الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

 اللجوء والحفاظ على اللغة والهوية.. الأطفال نموذجاً

عبد الباسط حمودة

بعد مرور أكثر من 11 عاماً على قيام الثورة السورية، ونتيجة لما حدث من قصف للمناطق الثائرة من قبل نظام الإجرام السوري، نزح الملايين من المدنيين داخلياً وعدد كبير منهم لجأ إلى الدول المجاورة، أو إلى أوربا، وبعد تلك السنوات بدأت تطفو مشكلة تعليم الأطفال السوريين الذين بدؤوا تعليمهم في تلك الدول وهي ضعف اللغة العربية أو حتى عدم القدرة بالتكلم بها وإتقان اللغة الأجنبية بدلاً منها، الأمر الذي بدأ يشكل قلقاً عند الأهل من أجل الحفاظ على اللغة الأم وبالتالي الهوية العربية.

وهكذا فإن ذوو الأطفال السوريين أخذوا بالبحث عن رياض أطفال ومدارس تقبل تعليمهم بلغتهم الأم وفي حال التعذر وهو الغالب فقد انخرطوا بمدارس الدول المضيفة ومن لم يستطع فقد ينسى لغته الأم- اللغة العربية- بسبب هذا اللجوء وتبعاته على كل عائلة سورية، لما لقطاع التعليم من نصيب كبير منها واضطرار الطلاب السوريين إلى الالتحاق بمراكز التعليم الحكومية المتوفرة لهم في كل دولة لجوء والتي تعتمد في تعليمها اللغة الأجنبية الرسمية التي في الغالب الأعم لا يعرفها السوريون وخاصة الأطفال، مما سبب حرمان هؤلاء الأطفال من التعلم بلغتهم الأم.

إنها مشكلة تضاف لعديد المشاكل التي رافقت اللاجئ السوري، فضلاً عن مشكلة الوثائق الخاصة ونقص الموارد. الخ، لما لها ارتباط بالسياق التاريخي للحياة والظروف الاجتماعية والتعليمية عامة والنظام التربوي في سورية قبل اللجوء، لتتحول لغتهم الأم إلى ضرورة وذات أهمية استثنائية في ظروف غياب نفس النظام التربوي السابق، والتعامل مع لغات وأنظمة تربوية لها علاقة بدول اللجوء غير العربية- وهي الأعم- مما رتب على الأهل ضغوط مضاعفة لتعليم أطفالهم وخاصة بلغتهم الأم والحفاظ عليها ولو في المنزل، وقد كان لبرامج الاندماج في تلك البلدان غير العربية الآثار السلبية على تعلم اللغة العربية من قبلهم.

لقد بلغ عدد الأطفال السوريين مئات الآلاف في بلدان اللجوء، فمنها ما سمح للأطفال بالتحصيل العلمي بلغته الأم- في البلدان غير العربية- إضافة للغة البلد الأجنبي التي لجئ إليها ومنها ما تعذر ذلك، وهنا يبدو دور الأهل أكثر من ضروري والذي ينعكس على ظروف الأهل وأوقات عملهم وراحتهم كي يتعلم أبناؤهم لغتهم الأم ويتحدثوا بها ضمن تأهيلهم الاجتماعي والديني الواجب عليهم، وفي لبنان وحسب منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن وزارة التربية اللبنانية تتعامل بكل قسوة مع السوريين عامة وخاصة تعليم الأطفال، وقد منع أكثر من نصفهم من ارتياد المدارس اللبنانية، علماً أن الأمم المتحدة تتكفل بأغلب مصاريف وتكاليف العملية التربوية، إذ يقبع آلاف الأطفال السوريين اللاجئين خارج المدارس بسبب السياسات التي تشترط حصولهم على سجلات تعليمية مُصدَّقة، وإقامة قانونية في لبنان، وغيرها من الوثائق الرسمية التي لا يستطيع معظم السوريين الحصول عليها.

وفي تركيا- البلد الذي يضم أكبر عدد من اللاجئين السوريين- فإنهم يعبرون دوماً عن رضاهم عن الخدمات الموجهة إليهم في القطاعات الصحية والخدمية والتربوية على وجه أخص قبل إغلاق مراكز التعليم المؤقتة، التي تم افتتاحها من قبل منظمة اليونيسيف للاجئين السوريين بالتعاون والتنسيق مع وزارة التربية الوطنية في الحكومة التركية، وأخيراً تم إغلاقها ليجبَر الأطفال بعد عمر الحضانة بدخول المدارس الرسمية وباللغة التركية حصراً، الأمر الذي أخضعهم لبرامج خطط التعليم والاندماج المعدة من قبل الحكومة التركية قبل عامين، وخصوصاً مشروع PICTES والذي يهدف لدعم اندماج الطلاب السوريين بالنظام التربوي التركي، الذي كان له تبعاته السلبية على تعليم اللغة العربية، مما ساهم بشكل كبير في تراجع اللغة العربية بين الأطفال السوريين، خاصة وأن المدارس العربية المرخصة في تركيا مُكلفة بالنسبة لمعظم الآباء، مما يضطرهم لإرسال أطفالهم إلى المدارس العامة التركية المجانية.

ويفضل الجيل الجديد من اللاجئين السوريين في تركيا التحدث بالتركية بدلاً من العربية، حتى لا يتعرضوا للتمييز، فآلاف الأطفال السوريين يذهبون إلى المدارس في تركيا كل يوم إلى جانب الطلاب الأتراك، ويتواصلون بلغةٍ مختلفة عن لغتهم الأم، وقد أثر هذا الوضع على عدد كبير من الطلاب السوريين، وخاصة الشباب منهم، الذين بدأوا يفقدون تدريجياً القدرة على استخدام اللغة العربية؛ وبذلك أصبح الجيل السوري الجديد في تركيا يتقن اللغة التركية بشكل كامل، متجاهلاً في نفس الوقت لغته الأم، وفي حين أن معظم الأطفال السوريين قادرين على التحدث باللهجة السورية، إلا أنهم يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى، وفي الوقت ذاته، يسعى الأطفال السوريون أحياناً إلى إتقان اللغة التركية على حساب اللغة العربية، ربما هرباً من التمييز والعنصرية تجاه السوريين، وأعمال العنف التي تزايدت ضدهم خلال العامين الماضيين.

وفي البلدان الأوربية فإن مبادرات الجمعيات التي أطلقها لاجئون ومهاجرون أكاديميون سوريون متطوعون للحفاظ على لغة أطفال المهاجرين السوريين، ومع حلول إجازة نهاية الأسبوع يحرص كل ولي/ـية أمر الأطفال على اصطحابهم إلى مدارس اللغة العربية التابعة للجمعية، وأغلبها أسس منذ أعوام وبعلم السلطات في هذا البلد الأوربي أو ذاك،  كمشروع تطوعي يهدف إلى تعليم اللغة العربية للأطفال العرب والسوريين المهاجرين وبطرق مبتكرة وعصرية، وكمثال فقط على ذلك في “لاهاي” الهولندية وفي “ماينس” الألمانية وفي “وارسو” البولندية وفي “كوبنهاكن” الدنماركية وفي “استوكهولم” السويدية وجنيف “السويسرية” .. الخ، ونفس الشيء في بريطانيا وأمريكا وأستراليا اللواتي تشجعان اللاجئين على تعلم لغتم الأم بدون أية منغصات.

وبالمقابل فإن إهمال اللغة العربية سواءٌ أكان بالمنزل أو بمراكز التعليم، سيخلق ظروفاً مواتية لهدم اللغة العربية وإحلال اللغات الأجنبية مكانها، ولتغدو العربية بين مطرقة الغربة والتهجير وسندان الأسباب التي تُحتم على الأهل انتهاج تعليم أطفالهم اللغات الجديدة الأخرى وترتيب الأولويات عندهم مع إهمال البعض للعربية في المنزل أو عدم إخضاع أطفالهم لتعلمها في معاهد أو أنشطة تساعد على ذلك.

  ويُعد الحفاظ على اللغة العربية حفاظًا على الهوية العربية للطفل التي هي ثقافة مجتمعه بما فيها من قيمه ودينه، وهي أيضاً تعطيه شعور الانتماء لوطنه وأمته الذي ربما لا يعرفهما، لذا فالموضوع  بالغ الأهمية ويتطلب وعيًا من الأهالي لمنع انصهار الأجيال في تلك الدول ونسيان بلدهم الأم والحفاظ على اللغة العربية، إذ يتطلب الأمر منهم كأفراد بذل الجهود للحفاظ على هوية أبنائهم، وكذلك على الجاليات والتجمعات العربية، وخاصة السورية، بذل الدور الكبير والفعال في المساهمة بالحفاظ على الهوية العربية من خلال النشاطات التعليمية والاجتماعية وغيرها من الفعاليات التي من المفترض أن تقوم بها، وهذا لا يعني إهمال اللغة الأجنبية، وإنما ألا تكون لغة على حساب أخرى، حيث إنه من المعلوم أن الإنسان قادر على تعلم عدة لغات دون الخلط بينها، إذ من المهم جداً تعلم لغة البلد الذي يعيش به الطفل التي هي لغة التعليم في ذاك البلد، لكن مهم أيضاً الاهتمام بشكل كبير بلغته الأصلية التي هي لغة بلده الأم، وبالحفاظ عليها يعني الحفاظ على انتمائه لبلده.

والمسؤولية بهذا الشأن، وإيجاد الحلول ومنع تفاقم المشكلة، تقع على النخبة المثقفة ومنظمات المجتمع المدني السورية والجاليات العربية، وكل من يعمل في مجال التعليم أيضاً، حيث يقع على عاتقهم وضع خطة شاملة لأجل تعليم موازٍ للتعليم الرسمي في البلاد الأجنبية، ولأجل توعية الأهالي ومدهم بالطرق والوسائل الكفيلة بحماية لغة أطفالهم الأم من الذوبان أو الانزواء في تلك المجتمعات.

المصدر: إشراق