الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ازدواجية المعايير في السياسة الدولية.. لم تبدأ في فلسطين ولن تنتهي في أوكرانيا

نبيل الخوري *

الحرب الروسية ضد أوكرانيا تُقابَل بإدانة دولية واسعة النطاق. منذ 24 فبراير/ شباط 2022، تتوالى ردود الفعل الساخطة بمعظمها. العالم ينقسم بين أكثرية معترضة على تلك الحرب، وأقلية صامتة، وأقلية أخرى من دول مؤيدة يصحّ وصفها خارجة عن القانون الدولي. لكن التصرّف العدواني الروسي ليس وحده ما يثير كل تلك الضجة والنقمة العالمية. هناك غضبٌ ينصبّ أيضاً على تصرّف آخر راح يتمظهر في ضوء الأزمة الأوكرانية. يتعلق الأمر بما كشفته أزمة اللاجئين الأوكرانيين في أوروبا من معايير مزدوجة تطبع أداء الأوروبيين وتعاملهم حيال مسألة المهاجرين من دول أفريقية أو آسيوية.

تصرّف لم يكن ممكناً أن يمر مرور الكرام. انْتقدته المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شابيا مانتو، مطلع مارس/ آذار 2022، قائلةً: “لا يهم ما هي هوية اللاجئين ومن أين أتوا. لنكن أكثر إنسانية ورأفة”، موجّهةً كلامها إلى الأوروبيين. وشجبه رئيس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، فرانشيسكو روكا، أواسط مايو/ أيار، مؤكّداً أن “هناك معايير مزدوجة (…) في ما يتعلق بطلب الحماية الخاصة باللاجئين”.

تساهم سياسة الكيل بمكيالين هذه في نكء جراح أخرى في هذا العالم، ذلك أن الأزمة الأوكرانية تفضح ازدواجية المعايير لدى الدول الغربية التي لم تتردّد في فرض عقوبات حازمة على روسيا بسبب انتهاكها القانون الدولي، فيما تغضّ النظر عن انتهاكات إسرائيل واحتلالها في فلسطين والجولان، منذ 1967. في المقابل، تكشف الأزمة الأوكرانية عن ازدواجية المعايير لدى الغربيين أيضاً، الذين تدخلوا في عدة دول، تحت ذريعة “واجب الحماية”، فيما هم يمتنعون عن التدخل المباشر في أوكرانيا لمحاولة ردع الروس وإلزامهم بالتراجع، مع أن حكومة كييف تطالبهم رسمياً بذلك، ما يُضْفي طابعا من الشرعية على التدخل إنْ حصل، حتى لو تعذّر الحصول على غطاء أممي بسبب “الفيتو” الروسي.

هذه المفارقات مألوفة في السياسة الدولية. لم تبدأ ازدواجية المعايير في التعامل مع المسألة الفلسطينية. ولن تنتهي، على الأرجح، مع أزمة أوكرانيا وتداعياتها. إذا كان للتاريخ ألف جولة وجولة مع العدالة الدولية ومع حل النزاعات، استناداً إلى المعايير والقوانين الدولية، فهو يحفل في المقابل بتصرّفاتٍ وممارسات تتسم بالمعايير المزدوجة.

عودة إلى القرن التاسع عشر:

قبل 1945، أي قبل نشوء منظمة الأمم المتحدة وانتظام العلاقات الدولية في إطار قواعد مشتركة وملزمة، يسجّل التاريخ سوابق عدة لسياسة الكيل بمكيالين. من بينها، مثلاً، سوابق حصلت في القرن التاسع عشر، وتتعلق بالمسائل اليونانية والبولندية والجزائرية.

عام 1830، نالت اليونان استقلالها عن السلطنة العثمانية، بعد تدخّل عسكري ثلاثي روسي بريطاني فرنسي داعم لليونانيين في حربهم ضد الأتراك الذين استعانوا بالمصريين. الحماس الروسي الخاص حيال استقلالية اليونان كان يقابله رفض روسي صارم لفكرة استقلال بولندا. أبطل القمع الوحشي الذي مارسته القوات القيصرية صيف 1831 مفعول قرار الاستقلال الذي أعلنه البولنديون مطلع العام نفسه. هكذا حُرِمَ هؤلاء من الحق الذي انتَزعه اليونانيون. كذلك، وبينما شاركت القوات الفرنسية في الحرب ضد العثمانيين نصرةً لاستقلال اليونان، كانت في السنة نفسها تغزو الجزائر للهيمنة عليها. برّرت باريس إنزالها العسكري هناك في العام 1830، تحت ذريعة وضع حد لأعمال القراصنة. لكن وجودها تحوّل إلى مشروع استعماري، تخلله شن حرب شاملة ضد التمرد الجزائري بقيادة الأمير عبد القادر الذي استسلم سنة 1847. بعد ذلك، تم إلحاق الجزائر بفرنسا. ولم تنل استقلالها إلا في العام 1962، إثر حرب تحررية دامية.

محاكمات نورمبرغ فقط؟

هذه عيّنة من حالات عدة تشهد على ازدواجية المعايير في السياسات الخارجية للإمْبراطوريات في القرن التاسع عشر، وذلك قبل أن يبلغ الاستعمار ذروته، وتبلغ معه الجرائم ذروتها أيضاً. وهي جرائم ظلّت من دون عقاب، حتى بعد 1945، بينما حوكِم المجرمون النازيون الألمان على كل الفظائع التي ارتكبوها خلال الحرب العالمية الثانية. “محاكمات نورمبرغ” تشهد على حرص الدول الكبرى (المنتصرة) على تحقيق العدالة في أوروبا، نصرةً لضحايا معسكرات الاعتقال و”الهولوكوست”. لكن إفلات المستعمرين البريطانيين من العقاب لاحقاً، كما حصل مثلاً في كينيا حيث مارسوا قمعاً عنيفاً ومفرطاً بحق حركة “ماو ماو” الاستقلالية، في خمسينيات القرن العشرين، شأن المستعمرين الفرنسيين الذين بالغوا مثلاً في قمع الاستقلاليين الجزائريين، مُرْتكِبين مجازر وجرائم، خير دليل على ازدواجية المعايير آنذاك.

القمع البريطاني في كينيا:

تشبّه الكاتبة والمؤرّخة الأميركية، كارولين إلكنز (Caroline Elkins)، أعمال الاضطهاد التي مارستها بريطانيا في كينيا بمعسكرات الاعتقال السوفياتية في سيبيريا في أثناء الحقبة الستالينية، وذلك في كتاب له صدر سنة 2006 تحت عنوان (Imperial Reckoning: The Untold Story of Britain’s Gulag in Kenya). صحيح أن المعطيات التي تكشفها إلكنز عن احتجاز البريطانيين لحوالي 320 ألف كيني في معسكرات الاعتقال، فضلاً عن سقوط عشرات أو ربما مئات الآلاف من القتلى، ناهيك بالمجاعة والتعذيب والاغتصاب…، أدت لاحقاً إلى تحرك القضاء البريطاني وإقرار تعويضات مالية لأكثر من خمسة آلاف ضحية كينية. لكن هذا لا يقلل من خطورة انتهاكات بريطانيا القانون الدولي وحقوق الإنسان، التي ارتُكِبَت بعد إقرار شرعة الأمم المتحدة ودخول العالم في مرحلةٍ كان من المفترض أن تحتكم فيها السياسة إلى منطق الحق بدلاً من منطق القوة.

إفلات من العقاب في فيتنام وبنغلادش:

انعدام إرادة تحقيق العدالة الدولية كان السمة الطاغية في تصرّفات الدول بعد 1945 وخلال الحرب الباردة، فحرب فيتنام وما تخللها من انتهاكات أميركية، تمثل حالة إفلات من العقاب. هذا ما دفع عالم الرياضيات البريطاني، برتراند راسل، والفيلسوف الفرنسي، جان بول سارتر، إلى إطلاق “محكمة رأي” في العام 1966، التي لم يكن لديها “صلاحيات قانونية”، لكن الغاية منها كانت إدانة سياسة الكيل بمكيالين عند الغربيين الذين امتنعوا عن تعميم منطق محاكمات نورمبرغ على الحالة الفيتنامية، بحسب ما ورد في كتاب للحقوقي الألماني، وولغانغ كاليك (Wolfgang Kaleck)، في كتابه الصادر سنة 2015، بعنوان “Double Standards: International Criminal Law and the West”.

تطارد الدول الغربية منذ سنين، حكومات وأنظمة على خلفية انتهاك حقوق الإنسان، بيد أنها تنسى “سجلها التاريخي” غير المشرّف في هذا المجال. والحصيلة مخزية. هذا ما يظهره الأكاديمي في “الجامعة الوطنية الأسترالية”، رميش ثاكور (Ramesh Thakur)، في دراسة له تحت عنوان “Policy Forum Article Ethics, International Affairs and Western Double Standards”، في مجلة “Asia & the Pacific Policy Studies”، سنة 2016. يقدم ثاكور أمثلة عديدة حول ازدواجية المعايير في السياسة الغربية، من بينها ما تعرض له البنغال على يد القوات الباكستانية، وسط صمت أميركي. خلال حرب تحرير بنغلادش، في العام 1971، ارتكبت باكستان جرائم حرب ومجازر بل إبادة بحق السكان البنغال. تشير التقديرات إلى مقتل ما بين مليون إلى مليونين بنغالي، فضلاً عن ملايين النازحين. حينها، دعمت الهند البنغال وتدخّلت لصالحهم، وهي حليفة الاتحاد السوفياتي، فيما حظيت باكستان بدعمين، أميركي وصيني. هنا، يذكر ثاكور أن الإدارة الأميركية غضت النظر عن الإبادة التي ارتكبتها باكستان، فقط لأنها كانت تحتاج لإرضاء الصين واستمالتها والتقارب معها بمواجهة الاتحاد السوفياتي.

تحرير الكويت فقط؟

مع انتهاء الحرب الباردة، ساد اعتقاد بأن زمن المعايير المزدوجة قد ولّى: انتصار الديمقراطية على الشمولية سيحمل معه التزاماً دولياً وأممياً صارماً بالقانون الدولي والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية. الاختبار الأول كان واعداً. حين اجتاح عراق صدّام حسين الكويت، وأعلن ضمّها في أغسطس/ آب 1990، أجازت الأمم المتحدة تدخلاً عسكرياً بقيادة أميركية لإلزام العراق بالانسحاب من الكويت. تحرير هذه الدولة الخليجية في 1991، كان يمثل بشرى سارّة لشعوب كثيرة، خصوصاً الفلسطينيين واللبنانيين. لكن تصرّف الولايات المتحدة والمجتمع الدولي سرعان ما بدأ يخيب الآمال. راح العالم يلمس من جديد أن سياسة الكيل بمكيالين ليست بائدة. تطبيق القانون الدولي في الحالة الكويتية لم ينسحب على الحالة الفلسطينية، ولا على الحالة اللبنانية آنذاك.

من جهة، يسجّل التاريخ تدخلاً عسكرياً أميركياً على رأس تحالف دولي وعربي لتحرير الكويت وحماية سيادتها واستقلالها وسلامة أرضها. ومن جهة ثانية، احتلال إسرائيل متواصل آنذاك لغزة والقدس الشرقية والضفة الغربية والجولان وجنوب لبنان، فيما لا تكتفي واشنطن بمجرّد التقاعس عن التدخل لإلزام إسرائيل بالانسحاب، أسوةً بما فعلت ضد العراق في الكويت، بل تستخدم حق النقض في مجلس الأمن لمنع أي محاولةٍ هادفة إلى فرض عقوبات على دولة الاحتلال. ومن جهة ثالثة، هناك تزامُن فاضِح بين تصرُّف حالَ دون استمرار الاحتلال العراقي لدولة عربية، ومصادقة أميركية ضمنية على الحسم العسكري السوري في لبنان، خريف 1990، وما تمخض عنه من تكريس للاحتلال السوري لدولة عربية أخرى، فقط لأن حافظ الأسد دعم المهمة الأميركية ضد صدّام حسين. في هذا المضمار، يشير المؤرخ الفرنسي، جان بيار فيليو (Jean-Pierre Filiu) إلى ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، بقوله إنه “في وقتٍ يتحرّك فيه العالم من أجل حرية الكويت، لم تُثِر عملية وضع لبنان تحت الوصاية السورية أي إدانة، باستثناء (الإدانة) الفرنسية”، وذلك في كتابه (Les Arabes, leur destin et le nôtre, Histoire d’une libération) الصادر سنة 2015.

أوهام النظام العالمي الجديد:

على هذا النحو، افتُتِحَ “النظام العالمي الجديد” الذي قادته الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. انتصار الديمقراطية على الشمولية كان يَفْتَرِض أن العالم سيكون مُقْبِلاً على حالة من المساواة في تطبيق المعايير الدولية. في الواقع، بدا هذا التفكير مجرد وهم. بالطبع، ثمة تجارب عدّة تَعْكس حرْص القوى الدولية على تحقيق العدالة الدولية وحماية حقوق الإنسان والسيادة، والحد من الانتشار النووي، ومحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، من البلقان مروراً بالشرق الأوسط وصولاً إلى أفريقيا. لكن هذا الحرْص، الذي يستحق الثناء، يقابله تقاعس وامتناع عن القيام بالعمل المطلوب في ميادين وحالات لا تُحصى، من أجل تطبيق المعايير والقواعد الدولية، بعيداً من سياسة الكيل بمكيالين.

حرب يوغوسلافيا في 1999، مثلاً، تندرج في خانة “واجب التدخل” من أجل حماية شعب كوسوفو من المجازر التي كان يتعرض لها على يد الصرب. لكن بعد نجاح عملية التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في إسقاط نظام سلوبودان ميلوسيفيتش، وتقسيم يوغوسلافيا، تكرّست ازدواجية المعايير عندما جرت محاكمة مجرمي الحرب الصرب فقط، وفي مقدمتهم ميلوسيفيتش، فيما ظلّت جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأطلسية ضد المدنيين الصرب من دون عقاب.

الطعن الأميركي بدبلوماسية حقوق الإنسان:

حربا أفغانستان 2001، والعراق 2003، تظهران أيضاً أن ما تسمّى الحرب ضد الإرهاب أو المعركة ضد الأنظمة المارقة، لم تمر من دون انتهاك القانون الدولي، ومن دون تجاوزاتٍ تتناقض مع أهداف دبلوماسية حقوق الإنسان، إلا أنها لا تزال خارج أي مساءلة ومحاسبة. التجارب، من معتقل غوانتانامو إلى سجن أبو غريب، مقلقة للغاية. وهي تؤكّد اعتيادية المعايير المزدوجة في السياسة الدولية. الباحث تيم دان (Tim Dunne) يلاحظ، في الفصل السابع الذي يحمل عنوان “المدرسة الإنكليزية” من كتاب “نظريات العلاقات الدولية، التخصص والتنوع”، الصادر في نسخته العربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سنة 2016، “أن سلوك الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية على الإرهاب يُشير إلى أن التراجع عن القيم الأساسية لحقوق الإنسان ليس أمراً مستحيلاً في معقل الليبرالية في العالم”.

محاكمات “لوموند ديبلوماتيك”:

أي مراجعة نقدية للأحوال العالمية في العقدين الماضيين من شأنها أن تكشف عن سجل أسود ومفتوح حول تصرفات دولية تتسم بسياسة الكيل بمكيالين. مجلة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية تُحوِّل صفحاتها إلى منابر لمحاكمات إعلامية متواصلة في هذا الصدد.

السياسة القائمة على التمييز المجحف بين الشعوب تتجلّى في العام 1999، مع تقديم الحماية لسكان كوسوفو بوجه الصرب، مقابل إحجام المجتمع الدولي عن حماية الشيشانيين من العدوان الروسي المروّع، ثم إفلات الروس من العقاب لاحقاً. في مكان آخر، يمثّل عدم الالتزام بتطبيق قرارات الأمم المتحدة تُلْزِم العراق بالتخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل، أحد الذرائع التي كانت تروّجها واشنطن لتبرير حملتها ضد نظام صدّام حسين. بغض النظر عن حقيقة أن واشنطن كانت تكذب بشأن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، إلا أن ازدواجية المعايير تتمثل في أن إسرائيل لا تزال ترفض تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وتركيا لا تلتزم بقرارات المنظمة الدولية بشأن المسألة القبرصية، وذلك من دون أن تحرّك واشنطن والقوى الدولية الأخرى ساكناً. على العكس، لم تتردّد إدارة الرئيس دونالد ترامب في نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس المحتلة، في انتهاك صارخ للقرارات الأممية بشأن وضعية هذه المدينة ومسألة السيادة عليها.

لا يتوقف النقد عند هذا الحد على صفحات “لوموند ديبلوماتيك”. مكافحة الانتشار النووي في العالم تُديرها واشنطن وفق منطق ازدواجية المعايير. مثلاً، يتصدّى الأميركيون لمحاولات إيران امتلاك قنبلة نووية، بينما لا مشكلة لديهم في التعاون النووي مع الهند، ولا يحاسبون إسرائيل وباكستان على امتلاك كل منهما أسلحة نووية.

يتعلق استهجان سياسة الكيل بمكيالين أيضاً بما حصل في العام 2011، حين أجازت الأمم المتحدة استخدام القوة في كل من ليبيا وساحل العاج، تحت ذريعة “واجب حماية السكان المدنيين”، فيما هي تمتنع دوماً عن فرض منطقة حظر جوي فوق قطاع غزة لحماية المدنيين الفلسطينيين من القصف الإسرائيلي. والنقمة على تلك السياسة التي تميز بين دولة ودولة وبين شعب وشعب، تطاول أيضاً ما حصل من تصرف حيال الوضع اللبناني بعد العام 2005، لجِهّة إلزام سورية بالانسحاب من لبنان استجابةً لطلب مجلس الأمن، ولجِهّة تأسيس “محكمة دولية خاصة” لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء، رفيق الحريري، في غياب أي ضغط يرمي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان، أو إلى إخضاع مجرمي الحرب الإسرائيليين في لبنان أو في فلسطين للمحاكمات. وطبعت ازدواجية المعايير أيضاً التعامل الدولي مع حالات “الربيع العربي”، فالسوريون حُرِموا من واجب الحماية بوجه القمع الوحشي الذي مارسه نظام بشار الأسد بحقهم. ولم يحظَ البحرينيون بتضامن غربي شبيه بالذي حظي به الليبيون والسوريون حتى. لعل أشهر موقف يعكس بوضوح ازدواجية المعايير، هو الذي قال فيه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ديفيد كاميرون، عام 2012، إن “البحرين ليست سورية”، مبرّراً الصمت حيال القمع بأن البحرين تطبّق الإصلاحات. المقصود هنا أن القوى الدولية قد تعاقب دولة وحكامها تحت ذريعة انتهاك مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، وقد تسامح آخرين، علماً أن انتهاكاتهم لا تقلّ خطورة ووحشية عن أولئك المُعاقَبِين. الكيل بمكيالين يحصل فقط لأن الأوائل يخدمون مصالح تلك القوى الدولية، فيما ينتهج الآخرون سياسات تتعارض مع هذه المصالح. هذا ما يحصل أيضاً في أفريقيا، حيث هناك مثلاً اعتراض فرنسي واضح وحازم على الانقلاب في مالي (مايو/ ايار 2021)، مقابل اعتراض محدود على الانقلاب في غينيا (سبتمبر/ أيلول 2021) أو بوركينا فاسو (يناير/ كانون الثاني 2022)، وغض النظر عن الانقلاب في تشاد (إبريل/ نيسان 2021).

قائمة ضحايا سياسة الكيل بمكيالين في العالم تطول. أما الحل فلا يتمثل في تعميم الإفلات من العقاب وفي التدخلات العسكرية غير الشرعية، أي التي تتم من دون تفويض أممي، كما حصل في كوسوفو والعراق أمس، وكما يحصل في أوكرانيا اليوم. بل في إعادة الاعتبار للقانون الدولي والمعايير الدولية. وفي بناء نظام دولي يُعامَل فيه الجميع على قاعدة المساواة. فهل هذا ممكن مع قوى دولية مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا…، المأخوذة بسياسات النفوذ والتوسع والهيمنة والسيطرة على الموارد ومصادر الطاقة؟

………………………………

مراجع من مجلة “لوموند ديبلوماتيك”، لم يتم ذكرها في النص:

Philippe Leymarie, “Mali, Ukraine : quelle défense pour les prétendants à l’Élysée ?”, Le Monde diplomatique, 17 février 2022; Sabine Cessou, “Coups d’État : régression démocratique en Afrique ?”, Le Monde diplomatique, 26 janvier 2022; Anne-Cécile Robert, “L’ordre international piétiné par ses garants”, Le Monde diplomatique, Février 2018; Ibrahim Warde, Un plan Marshall sans lendemain pour les « printemps arabes », Le Monde diplomatique, Octobre 2014; Anne-Cécile Robert, “Origines et vicissitudes du « droit d’ingérence »”, Le Monde diplomatique, Mai 2011; Alain Gresh, “Beyrouth dans les rets du Tribunal spécial”, Le Monde diplomatique, Février 2011; “Prime nucléaire pour l’Inde”, Prime nucléaire pour l’Inde, Le Monde diplomatique, 23 novembre 2006; Ignacio Ramonet, “Poudrière libanaise”, Le Monde diplomatique, Mars 2005; “Deux poids, deux mesures”, Le Monde Diplomatique, Décembre 2002; Claudio Cordone, Avner Gidron, “Faut-il juger l’OTAN ?”, Le Monde diplomatique, Juillet 2000; Dominique Vidal, “Kosovo – Tchétchénie, deux poids deux mesures”, Le Monde diplomatique, 5 novembre 1999; Edward W. Said, “La trahison des intellectuels”, Le Monde diplomatique, Août 1999.

_______________________

* كاتب أكاديمي لبناني من أسرة “العربي الجديد”

المصدر: العربي الجديد