الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

إذا زارت بيلوسي تايوان.. لن تكون “صين واحدة”

سميح صعب * 

لوهلة، ساد الاعتقاد في الولايات المتحدة أن “الدرس الاوكراني” كفيل بردع الصين عن خوض مغامرة عسكرية في تايوان. ذلك، أن الوحدة التي تجلت عبر ضفتي الأطلسي بعد الدخول الروسي إلى أوكرانيا والعقوبات الساحقة على موسكو، والدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، كلها عناصر قد تقود بكين إلى صرف النظر، أقله في المدى المنظور، عن ضم الجزيرة بالقوة.

عندما أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن خلال جولته الآسيوية في أيار/ مايو الماضي، أن الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان إذا هاجمتها الصين، سارع البيت الأبيض إلى الإيضاح بأن كلام بايدن لا يعني تغييراً في السياسة الأميركية حيال الجزيرة، والتي تعتمد الغموض الاستراتيجي في ما يتعلق بهذه المسألة منذ 1979، تاريخ إقامة العلاقات الديبلوماسية بين واشنطن وبكين.

وعلى رغم أن بايدن أعلن خلال جولته عن إنشاء تكتل تجاري جديد في آسيا من 13 دولة، فإنه كان حريصاً على عدم ذكر الصين بالاسم، وهو تكتل يضاف إلى تكتلات أخرى الغرض منها احتواء الصعود الصيني، على غرار حلف “أوكوس” الأمني بين أميركا وبريطانيا وأستراليا الذي تأسس العام الماضي، وتحالف “كواد” الرباعي بين أميركا والهند واليابان وأستراليا الذي أنشئ عام 2004.

وفي حزيران/يونيو، بدت أميركا أكثر ثقة بنفسها، وهي تستعرض متانة العلاقات عبر الأطلسي، في رحلة بايدن الأوروبية. ولم يسمع الرئيس الأميركي في لندن خلال اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، وفي بروكسيل خلال لقاء قادة الإتحاد الأوروبي، وفي مدريد خلال قمة حلف شمال الأطلسي، أي تذمر أو شكوى من المضي في المواجهة مع روسيا ومنعها من تحقيق أهدافها في أوكرانيا، مع المبالغة في الاحتفال بالانضمام المزمع لفنلندا والسويد إلى الناتو، واعتباره تسفيهاً لأحد الأسباب الرئيسية التي شن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من أجلها الحرب على أوكرانيا، ألا وهو منع كييف من الانضمام إلى الحلف الغربي.

في لحظة النشوة الأميركية-الأوروبية، أعلن حلف شمال الأطلسي عن عقيدته العسكرية الجديدة، وهي أن روسيا ” تشكل الخطر الأكبر.. وأن الصين ليست خصمنا، لكن يجب أن نكون واضحين في شأن التحديات الخطيرة التي تطرحها (بكين)” ومن “الشراكة الإستراتيجية العميقة” بين بكين وموسكو و”محاولاتهما المتبادلة لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد”.

ربما كانت الرسالة الموجهة من قمة مدريد للصين، لتكون أقل وقعاً على بكين، لو لم يكن زعماء كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا ونيوزيلندا، من بين الحضور في القمة. لكن الظاهر أن بايدن أراد أن يجعل مدريد صلة وصل بين المحيطين الهادئ والأطلسي، بكل معانيها الجيوسياسية.

ومنذ الهجوم الروسي على أوكرانيا، سعى بايدن إلى إبقاء الصين على مسافة من روسيا، سواء بالتهويل بعصا العقوبات أو من خلال إرسال خبراء عسكريين إلى تايوان لتعزيز الدفاعات الجوية للجزيرة، في مواجهة هجوم صيني محتمل، كما زادت البحرية الاميركية من نشاطها في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي. وكانت الصين ترد بطلعات جوية لعشرات من مقاتلاتها بمحاذاة المجال الجوي التايواني. وكان تدشين حاملة الطائرات الصينية الثالثة “فوجيان” في حزيران/ يونيو الماضي، رسالة ردع قوية تثبت تنامي القوة البحرية للصين، مع تخطيطها لامتلاك 6 حاملات بحلول العام 2035.

ومع ذلك بقيت التوترات بين الصين وأميركا حول تايوان تحت السيطرة. وفود من الكونغرس الأميركي ومسؤولون من الدرجة الثانية يزورون “تايبه”، وفي المقابل، تصدر بكين بيانات تنديد واستنكار، وتحذر من إرسال إشارات خاطئة إلى الجزيرة تشجعها على إعلان الاستقلال.

بيد أن المشهد تبدل في الأيام الأخيرة، مع إعلان غامض عن زيارة محتملة لرئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لتايوان، في خطوة لم يقدم عليها مسؤول أميركي على هذا المستوى سوى “نيوت غينغريتش” عام 1997، في ظروف مختلفة تماماً عن تلك السائدة اليوم.

بيلوسي هي ثالث مسؤول أميركي في التراتبية بعد الرئيس بايدن ونائبته الرئيس كامالا هاريس، لذلك، ترتدي زيارتها أهمية خاصة في ما يتعلق بوجود تيار أميركي يميل إلى الذهاب بعيداً في الضغط على الصين، من خلال اللعب بورقة تايوان.

وعلى رغم ترجيح كفة العوامل الداخلية الأميركية، كدافع للزيارة المحتملة على مسافة ثلاثة أشهر من الإنتخابات النصفية، فإن الصين بدأت الاستعداد للرد عليها. وانتهز الرئيس الصيني شي جين بينغ الاتصال الهاتفي مع بايدن الخميس الماضي للقول له في صيغة تحذير لا لبس فيها إن “من يلعب بالنار سيحترق بها”.

وزيارة بيلوسي إن حصلت في الأيام المقبلة، ستشكل إحراجاً لإدارة بايدن التي بدا أنها فوجئت بقرار رئيسة مجلس النواب، انطلاقاً من الرغبة في إبقاء الجبهة الآسيوية هادئة في الوقت الذي تشتعل فيه الجبهة الأوروبية، وبطبيعة الحال لن تكون أميركا بقادرة على خوض حرب على جبهتين.

والزيارة ستضع الصين في موقف لا يمكنها إلا الرد عليه. وعلى افتراض أن الرد لم يصل إلى حد الدخول في مغامرة عسكرية مباشرة ضد تايوان، فإن بكين تملك الكثير من الأوراق التي يمكن أن تضغط بها على واشنطن.

ويشير معلقون أميركيون إلى أن الصين وكوريا الشمالية هما الدولتان الوحيدتان اللتان تملكان راجمات صواريخ مماثلة أو تتفوق على راجمات الصواريخ الأميركية “هيمارس” التي زوّدت واشنطن أوكرانيا بها. وأي قرار صيني أو كوري شمالي بتزويد موسكو براجمات من هذا النوع، سيشكل انتكاسة للجهود العسكرية الأميركية في أوكرانيا. ولم يكن من قبيل الصدفة، أن تعترف بيونغ يانغ الأسبوع الماضي بـ”جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين” المعلنتين من جانب واحد في شرق أوكرانيا.

لا ريب أن الصين تستطيع أن ترد على أي تصعيد أميركي في تايوان، بخطوات في المحيطين الهادئ والهندي، وكذلك في أوكرانيا ومناطق أخرى يجري التنافس عليها بين بكين وواشنطن، من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا إلى الشرق الأوسط.

وقد تذهب الصين إلى حد اعتبار الزيارة بمثابة تراجع أميركي عن “إعلانات” الرؤساء الأميركيين السابقين، ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر ورونالد ريغان، التي أقروا فيها بسياسة “صين واحدة”، والتي كانت ثمناً للتطبيع الأميركي-الصيني، الذي كان عاملاً حاسماً في تمكين الولايات المتحدة من الانتصار على الإتحاد السوفياتي في الحرب الباردة، وتربع أميركا سعيدة على عرش الآحادية القطبية.

إن دخول العالم في بيئة جيوسياسية جديدة بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، قد يدفع إدارة بايدن إلى الضغط على بيلوسي كي تعدل عن خطوتها، وتشطب تايوان من جدول الدول التي ستزورها في جولتها الآسيوية، تفادياً لغضب التنين الصيني.

* كاتب وصحافي، لبنان

المصدر: 180 بوست