الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أما آن لهذا الشعب اللبناني أن ينفجر؟

وفاء أبو شقرا *

كان رجلٌ يحرس مزرعة البطّيخ التي يملكها. وفي إحدى الليالي، داهم لصّان مزرعته. وعندما سمع الرجل صوتهما، تمدّد على الأرض وتظاهر بالنوم. إذّاك، قال أحد اللصّيْن لزميله بصوتٍ عالٍ: “إذا كان صاحب المزرعة مستيقظاً سأذبحه”. ثمّ سأل صاحب المزرعة: “هل أنت نائم؟”. فتمتم صاحبنا مرتجفاً: “نعم.. نعم”!

سرق اللصّان ما طاب لهما من البطّيخ. بينما صاحب المزرعة وحارسها نائم مستيقظ. مثلما أمره اللصّان. اللصّ جبان، هذه حقيقة لا جدال فيها. يخاف من أيّ حركة يسمعها أثناء ممارسة جريمته. لكن، مع هكذا نوعٍ من الحرّاس، تنقلب المقاييس. إذْ تدبّ الشجاعة في قلب اللصّ. ويصبح الحارس، الخائفَ المرتعِد أمامه. أَوَليس هذا واقع شعبنا الذي يحرس بلدنا المزرعة ولصوصه؟ بلى. ففي هذه الأيّام، لا صوت يعلو فوق صوت الجنون في لبنان. ومع حفلة الجنون، التي أخرجت الجميع من عقالهم، احتلّينا صفحات الموسوعات العالميّة. من باب التمايز والاستثناءات، طبعاً. وعُرِضت أرقامنا تحت عنوانٍ يقول: “لم يحصل هذا.. إلاّ في لبنان”!

يقف اللبنانيّون، ومَن يأبه لحالهم، مشدوهين لرؤية ما يحصل لهم. يتأمّلون زعماءهم، وهم يقوّضون ما تبقّى من الدولة. وهم يُلقون عليهم المرثيّات. كم تشبه الرقص على جثث الضحايا! يعدونهم وعوداً صادقة، بنيّة تخريب كلّ شيء. وبموتٍ أفضل، لهم. وبذلٍّ أفعل، لأولادهم. لا يخلو حديثٌ في لبنان من الإشارة إلى موجات “الإذلال” التي تجتاح الناس. من النهر الجنوبي الكبير حتّى الناقورة. ومن السلسلة الشرقيّة حتّى البحر المتوسّط. لم يعد هذا الإذلال المُقوْنَن سلوكاً للتسلّط. ولا أسلوباً للحُكم. ولا نهج المتسلبطين للتطويع. صار الإذلال عندنا فنّاً. سلاحاً فتّاكاً. نوعاً من الصواريخ الدقيقة التي تصبّ على هدفها فجأةً، ومن دون مقدّمات. تماماً، كالموت بالسكتة القلبيّة أو الدماغيّة. أو أيّ نوعٍ من الكوارث والمحن والنوازل.

كثيرة هي الشعوب المذلولة في العالم. وفي عالمنا العربي، بخاصّة. معظمها يعبّر، علناً، عن معاناته تحت وطأة الانكسار. إمّا بالندبيّات. وإمّا برفع القبضات. إلاّ شعب لبنان. فهو يحترف الحزن والصمت والانتظار. يرتقب الآتي الذي لا يأتي. وكلّما تفاقم انحداره وتحطّمه وتقهقره أمام ناظريْ سائر الشعوب. كلّما تضاعفت قدرته على الزحف وتحمّل الإذلال. نعم. يمتاز اللبنانيّون، عن غيرهم من الشعوب، بخاصّيّةٍ نادرة. إنّهم الشعب الوحيد الذي يستيقظ كلّ صباح، تقريباً، على ذلٍّ من الجوّ. وعلى مروحةٍ واسعة من المهانات الأرضيّة.

لكنّهم لا يستشعرون بتلك المهانات. فهُم كالمخدَّرين. نائمون مثل صاحب مزرعة البطّيخ إيّاه (أتذكرونه؟). لا يختلجون. لا ينطقون بحرف. يتركون للصوص البطّيخ، حريّة السطو على حياتهم وأحلامهم. ويرتعب هؤلاء اللبنانيّون المنكوبون، من مجرّد التفكير بالتشهير بمَن كان سبب نكبتهم. أو أن يتحدّثوا عمّا اقترفوه، حتّى. إلى درجةٍ بات يشعر معها هؤلاء اللصوص، أنّهم محصّنون بقانون خوف هذا الشعب. فباتوا، هم، مَن يُخيفون الناس وكأنّهم على حقّ. وصار الناس يخافون من اللصوص وكأنّهم، هم، على باطل. وأكثر. يشعرون أنّهم يرتكبون جرماً، إذا نادوا بمحاسبة أحدهم! فالعدالة تتحقّق، بنظرهم، إذا خضعوا لقوانين اللصوص الكبار. واستقووا، بالمقابل، على اللصوص الصغار. وحاسبوهم إذا سرقوا الملّيم الواحد! نعم. نحن نشهد في لبنان، يا أصدقاء، على أسوأ معادلةٍ لاأخلاقيّة على مرّ العصور. معادلة، جعلت هذا الشعب خانعاً مطأطئ الرأس. يتّخذه حُكّامه رهينة. لا أحد يفكّر بدفع فدية لتحريرها. إنّها سابقة في تاريخ الشعوب والأوطان. على ماذا يدلّ ذلك؟

يدلّ أوّلاً، على أنّ المواطن اللبناني صار إنساناً مهزوماً. يملأ كيانه الخوف من تحمّل المسؤوليّة الناجمة عن كونه حرّاً. لذا، يحاول الهروب من خوفه الذي يتفاقم، بداخله، يوماً بعد يوم. والكارثة في هذا الهروب، أنّ اللبناني بات يستسيغه. وهذا ما يفضي إلى التفسير الثاني. أي أنّ شعبنا، يعيش انهياراً فكريّاً وثقافيّاً. انعكس انهياراً أخلاقيّاً وقيميّاً خطيراً. وتعمّقت في البلاد، على ضوء هذا الانهيار، الخلافات والفروقات الثقافيّة والقيميّة بين الناس. هي، غالباً، خلافات وفروقات ناجمة عن مقام الطبقات الاجتماعيّة والثقافات الشعبيّة أو الحديثة المتعلّقة بها.

وعليه، لم يعد اللبنانيّون أكثر من شعبٍ يُستخدَم كردّ فعلٍ لكلّ فعل. كصدى لكلّ فرقعة. كقنابل موقوتة محشوّة بمتفجّرات فئويّة وعصبويّة. شعب يتحرّك، عن بُعد، بـ”ريموت كونترول”. كُنْ فيكون. انتخب فينتخب. إقتلْ فيقتل. و.. تُكمِل سلاسل الأوامر. أمّا التفسير الثالث، فهو “ثقافة الأنا” التي تفشّت بين اللبنانيّين. ثقافة تقوم على البحث عن الخلاص الفردي. فيصير أقصى اهتمام الفرد اللبناني، هو تأمين مصالحه الشخصيّة الضيّقة. ولا يهمّه، بالتالي، أن يغمر الطوفان كلّ الوطن وأبنائه. وهذا وإنْ كان يدلّ على أنانيّةٍ مفرطة. غير أنّه مؤشّر، في الوقت عينه، لقصورٍ في الوعي.

فالتكافل بين أفراد الشعب الواحد ليس موقفاً أخلاقيّاً، فحسب. بل فيه مصلحة للجميع. لأنّ السلطة الجائرة، وإنْ لم تجد مَن يردعها، فسيعمّ جَوْرها على الجميع. وسيدفع الساكتون ثمن سكوتهم. مثلهم مثل غيرهم. إذْ يقول المثل الشعبي الجيورجي، “الخروف يخاف دوماً من الذئب، لكنّ الراعي هو الذي يأكله”. أَوَلم يأكلنا الرُعاة في لبنان؟ بلى. أمّا التفسير الرابع، فهو أنّ نفس المواطن اللبناني باتت مبتورة. وتشوب النفس المبتورة، عادةً، تشوّهات في الفكر والروح. وقع اللبنانيّون في فجوة عوالم متفارقة تتدافع. فيشوّه أحدها الآخر. ما أدّى إلى انغلاقهم على نفوسهم. وإلى انفصام نظرتهم إلى العالم (الذي يصير واقعه مشوّهاً). تماماً، كالنظر في مرآةٍ مكسورة. هل تجيب تفسيراتنا، أعلاه، على السؤال الإشكالي الكبير: لماذا هذا الصمت المدوّي لشعب لبنان حيال ما يكابده من ويلات؟ كلا.

“القتيل ليس بريئاً من جريمة قتله”، يقول جبران خليل جبران الكاتب الذي لا ينفكّ اللبنانيّون يتغنّون بانتمائه إلى “شعب لبنان العظيم”. وهو، لو شاهدهم من عليائه اليوم، لشقَّ نفسه، على الأرجح، على طريقة الانتحار اليابانيّة الـ”هاراكيري”. فالشعوب تصنع الخراب، بصنعها للحُكّام وتقديسها لهم. هذا ما فعله شعب لبنان، بالضبط. شعبٌ، دوّى بقربه ثالث أضخم انفجار في العالم وظلّ نائماً، فما الذي يمكن أن يوقظه بعد؟ نعم، سؤال تعجيزي. شعبٌ، سرقت المصارف جنى عمره “عيْنَك بعيْنَك” فصار يزاحم كالكلب التائه لأخذ فتات دولاراتٍ يتاجر بها في السوق السوداء، فما الذي يجعله يُسائل سارقيه أو يحاسبهم؟ سؤال تعجيزي ثانٍ. شعبٌ، يعتقد أنّ حقوقه الطبيعيّة ليست سوى مِنّة ومساعدة ومكرمة من زعيمه ومسؤوله الحزبي، فما الذي سيُقنِعه بأنّ هذا الزعيم وذلك المسؤول قد شيّدا قصورهما من المتاجرة بحقوقه؟ سؤال تعجيزي آخر. لن أسترسل في التساؤلات التعجيزيّة. فالإجابة عليها، هي الإعجاز بحدّ ذاته. وبعد؟

يعيش الزعران، المتحكّمون بهذه البلاد، اطمئناناً غير مسبوق. فلا منافسين لهم. ولا أخلاق تردعهم. ولا كرامة “تُزَوْبع” في ضمائرهم. ولا مهارات تستر تفاهتهم. أو كفاءات توقف موتنا الآتي. فمن الجنون، إذاً، أن نتوهّم صحوةً تغيّر جدّياً وفعليّاً المشهد القائم. حتّى ولو قُتِل الآلاف يوميّاً. حتّى ولو عمّت المجاعة. فشعب لبنان لم يتّعظ من تجاربه. ولم يستشرف ما هو مُقبِل عليه. وهو لا يستبق، كذلك، سقوط الهيكل على رؤوس الجميع. فيشرع بحوارٍ صريح ومعمَّق يفضي إلى اتفاق وطني جامع. لا يفعل شيئاً، سوى “النقّ” أمام الكاميرات. والتفلُّت الغرائزي على مواقع التواصل الاجتماعي. أمّا “المناضلون”، فلقد شاخوا أو رحلوا أو صاروا جبناء. ومنهم مَن يحتالون على الواقع المعيش، بسخطٍ وأنفاسٍ ضيّقة. أو يتذاكون بالوقوف على الحياد، بصمتٍ مريب. لعلّهم، حين تنقشع الغبار، يحصدون غلّة الكروم.

كلمة أخيرة. لم يمتلك الشعب اللبناني ما يكفي من الأنانيّة الوطنيّة، كي يسعى إلى إنقاذ البلاد والنجاة بنفسه من أعاصير المنطقة. بل انخرطت طوائفه وأحزابه في صراعاتٍ أكبر منها. فحوّلت الكائنات اللبنانيّة إلى محاربين أو بيادق. فماذا ينفع هذا الشعب إذا ربح معارك كونيّة، فيما السواد الأعظم من اللبنانيّين قد خسروا معركة الحياة؟ إقتضى التساؤل.

* أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

المصدر: 180 بوست