الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أزمة الطاقة العالمية.. لا بد من دور أكبر للحكومات (2/2)

منى فرح *

قبل حرب أوكرانيا، كانت ثمة جهود مبذولة لتغيير نظام الطاقة العالمي. بعدها، أصبح أمن الطاقة أكثر أهمية ويمكن لتدخل الحكومات غير المسبوق في قطاع الطاقة، إذا تمت إدارته بشكل صحيح، أن يساعد في توجيه الاقتصادات خلال الفترة الانتقالية المقبلة. من دون هذا التدخل “سيعاني العالم من انهيار أمن الطاقة أو أسوأ آثار تغير المناخ – أو كلا الإثنين معاً”، كما يجادل “جيسون بوردوف” و”ميغان إل أوسوليفان” في الجزء الثاني والأخير من تقرير “الفورين افيرز”(-)

هناك ثلاثة إخفاقات في السوق (القطاع الخاص)؛ تكشف عن الحاجة إلى دور أكبر للحكومات في الجهود الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة والانتقال؛ في الوقت المناسب؛ إلى تحقيق صفر انبعاثات الكربون. أولاً، يفتقر القطاع الخاص إلى الحوافز الكافية لبناء البنية التحتية والأصول الأخرى التي تحتاجها معظم البلدان لضمان أمن طاقتها. ثانياً، لا تستطيع قوى السوق وحدها أن تشجع بناء البنية التحتية المطلوبة لانتقال أكثر تنظيماً للطاقة. ثالثاً، تفتقر الشركات الخاصة والأفراد إلى الحوافز القوية الكافية للحد من الانبعاثات التي يتحمل المجتمع تكاليفها.

أولى هذه الإخفاقات تجلَّت بشكل مؤلم من خلال ضعف أوروبا أمام تعطيل صادرات الطاقة الروسية. ولتحقيق أمن الطاقة، تحتاج البلدان إلى مجموعة من الخيارات لشراء الطاقة وتنويع الإمدادات، واحتياطيات كافية في حالة الطوارئ؛ وكلها تتطلب تدخلاً حكومياً أكبر. غالباً ما تقوم الأسواق الحرة بعمل جيد لضمان حصول المستهلكين على مجموعة من الخيارات للحصول على الطاقة. وعندما تتعطل الإمدادات في مكان ما، سواء بسبب كارثة طبيعية أو اضطراب سياسي، تتيح التجارة الحرَّة في أسواق السلع الأساسية للمشترين إيجاد بدائل، وبالتالي تجنب النقص. ولكن كما توضح أزمة الطاقة الأوروبية الحالية، فإن التحول إلى مصادر طاقة بديلة لأغراض سياسية أو اقتصادية لا يكون ممكناً إلا عندما تكون البنية التحتية؛ الموانئ والمحطات ذات السعة الزائدة؛ في مكانها للسماح بالتبديل. والقطاع الخاص يفتقر إلى الحوافز للاستثمار في مثل هذه البنية التحتية لأن الاضطرابات لا يمكن التنبؤ بها، ولن تتحمل الشركات الخاصة التكلفة الكاملة التي يتكبدها المجتمع بسبب الاضطرابات الناتجة. لذلك يتعين على الحكومات أن تتدخل.

ليتوانيا خير مثال على ذلك. قبل عقد من الزمن، بنت الدولة محطة عائمة للغاز الطبيعي المُسال، أطلق عليها اسم “الاستقلال”. المحطة سمحت للدولة بتقليل اعتمادها على الغاز الروسي والتفاوض على أسعار أفضل مع “غازبروم”. لكن التشغيل التجاري للمحطة وحده لم يكن ليبرر تكاليفه، خاصة أنه غالباً كان أقل بكثير من طاقته. كما أن تمويل المحطة صعب جداً من دون مساعدة أساسية من الحكومة إلى جانب القروض. هذا الاستثمار في البنية التحتية لأمن الطاقة يؤتي ثماره اليوم، ما مكَّن ليتوانيا من أن تصبح أول دولة أوروبية تحظر استيراد الغاز الروسي بعد حرب أوكرانيا.

ألمانيا أيضاً تسعى لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي. فلطالما كانت روسيا أرخص مصدر للغاز الطبيعي، ما دفع برلين إلى زيادة وارداتها تدريجياً؛ وأصبحت تستورد أكثر من نصف حاجتها من روسيا. اليوم، ولجلب الغاز غير الروسي إلى البلاد، خصَّصت برلين ثلاثة مليارات يورو لدعم تطوير أربع محطات عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المُسال. وسيتعين على الشركات والمستهلكين دفع المزيد مقابل طاقتهم في المستقبل، لكن الحكومة ستكون قد أنشأت البنية التحتية لتمكين قاعدة موردي الغاز الطبيعي الأكثر تنوعاً.

الاستثمار في البنية التحتية:

تستند هذه التحركات من قبل ليتوانيا وألمانيا إلى الجهود الأخيرة التي بذلتها المفوضية الأوروبية لضمان مزيد من المنافسة في أسواق الغاز وتوفير التمويل المباشر لتحسين خطوط الأنابيب والبنية التحتية للغاز الطبيعي المُسال؛ وهي استثمارات لم يكن لدى الشركات الخاصة وحدها حافز كبير للقيام بها. نتيجة لذلك، أصبح سوق الغاز الطبيعي في أوروبا أكثر مرونة اليوم مما كان عليه عندما أوقفت روسيا تدفقات الغاز في عام 2009.

تُعد المخزونات المملوكة للحكومة، مثل الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، أداة أخرى لأمن الطاقة لا يمكن توفيرها من قبل السوق وحدها. (العديد من الحكومات في أوروبا لا تحتفظ باحتياطيات ولكنها تطلب من الشركات الحفاظ على مستويات أعلى من المعتاد للمخزون). وعلى الرغم من أن مثل هذه المخزونات يمكن أن تساعد في تخفيف النقص في أزمة ما، إلا أنها تتطلب أيضاً بنية تحتية من غير المرجح أن تبنيها الشركات الخاصة بمفردها. فعلى سبيل المثال؛ أفرجت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، لكن قدرة الحكومة محدودة في الإفراج عن المزيد لتهدئة الأسعار العالمية بسبب نقص الموانئ والمحطات المتاحة. في الماضي، كانت قيود البنية التحتية هذه غير شائعة. ومع ذلك، أدّى ازدهار النفط الصخري الذي جعل الولايات المتحدة مصدراً صافياً للطاقة إلى زيادة الطلب بشكل كبير على مساحة الموانئ، والتي يطالب بها القطاع الخاص الآن. ولكي تزيد المخزونات الحكومية من إجمالي العرض العالمي بدلاً من مجرد إزاحة براميل القطاع الخاص، هناك حاجة إلى موانئ ومحطات إضافية قد تشهد استخداماً محدوداً خارج أزمة الطاقة..

وقد تحتاج الحكومات أيضاً إلى التدخل في أسواق الطاقة بما يتجاوز أسواق النفط والغاز. من المرجح أن تكون المعادن الأساسية اللازمة لانتقال ناجح للطاقة، مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت، شحيحة مع تزايد الاعتماد على السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات والأشكال الأخرى من الكربون المنخفض والعديم الكربون. إحدى الإيجابيات هي استخراج المزيد منها. حتى الآن، تجنبت الشركات الأميركية إلى حد كبير إنتاج ومعالجة المعادن الحيوية بسبب التكاليف البيئية المرتبطة بذلك وسهولة توافر المصادر الأجنبية. ولكن بعد أن رأت الحكومة أن العديد من هذه المعادن ضرورية للأمن القومي، تقدم إدارة جو بايدن الآن حوافز لتعزيز إنتاجها المحلي. وقد تكون هناك حاجة إلى تدخل حكومي إضافي أيضاً.

ولا ينبغي أن يقتصر التدخل الحكومي لتعزيز أمن الطاقة على الإعانات والإعفاءات الضريبية والحوافز الأخرى. يمكن للدبلوماسية أيضاً أن تساعد في تأمين إمدادات كافية من الطاقة في الأزمات.

المهلة انتهت!

إن فشل السوق الثاني، الذي يستلزم تدخل الحكومة في أسواق الطاقة، ينبع من الإطار الزمني القصير نسبياً الذي يتعين على العالم أن يحقق أهدافه المناخية. فبعد كل شيء، أي شركة ستخاطر برأس المال من أجل الحفاظ على الأضواء والتدفئة على المدى القريب والمتوسط بينما يقدم صانعو السياسات تعهدات طموحة بشكل متزايد لجعل البنية التحتية الضرورية عفا عليها الزمن؟ لا ينبغي لأي شركة أن تراهن ضد قدرة العالم على تحقيق أهدافه المناخية. علاوة على ذلك، لا ينبغي لمثل هذه الاستثمارات أن تخلق عقبات أمام العمل المناخي من خلال تعزيز القوى الاقتصادية التي تعارض التقدم لأنها تتمتع بمصالح مالية راسخة في نظام الطاقة اليوم.

وبدلاً من ذلك، يمكن للحكومات تطوير أدوات مبتكرة للتخطيط. على سبيل المثال، قد يفضلون السماح باستثمارات البنية التحتية الهيدروكربونية بفترات استرداد أقصر، بشرط السماح بالحصول على الحق في الدفع لتصفية الأصل بعد فترة زمنية محددة، أو تقصير فترة الاسترداد عن طريق خفض تكلفة رأس المال للشركات الخاصة في مقابل الحق في التقاعد عن الأصل بعد أن يحقق الاستثمار عائدا معينا.

يتعين على الحكومات توخي الحذر الشديد في تبني مثل هذه السياسات مع فرض معايير صارمة. وينبغي أن تقتصر على مشاريع الهيدروكربون التي تعتبر ضرورية لاحتياجات أمن الطاقة على المدى القريب. ويجب عليهم تفضيل المشاريع ذات الاستخدامات الأكثر تنوعاً، مثل تلك التي يمكن أن توفر طاقة نظيفة أو قد تعيد توجيه الطاقة إلى وجهات أخرى.

الاعتراف بالمشكلة.. بداية الحل:

إن فشل السوق الثالث الذي يستلزم تدخلاً حكومياً أكبر في سوق الطاقة هو الأكثر شيوعاً الآن: لا تتحمل الشركات الخاصة والأفراد التكلفة الكاملة التي يتكبدها المجتمع من الكربون والملوثات الأخرى التي ينبعث منها. لذلك يجب على الحكومات أن تطلب من المنتجين والمستهلكين “استيعاب” هذه التكاليف، من خلال تسعير الكربون أو آليات أخرى. ولا تستطيع قوى السوق وحدها تحقيق اقتصاد منخفض الكربون. وبدون تدخل حكومي أكبر، فإن النقص الحقيقي والمتوقع في الغاز الطبيعي سوف يُترجم إلى استخدام أكبر للفحم، كما أوضحت الأزمة الحالية بالفعل.

كما أن الوقود القذر الذي يحل محل الوقود الأنظف في أوقات الاضطرابات يسلط الضوء على تحدٍ أكبر: ألا وهو توفير طاقة منخفضة الكربون للبلدان النامية التي تتزايد حاجتها إلى الطاقة. سيتعين على البلدان المتقدمة تقديم المساعدة في هذا الشأن. فلتحقيق انبعاثات صافية صفرية بحلول عام 2050، يجب أن يأتي أكثر من 70% من استثمارات الطاقة النظيفة في الأسواق النامية والناشئة من القطاع الخاص، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

الخبر السار هو أنه على المدى الطويل، ستعزز الإجراءات الحكومية اللازمة لتقليل الانبعاثات من أمن الطاقة. فأمن الطاقة لا يأتي فقط من إنتاج المزيد من النفط ولكن من استخدام القليل منه.

11 أيلول أوروبا:

من المرجح أن يكون الدور الأكثر اتساعاً للحكومة سمة مميزة لنظام الطاقة العالمي الجديد الذي سينبثق من الأزمة الروسية الأوكرانية. ومثلما كان للتدخل الحكومي في أسواق الطاقة تداعيات اقتصادية وسياسية وجيوسياسية عميقة في السبعينيات، فإن مثل هذا النشاط سيكون تحويليا اليوم؛ وإن لم يكن بطريقة سلبية، إذا تم بشكل صحيح. المشاركة الحكومية ستساهم في التخفيف من تقلب الأسواق، وتقليل المخاطر، وتسريع تحقيق صافي انبعاثات صفرية.

وبقدر ما تعزز السياسات الحكومية أمن الطاقة، يمكنها أن تقلل من ردود الفعل الشعبوية العنيفة ضد مبادرات المناخ. كما أن المزيد من الخيارات للحصول على الطاقة ستقلل من النفوذ الجيوسياسي الذي قد يتراكم لمنتجي النفط والغاز التقليديين على المدى القصير، قبل اكتمال انتقال الطاقة. وإذا ما تركت الحكومات الغربية هذه القرارات للسوق، فإن الموردين ذوي التكلفة المنخفضة مثل روسيا ودول الخليج العربي سينتهي بهم الأمر إلى إنتاج حصة أكبر من النفط والغاز في العالم خلال فترة العقود المقبلة في الوقت الذي ينخفض فيه الاستهلاك لكنه يظل كبيراً. قد تكون هذه الديناميكية مشكلة بشكل خاص إذا أدت الضغوط لكبح الاستثمار في الوقود الأحفوري إلى انخفاض في الإنتاج من قبل شركات الطاقة الغربية حتى مع ارتفاع الطلب أو الاستقرار. ولكن إذا تمكنت الحكومات الغربية من تسهيل الاستثمار في الأصول الانتقالية، فيمكنها بمرور الوقت تقليل انبعاثات الكربون والاعتماد على المنتجين التقليديين الذين قد يستغلون الانتقال لمصلحتهم الاقتصادية والجيوسياسية.

الأهم من ذلك، أن التدخل الحكومي لتسريع الحد من انبعاثات الكربون يمكن أن يمنع بعض نتائج تغير المناخ التي لها أسوأ الآثار الجيوسياسية والأمنية.

من المؤكد أن التدخل الحكومي الأكبر في أسواق الطاقة ليس مرغوباً دائماً.. فالحكومات التي تذهب بعيداً نحو التخطيط الوطني أو السياسة الصناعية غير المقيدة ستبدد الفوائد العديدة للسوق الحرة (تجربة الولايات المتحدة في السبعينات). لتحقيق النجاح، يجب على صانعي السياسات أن يصمموا سياساتهم بشكل ضيق تجاه إخفاقات السوق المحددة.

لقد ذهبت بعض الدول الأوروبية إلى أبعد مما ينبغي بالفعل في استجابتها للأزمة الحالية. وافقت إسبانيا والبرتغال على حدود قصوى لأسعار الغاز الطبيعي لا تمثل سوى جزءاً بسيطاً من سعر السوق. اقترح بعض الديموقراطيين في الكونغرس الأميركي إجراء يحظر زيادة الأسعار خلال حالات الطوارئ الوطنية للطاقة التي أعلنها الرئيس الأميركي. وكما يوحي التاريخ الحديث، فإن مثل هذه الضوابط على الأسعار سوف تأتي بنتائج عكسية.

يتعين على الحكومات أيضاً أن تكون حريصة بشأن الاعتماد المفرط على دبلوماسية الطاقة، لا سيما تلك التي تسعى للتأثير على ما ينبغي أن يكون قرارات قائمة على السوق بشأن بيع وشراء الطاقة. ومن المحفوف بالمخاطر أيضاً الجهود الحكومية الحثيثة لتحقيق أمن الطاقة من خلال الانفصال عن اقتصاد الطاقة العالمي. فمن المرجح أن تأتي هذه الإجراءات بنتائج عكسية، وتقوض أمن الطاقة وكذلك التجارة الحرة. بالمقابل، يمكن أن يؤدي تنويع العرض عن طريق تحفيز الإنتاج المحلي للسلع الأساسية إلى تحقيق فوائد، وكذلك الاندماج في سوق طاقة مرن جيد الإمداد.

وصفت أوروبا الحرب الروسية في أوكرانيا بأنها 11 أيلول/سبتمبر جديد. سيكون أحد إرث حرب أوكرانيا هو نظام طاقة جديد، ينشأ في أوروبا ولكنه يطال أبعد مناطق الاقتصاد العالمي. سيتم تعريفه من خلال الضرورات المزدوجة لأمن الطاقة والعمل المناخي. وتحقيق هذين المطلبين، دون السماح لأحدهما بالمساومة مع الآخر، يتطلب تسخير قوة الأسواق، ودوراً أوسع بكثير للحكومات للاستفادة من تلك الأسواق وتشكيلها وتوجيهها وتصحيح الإخفاقات.

(-) النص بالإنكليزية على موقع “الفورين أفيرز“:

 https://www.foreignaffairs.com/articles/energy/2022-06-07/markets-new-energy-order?utm_source=facebook_posts&utm_medium=social&utm_campaign=fb_daily_soc&fbclid=IwAR1RFx9lnKV4hqNix1awqUgNphLOuCgygTwUV2U4AcVP5IK6vaouZ4uOyB4#author-info

إعداد: “جيسون بوردوف” (المدير المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية في كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا. شغل منصب المساعد الخاص للرئيس باراك أوباما والمدير الأول للطاقة وتغير المناخ في مجلس الأمن القومي)، و”ميغان إل أوسوليفان” (أستاذة في كلية هارفارد كينيدي، ومؤلفة كتاب: “ضريبة غير متوقعة: كيف تقلب وفرة الطاقة الجديدة السياسة العالمية وتعزز قوة أميركا”. شغلت منصب المساعد الخاص للرئيس جورج دبليو بوش، ونائب مستشار الأمن القومي للعراق وأفغانستان).

ــــــــــــــــــــــــ

* كاتبة صحافية ومترجمة لبنانية

المصدر: 180 بوست