الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ثقافة مقاومة التطبيع: المبدأ في ذاته

نزار السهلي *

تصدَّر خبر وزيرة الثقافة البحرينية الشيخة «مي آل خليفة»، رفضها مصافحة السفير الإسرائيلي في المنامة الأخبار الأسبوع الماضي، ثم إقالتها من منصبها على خلفية هذا الحدث، الذي اعتبرته السلطات خروجاً عن “التقاليد” المستحدثة منذ تطبيع المنامة مع تل أبيب قبل عامين، تحولت الوزيرة مي آل خليفة مع انتشار الخبر إلى أيقونة وطنية في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الشارع العربي والفلسطيني الذي أثنى على خطوة المسؤولة البحرينية، باعتبارها رفضاً صريحاً لعملية تزوير حقائق الاحتلال وثوابت الحق الفلسطيني المؤمن به جل الشارع العربي رغم ما يتعرض له من قمع وقهر وصولاً لفرض التطبيع مع المشروع الصهيوني في المنطقة العربية.

سلوك الشيخة مي آل خليفة:

ولابد من كلمة هنا، حول سلوك الشيخة مي آل خليفة، ممارسة ثقافتها بشكل واضح ومميز وفريد في هذه المرحلة بالذات، المنتشر فيها على نطاق واسع التطبيع العربي مع إسرائيل من المحيط الى الخليج، في ظل اتساع سياسات العدوان الإسرائيلي وتغوله على الأرض والبشر، ورغم صورة الاحتفاء الصهيوني بهذا الإنجاز من مكة المكرمة والمنامة والرباط والقاهرة وعمان، بقي الهدف من ورائه بعيدا جداً، لتحضر قضية فلسطين في وجدان الشارع العربي من وزيرة تمثل هرم الثقافة في بلدها، وتخالف عُرف التطويع الرسمي المخالف لتقاليد الثقافة والتاريخ والحضارة والإنسانية التي تمثلها قضية تحرير فلسطين، ورفض المصافحة للسفير الإسرائيلي من الشيخة مي، تعني رفضا أصيلاً للتطبيع واستخراج لعبر ودروس كثيرة مما جرى في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني ومحاولات التطبيع الجارية معه على امتداد مساحة النظام العربي، ولو راجعنا أنفسنا مع هذا التاريخ لوجدنا أن هذه الخطوة أو الموقف ، ليس الأول في حياة النضال الفلسطيني والعربي، إنما تأكيد على حتمية فشل تطويع العقل العربي وأنه غير متخلف في رؤياه وفي فهمه لحقيقة النضال الفلسطيني وحقوقه التي تتركز في هذه المرحلة وكل المراحل على مقاومة مشروع السيطرة الاستعمارية للمؤسسة الصهيونية في فلسطين وعالم العرب الذي يحول دون تطور الإنسان العربي ودون تحقيق أهدافه في الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية.

صحيح أن الواقع العربي، يئن تحت واقع التشرذم والاستبداد والقمع والقهر والتحطيم، ويرث أوضاعا من الصعب تجاوزها بالشكل التقليدي من الأمنيات والشعارات، لكن هناك إمكانيات باقية ومؤبدة في الشعوب برفض ومقاومة الاحتلال والطغيان، والخبر من البحرين يربك مشهد السلطة في المملكة الآخذة بالغرق في التصهين، وإقالة الوزيرة مي آل خليفة، نجاة لها من الالتزام بالمعايير الضيقة للتطبيع الذي يحض على فقدان الهوية كمدخل لتهديم الذاكرة، وممارسة ثقافتها حرصٌ على هوية محددة ينتمي اليها المثقف بعيداً عن تهافت المزاعم العديدة للسلطة الحاكمة.

وهذا السبب بعينه هو الذي يجعل التبرير الرسمي للنظام العربي في مفرداته المبهمة عن التطبيع، لا تحجب عبارات التزوير، إنما يعطي صورة مختلة عن قناع زائف لا يجلب السلام، ولا يعيد الحقوق ولا يحرر الأرض، ولا يقبل بالمجرم مواصلة جريمته متجولاً في أرضنا، الصورة الخادعة عن تماسك النظام وثبات مشروعه السياسي الذي تنتمي له السلطة ولا ينتمي له الشعب، لن يكون بمقدورها إلغاء التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي تكونت فيه ثقافة وطنية ملتزمة بالانحياز لضحايا المشروع الاستعماري في فلسطين.

شمولية القمع العربي:

قراءة مسارات التطبيع العربي مع إسرائيل ومشروعها الاستعماري، ومقاومته بكل الأشكال المتاحة رغم قهرية الظروف وأوضاعها المتحدة على شمولية القمع العربي، ضروري للتعرف على مصير هذه المسارات إذا ما أتيح للإنسان تعبير حقيقي عن حرية وكرامة ومواطنة بدون تزوير وتلفيق، فعند كل لحظة أخلاقية عنوانها الدفاع عن الحقيقة كنا نبتهج لشخصيات عالمية وغربية، تعلن في لحظة معرفية رفضها للظلم والقهر والاحتلال، فكيف لا نبتهج لوضوح المبدأ المتسق بأخلاق تعبر عن المثقف وعن عنصر المعرفة الذي يتمتع به، والذي تحاول السلطة إغراقه بغموض التفاصيل خلف ستار التطبيع، والوقائع الملموسة في المنامة تظهر أن المبدأ يحمل عصمته في ذاته والشيخة مي آل خليفة حملت مسرة الى قلوب الملايين في الشارع العربي المدافعين عن ثقافة لا غموض فيها.

* كاتب فلسطيني

المصدر: القدس العربي