الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ظاهرة الأمير محمد بن سلمان

محمد سيد رصاص

هناك تقليد متبع في السعودية حالياً، وهو أن يقوم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باستقبال رؤساء الدول أو الملوك في المطار، نظراً للحالة الصحية للملك سلمان بن عبد العزيز. لم يحصل هذا أثناء الزيارة الأخيرة للرئيس الأميركي جو بايدن للسعودية، حيث استقبله أمير مكة خالد الفيصل.

لم يأتِ هذا فقط من توتر العلاقات السعودية – الأميركية في عهد بايدن، بل يمكن عزوه إلى نزعة ظهرت بالسنوات الأخيرة منذ وصول الأمير محمد لولاية العهد في عام 2017 نحو الاستقلالية عن واشنطن أو أخذ مساحة من التمايز في السياسة السعودية عن المواقف الأميركية، كان الموقف من الحرب الأخيرة في أوكرانيا أبرزها عندما رفضت السعودية الطلب الأميركي لزيادة إنتاج النفط من أجل تخفيض أسعاره بعد أن بلغت تأثيرات ارتفاعه على الداخل الأميركي، فيما كانت الرياض قد استجابت لذلك الطلب الأميركي في أثناء أزمة القرم عام 2014 عندما قامت بزيادة الإنتاج وإغراق الأسواق مما خفض الأسعار بشكل كبير وأحدث تأثيراً واضحاً على المداخيل الروسية من النفط.

في هذا الإطار يلاحظ اتجاه السعودية بالسنوات الأخيرة نحو تنسيق وثيق مع الروس في المجال النفطي ضمن مجموعة أوبك- بلاس، مع تقاربات في السياسة بعيداً عن الأميركان نجدها بشكل كبير في النزاع الليبي حيث موسكو والرياض تدعمان قوات الشرق بزعامة اللواء خليفة حفتر فيما واشنطن أقرب لتركية في دعم حكومة طرابلس الغرب. هناك أيضاً مجال ثاني لا يرضى عنه الأميركان، نجده في  اتجاه الرياض نحو علاقات اقتصادية كبيرة مع الصين.

يمكن هنا القول بأن اتجاه واشنطن نحو عقد الاتفاق النووي مع إيران هو أساس التوتر السعودي- الأميركي وقد ظهر هذا واضحاً بعام 2015 عند عقد الاتفاق، ثم حصلت تقاربات مع انسحاب إدارة الرئيس ترامب من الاتفاق عام 2018 والآن يعود التوتر مع اتجاه بايدن للعودة لاتفاق 2015، ويمكن هنا توسيع البيكار لحدود القول بأن نزعة الاستقلالية عند الأمير محمد بن سلمان قد وجدت مسوغاتها في ذلك المنظر الصادم لحلفاء واشنطن في المنطقة والمتمثل في الاتجاه الأميركي نحو طهران منذ الاتفاق النووي الذي جرى عام 2015 (والذي يصر بايدن الآن على العودة إليه) مع إغماض واشنطن عينيها عن التمدد الإيراني في الإقليم الشرق الأوسطي بما فيها الخاصرة السعودية الرخوة في اليمن وهو أمر لم يكن يفصل فيه سقوط صنعاء بأيدي الحوثيين سوى عشرة أشهر عن اتفاق واشنطن- طهران النووي في 14 تموز/ يوليو 2015، وهناك مؤشرات كثيرة على أن واشنطن لا توافق على الحرب التي تشنها الرياض ضد الحوثيين في اليمن منذ يوم 26 آذار/ مارس 2015.

من جانب آخر، فإن ظاهرة محمد بن سلمان ربما لا يكون مجال السياسة الخارجية هو المجال الأبرز بها بل السياسة الداخلية، حيث تم بالسنوات الخمس الماضية تحجيم نفوذ أفراد الأسرة السعودية الذين ينحدرون من سلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، وتحجيم نفوذ رجال دين المذهب الوهابي الذي اقترن بآل سعود في المملكة السعودية التي قامت عام 1932، كما وضعت قيود وإجراءات عديدة لتقليص نفوذ رجال أعمال كبار، بالترافق مع تصفية نفوذ جماعة الإخوان المسلمين الذي تغلغلوا في الأجهزة التعليمية الجامعية وما قبل الجامعية السعودية، وكان لهم نفوذ كبير في الصحافة وفي المجالات الثقافية،وقد بدأ نفوذ (الإخوان المسلمين) بالظهور مع هجرات قيادات وكوادر الجماعة المصريون  للسعودية منذ صدامهم مع الرئيس جمال عبدالناصر بعام 1954 ثم تعزز هذا مع مجيء سوريين من قيادات وكوادر التنظيم السوري للجماعة منذ صدام الأخيرة مع سلطة حزب البعث في عام 1964 بحماة وتعزز هذا المجيء إثر صدام وأحداث 1979-1982 بين الإسلاميين والسلطة السورية.

هنا، وفي مجال السياسة الداخلية يمكن القول بأن الأمير محمد بن سلمان منذ إمساكه بمقاليد الأمور في الرياض مع تسميته ولياً للعهد في حزيران/ يونيو 2017 قد قام بعملية تأسيس ثانية للمملكة وأنه هو المؤسس الثاني بعد جده الملك عبد العزيز المتوفي عام 1953، حيث أن  كل من تعاقب على السلطة السعودية لم يحاول إحداث تغييرات راديكالية بل كان الديدن والمسار يتمثلان في المحافظة على نفوذ الأسرة وامتيازاتها وفي الاقتران السعودي- الوهابي وبالسماح بحرية حركة واسعة لرجال أعمال يحتمون ويغتنون من خلال العلاقة بالقصر أو بالأسرة أو بعض أفرادها زائد أيديولوجية اخوانية أصولية استفادت منها الرياض في الصراع ضد عبدالناصر أو ضد موسكو وبالتعاون مع واشنطن بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، وكل ذلك في ظل ما أرساه الملك عبدالعزيز بعد لقائه مع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عند قناة السويس في آذار/ مارس 1945من علاقة مع واشنطن كانت هي المحدد المحوري للسياسة الخارجية السعودية.

هذا المسار السعودي الداخلي أفرز سياسات جديدة في حرية المرأة بنزع الحجاب وفي قيادة السيارة وفي التجول الداخلي وفي السفر للخارج، كما أعطى اجتهادات دينية جديدة هي على مسافة قصية من الاعتقادات السلفية الوهابية تشمل حتى ثوابت ومسلمات في العقيدة أو تحاول مسها كما أنها تمس رموزاً مثل البخاري وأحاديثه النبوية، كما أن هناك حريات اجتماعية جديدة لم تكن موجودة سابقاً مثل افتتاح دور السينما والاختلاط بين الجنسين الذي أصبح بحدود واسعة.

وهناك مؤشرات على أن السعودية مقبلة على تحولات أيديولوجية – ثقافية واجتماعية كبيرة ولكن من دون الوصول إلى حريات سياسية، في شكل شبيه بالنظامين الحاليين في روسيا والصين حيث سلطة رجل واحد ولكن مع حريات اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة. وفي هذا الصدد، يجب الانتباه إلى مسار جديد على صعيد الفكر الإسلامي تخطه السعودية الآن، فيما كانت منذ ثلاثينيات القرن العشرين هي مركز المحافظة الإسلامية الفكرية بينما كانت آنذاك القاهرة ودمشق تعجان بالأفكار الليبرالية والقومية والماركسية. الآن ما يطرح على صعيد الفكر الإسلامي في الرياض هو أكثر انفتاحاً مما يطرح في القاهرة ودمشق حتى بالمقارنة مع  مؤسستي الإسلام الرسمي في مصر وسوريا.

المصدر: نورث برس