الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سورية وأوكرانيا والمجتمع الدولي

    فجر مكلل بالدم انبثق في 24 تموز/يوليو عام 1920 عندما أخل المستعمر البغيض بوعوده للعرب وبدل أن ينعموا بالاستقلال بدولتهم الجديدة قرر تقسيمها واحتلالها واقتطاع جزء منها ليمنحه لشذاذ آفاق منحة من لايملك لمن لايستحق، كان هذا  الفجر في بلدة سورية إسمها ميسلون على طريق بيروت دمشق لتشهد أشرف معركة بين المحتل والرافضون لاحتلاله، عندما قرر وزير الدفاع السوري الشهيد يوسف العظمة التصدي لقوة الاحتلال الغاشمة المتجهة لاحتلال دمشق، بعد أن رفض الخضوع لإنذار الجنرال غورو الفرنسي بحل الجيش الوليد وتسليم دمشق، رفض القائد الشهم قرار حل الجيش الذي اتخذه الملك فيصل الأول ملك المملكة السورية التي كانت تشمل سورية الحالية ولبنان وشرق الأردن وفلسطين وخرج مع ما تبقى من هذا الجيش وعدد من المتطوعين بأسلحة فردية ليقابل جيش فرنسا المنتصر بالحرب العالمية الأولى والمدجج بالسلاح الحديث. كانت المعركة معروفة النتائج ولكن البطل الشهيد قرر خوضها لتكون نبراسًا لأجيال قادمة ورسالة للعدو بأنه لن يهنأ باحتلاله وسيقاومه هذا الشعب ليخرج مدحورًا يجر أذيال الخيبة والعار، بعد ربع قرن من الاحتلال الغاشم باسم التنوير وما جلب لسورية غير التخلف وللمستعمر الذي قتل ونهب وسرق الخزي والعار بعد أن أنهى احتلاله بقصف البرلمان السوري وهو الذي يَدَّعي الحرية والديمقراطية.

    لم تختلف أهداف الاستعمار على مر العصور ولم تختلف مبرراته، ففي العقود الثلاثة الأخيرة برز الاستعمار بأبشع صوره عندما قامت أميركا التي تدعي أنها حامية الحرية والعدل في العالم وقائدة العالم الحر بغزو بلدين هما أفغانستان  والعراق فدمرت وقتلت الملايين من المدنيين  بحجة محاربة الإرهاب، وما قتل وشرد إلاّ المدنيين العزل، وتفاوضت مع من تتهمهم بالإرهاب.

      في 24 شباط / فبراير من هذا العام بدأ بوتين رئيس روسيا غزوه لدولة جارة هي أوكرانيا التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي السابق لمدة أكثر من سبعين عامًا وتربطها مع روسيا روابط ثقافية واقتصادية كبيرة،  وكانت روسيا قد خاضت حربًا عام 2014 لتسترد شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا بحجة أنها روسية ضمها الزعيم ستالين لأوكرانيا، ولكن الهدف الرئيسي هو موقعها وثرواتها، والآن تتابع والحجة تمدد الناتو الغربي نحو بلاده ومن مبررات بوتين أن أميريكا غزت أفغانستان والعراق لأسباب تافهة وكاذبة  ومن حق روسيا أن تحفظ أمنها. إنه الاستعمار أينما كان .

     المهم في الأمر كيف تعامل المجتمع الدولي والدول الفاعلة مع ماجرى ويجري. في حالة أفغانستان والعراق استطاعت أميركا تشكيل تحالف دولي واسع ليدعمها ويشاركها، ولكن في حالة روسيا لم تستطع تشكيل مثل هذا التحالف، ولكن بوتين لايعير هذا الموضوع الاهتمام فهو ماضٍ في مشروعه الامبراطوري. وقف الناتو الغربي مع أوكرانيا ولكنها وقفة خجولة فممنوع عليها استخدام الدعم التسليحي واللوجستي ضد الأراضي الروسية، إلاّ أنها وقفة سخية في المساعدات والمعونات وإمكانات اللجوء، ففي حين كانت تقدم لللاجئ الأوكراني الوجبات الساخنة وألعاب الأطفال على الحدود البولندية كان الأطفال والنساء والكبار السوريين يموتون في البحر وفي اليونان دون طعام أو شراب أو رعاية صحية، وفي حين يأتي الدعم للأوكران في الداخل وبلاد اللجوء مباشرة من الدول الداعمة يمر الدعم للاجئ السوري عبر قرارات وبيروقراطيات مكاتب الأمم المتحدة والنتيجة أن الدعم يوزع مناصفة بين النظام والنازحين في حين يقوم النظام بسرقة الجزء الأكبر من هذا الدعم وبيعه وما يوزع لايصل لمستحقيه تمر مساعدات النازحين الأكثر حاجة بمنعرجات والتفافات كثيرة، ولا ننسى أن الدعم للسوريين يقتطع منه أكثر من النصف لهيئآت وموظفي الأمم المتحدة كرواتب وأجور عدا عن كلفة النقل وغيرها، ولاننسى أن بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة إبان غزو الصومال من قبل الأميركان في تسعينات القرن الماضي كتب في مذكراته أن زجاجة الماء  بحجم ليتر كانت تكلف الأمم المتحدة لتصل إلى الفرد الصومالي 19 دولار عندما كان ليتر الديزل والبنزين لايساوي أكثر من 5% من هذه الكلفة. إنه مجتمع يكيل بمكيالين ويفرق بين العيون الزرقاء والسوداء، فقد كانت الحدود البولندية تعيد أصحاب العيون السوداء إلى أواكرانيا ولا تسمح لهم بدخول أراضيها مع أنها دولة عبور، فلا أحد يرغب في الاستقرار في بولندا.

وريثما يتحقق للسوريين الحل السياسي المنشود باقتلاع نظام القتل والإجرام/ لابد من آلية جديدة لإيصال المساعدات لأهلنا في الخيام فآلية الأمم المتحدة الحالية تساوي بين الضحية والجلاد ولا تقدم سوى الفتات.