الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عبد الرحمن الداخل – صقر قريش ومجدد الدولة الأموية -3

 

معقل زهور عدي

نبذة عن تاريخ الأندلس حتى الفتح

شهدت شبه الجزيرة الايبرية ( أسبانيا والبرتغال ) موجات متعاقبة من هجرات الشعوب منذ ماقبل الميلاد، ومن أوائل تلك الهجرات هجرة الفينيقيين حوالي 800 قبل الميلاد الذين أقاموا فيها المستعمرات في القسم الجنوبي، واستخدموها كمرافىء لتجارتهم، وكمصدر لاستخراج المعادن مثل القصدير والفضة، ونقلوا إليها زراعة الزيتون والكروم، وتلا ذلك هجرة اليونانيين 575 قبل الميلاد وقد كانت محدودة بمستعمرتين متفرعتين عن مرسيليا ، وقد وجدت مستعمرات يونانية أخرى عاشت في زمن لاحق وقد أطلق المؤرخون تعبير إيبري على الشعب السابق لغزو الرومان والتي تكونت هويته أساسا من دمج الثقافتين اليونانية والفينيقية واتصفت بانشاء المدن ويبدو أن المستعمرات الفينيقية كانت أكثر عددا وأهم من حيث التأثير الثقافي، وحسب الموسوعة البريطانية فإن مجتمعات العصر البرونزي الأصلية تفاعلت بحيوية مع ثقافة الفينيقيين ثم مع اليونانيين وبالتالي فقد تبنت قيم شرق المتوسط وأدواته التقنية وبحلول الفترة 550 قبل الميلاد، كانت الثقافة الإيبرية قد أصبحت مميزة في جنوب وشرق شبه الجزيرة الإيبرية، وقدأعقب اليونانيين غزو القرطاجيين لجنوب إيبريا ومع الحرب بين روما وقرطاجة التفتت روما الى أهمية إيبريا وبدأ بعدها الغزو الروماني لشبه الجزيرة حوالي 200 قبل الميلاد.

وفي داخل إيبريا وخاصة باتجاه الشمال والغرب فقد وجد هناك شعب آخر أطلق عليه اسم السيلت واللوسيتانيان، وقد تأثر ذلك الشعب بالإيبريين في العادات وفي طريقة الحياة، كما أنه امتلك لغة مختلفة ذات أصول هندو– أوربية.

وفي البداية اهتم الرومان ببعض المناطق في إيبريا ذات الأهمية الاستراتيجية، ثم وسعوا سيطرتهم تدريجيا، لكن تلك السيطرة قوبلت بمقاومة ضارية من قبل السكان الإيبريين.

في عام 359 للميلاد قام الامبراطور الروماني ديوكلتيانوس بفصل الجزء الغربي من الامبراطورية الرومانية عن الجزء الشرقي والذي دعي فيما بعد بالامبراطورية البيزنطية، وفي ذلك الجزء الغربي ( الامبراطورية الرومانية الغربية ) نشأت مملكة القوط الغربية في جنوب فرنسا وشبه الجزيرة الإيبرية، والقوط هم قبائل جرمانية الأصل نزحت من شمال أوربة في القرن الخامس الميلادي، وإحدى تلك القبائل كانت تسمى بالفاندالس ومن ذلك الاسم اشتق العرب اسم الأندلس وقد سيطرت مملكة القوط الغربية على أسبانيا والبرتغال سيطرة تامة، وانسحبت من القسم الفرنسي الى داخل جبال البيرينية الفاصلة بين أسبانيا وفرنسا بعد أن اجتاحت قبائل الفرنجة فرنسا. وجد القوط أنهم أقلية بالنسبة لسكان إيبريا فلم يزد عددهم عن 200000 نسمة مقابل عدد سكان يقارب 6 مليون نسمة من السكان الإيبريين والسيلت والرومان واليهود الذين يتفوقون عليهم في الحضارة . وربما كان شعورهم بأقليتهم وتأخرهم الحضاري ورغبتهم في التقرب من السكان الأصليين للتمكن من السيطرة على البلاد هو ما دفعهم الى تغيير مذهبهم نحو الكاثوليكية

وقد أحدث تحولهم من المسيحية الأريوسية نحو المسيحية الكاثوليكية عام 589 للميلاد انعطافا في علاقتهم مع الرومان الكاثوليك. وانحسرت اللغة القوطية لصالح اللغة اللاتينية، وبقيت مملكة القوط الى أن فتح المسلمون الأندلس بينما انحسر حكم أمراء القوط الى مملكة أستورياس في الشمال والتي أصبحت فيما بعد مركزا لانطلاق الحملات الحربية ضد الأندلس.

وقبيل دخول المسلمين للأندلس كانت البلاد بحالة قريبة من الفوضى، ويبدو أن القوطيين ظلوا بنظر السكان طبقة حكام تحتكر السلطة والثروة بينما الرومان وسكان البلاد الأصليين وهم غالبية الشعب الذي يعمل في الأرض والحرف اليدوية يشعر بالظلم والتمييز وذلك ماذهب اليه المؤرخ فرانسيسكو جافير سيمونت وأيده فيه الدكتور حسين مؤنس في كتابه فجر الأندلس .وقد أدى ذلك الإنقسام الى ثورة بين النبلاء القوطيين الذين أرادوا إحكام سيطرتهم على البلاد بزعامة رودريك الذي سماه العرب لذريق وبين خصمه رخشندش حاكم طليطلة ووصي العرش بعد موت الملك غيطتشه والذي تسلم السلطة فعليا على مملكة القوط واستطاع كسب ولاء المزارعين والطبقة الوسطى الرومانية، بينما عمل رودريك على تشديد قبضة القوط في مواجهة تذمر السكان وانتهى ذلك النزاع بانتصار رودريك ودخوله طليطلة العاصمة وهروب أبناء غيطتشه الى شمال أفريقية.

وقد شهدت الفترة الأخيرة من حكم القوط اضطهادا لليهود تسبب في هجرة كثير منهم الى شمال أفريقيا.

شكلت الانقسامات السابقة، ومشاعر الظلم والاضطهاد عند الرومان والإيبريين واليهود أرضا خصبة لدخول المسلمين إلى الأندلس. وقد ألمح المؤرخون لذلك بقصص متعددة منها ما تناول المساعدة التي قدمها خلفاء وحاشية الملك القوطي الذين هربوا الى المغرب لجيش طارق بن زياد، ومنها أيضا ما يقال عن مساهمة اليهود في تقويض حكم القوط لصالح المسلمين.

كانت شمال أفريقيا تحت إمرة موسى بن نصير الذي عينه عبد العزيز بن مروان حاكم مصر، وفي عهد الوليد وصلت جيوش المسلمين الى سبتة وهي أقصى المغرب المقابلة لمضيق جبل طارق، وقد أوكل موسى بن نصيرهناك طارق بن زياد، وبعد أن جمع طارق بن زياد أخبار الأندلس تشجع فقام بعبور المضيق مع سبعة آلآف مقاتل عام 711 للميلاد، وسرعان ما لاقى رودريك ( لذريق ) ملك القوط الذي أسرع لمواجهته مع جيش يزيد عن ثلاثين ألف رجل ، غير أن موسى بن نصير استدرك الأمر بارسال مدد من 5000 مقاتل الى طارق بن زياد، وجرت معركة فاصلة في وادي لكة بمقاطعة قادس الحالية انتصر فيها المسلمون انتصار باهرا رغم تفوق القوط العددي الساحق، وفتح الطريق أمامهم للسيطرة على الأندلس.

وخلال ثلاثة أعوام كانت شبه الجزيرة الإيبرية بكاملها قد خضعت للمسلمين عدا جيب صغير في جبال أوسترياس الوعرة في الشمال.