسهم؟ أم أن خوفهم وحرصهم على مكاسبهم ومصالحهم الشخصية هي البوصلة التي كانت تحدد مسارات سلوكهم؟

هذا بالطبع ليس تبريراً للسياسات التركية أو غيرها، كما أنه ليس جلداً للذات واستغراقاً في خطاب الشك والتخوين كما يحلو للكثيرين أن يسميه، ولكن هو وقوف أمام الحقائق التي ما نزال نوارب عن مواجهتها منذ سنوات، وتأكيدٌ على أن القضية الوطنية للسوريين لن تنهض بها إلّا سواعد أبنائها المخلصين وليس الوكلاء الخارجيون، وأن مواجهة المخاطر الخارجية تبدأ بتنظيف وتقوية دعائم البيت الداخلي قبل أن تنظر للعوامل الخارجية والاتكال على الآخرين.

ولكن على الرغم من ذلك كله، يمكن مواجهة السؤال التالي؟ لو أن دول العالم جميعها أعادت سفراءها وممثليها إلى دمشق، ولو أن رؤساء وملوك العالم جميعا زاروا بشار الأسد في قصر المهاجرين وأشادوا ببطولاته وصموده في محاربة الإرهاب كما يحلو لرأس النظام أن يدّعيه، كما لو أن جميع أعضاء الإئتلاف وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية ووو، ذهبوا إلى دمشق وصافحوا الأسد معتذرين له عن أخطائهم السالفة، فهل سيغيّر هذا كله ماهيّة نظام الأسد الإجرامية؟ وهل يستطيع العالم أجمع أن ينكر حرب الإبادة التي يمارسها الأسد بالسلاح الكيمياوي والبراميل على السوريين من 2011 وحتى الآن؟ وهل للعالم أن ينكر سقوط مليوني شهيد، وغياب مئات الآلاف في السجون، وتشرّد أكثر من عشرة ملايين مواطن سوري في شتى بقاع العالم؟ إذاً علينا دائماً التمييز بين سياسات الدول التي لا تعنى بالقيم، بل هي تتعامل مع أعتى أشكال الشر في سبيل مصالحها، وبين الثورة التي تستمد مقولاتها وخطابها مع معايير قيمية أساسها الحرية والعدالة والكرامة، الأولى متغيّرة دائما توجهها وتتحكم بها المصالح، والثانية ثابتة وستبقى ما بقيت البشرية.

إن خروج السوريين اليوم في مظاهرات سلمية معبرين عن رفضهم لأي مساومة على قضيتهم الوطنية، وكذلك رفضهم لاندثار أهداف ثورتهم، ومطالبتهم بإسقاط نظام القتل والإجرام الأسدي على الرغم من مرور اثني عشرة سنة على انطلاق ثورتهم، لهو التعبير الأنقى والرد الأكثر سطوعاً ليس على ممارسات النظام وحلفائه فحسب، بل على ممارسات المعارضة وسلوكها طيلة تلك الفترة في الوقت ذاته

 

المصدر : تلفزيون سوريا