الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ساطع الحصري دعا الى قومية عربية لا تتعارض مع الدين.. عودة الى أفكاره التنويرية في الذكرى الـ50 لرحيله

كرم الحلو *

إزاء انبعاث الأصوليات الظلامية والعصبيات التي تهدد عالمنا العربي بأوخم العواقب، تحضر أفكار التنويريين العرب الذين رفعوا الانتماء الوطني والقومي فوق كل الانتماءات الطائفية والملية ، باعتبار العروبة هوية جامعة لكل العرب، ومصدر قوتهم وتقدمهم بين الأمم والقوميات في عصر التكتلات الدولية. في مقدم هؤلاء التنويريين يحضر المفكر القومي ساطع الحصري بعد نحو خمسين عاماً على رحيله، فهذا المفكر الملتزم، لم يتوان عن المناداة بالرابطة القومية ومقارعة العقل الطائفي ورفع لواء المواطنية والعروبة الجامعة في كل الساحات العربية من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة. وقد ظل، وفق ناصيف نصار، منكباً على التعبير عن فكره القومي، دفاعاً وتوسيعاً، طيلة أربعة عقود تقريباً. وفيما ناضل نضالاً فكرياً دائباً موصولاً من أجل نشر الوعي القومي والتبشير بوحدة الأمة العربية، كما رأى عبدالله عبد الدائم، كان أول من حاول وضع نظرية للقومية العربية، وأول من دعا إلى وحدة عربية شاملة، وفق عبد العزيز الدوري.

في رأي الحصري أن اللغة والتاريخ هما المقومان الأهم لتكوين الأمة والقومية، وهما اللذان يؤثران أشد التأثير في تكوين القوميات، لأن اللغة هي بمثابة روح الأمة والتاريخ هو بمثابة شعورها وذاكرتها. أما الدين والعوامل الاقتصادية والجغرافية والسياسية، فترتدي أهمية ثانوية. فقد تكون الأمة موجودة على الرغم من عدم وجود دولة تسوسها، وقد تكون الأمة واحدة على الرغم من كون الدول التي تحكمها متعددة.

أما المشاعر الوطنية والوطنية والقومية فتشبه حب الأم ولا ترتبط بالاقتصاد، كما لا ترتبط بالدين، فثمة أمم إسلامية غير عربية، وثمة جماعات عربية غير مسلمة. إلا أن الحصري الذي حرص على التمييز بين الوحدة القومية وبين الأخوة الدينية، يعلن أن الدين، بعد اللغة والتاريخ، هو أهم العوامل التي تؤثر في تكوين الأمم، ما لا يتفق مع ما ذهب إليه مجيد خدوري بقوله: “بين المفكرين المسلمين، هناك مفكر واحد فصل فصلاً حاسماً بين القومية والدين، وأصر على العناصر العلمانية للقومية، هو ساطع الحصري”. فالحصري لم يجعل الفكرة القومية في تضاد مع الدين، بل أن تنأى به عن التسييس. الأمر الذي ميز الفكر العربي الحديث والمعاصر حيث تجنب المفكرون العرب الخوض في المسائل الدينية، فظلوا بعيدين عن الإلحاد، ورأوا أن الخوض في الدين أمر لا طائل فيه. وعليه، نظر الحصري إلى الأمة كوحدة عضوية تمسكها روابط اللغة المعززة بالتاريخ، ودعا إلى سيادة الكيان الجماعي للأمة على الفرد، طارحاً جانباً مسائل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي باعتبارها خطوة شِقاقية تسبب خراب الأمة، ما أبقى فكره القومي بلا أي محتوى اجتماعي أو اقتصادي.

حضارة ولغة:

وهكذا إن الهدف الأساسي للقومية عند الحصري هو الوحدة العربية. فقد رأى حتمية تحققها إذ قال: “إنني أعتقد اعتقاداً جازماً بأن الوحدة العربية ضرورية لحفظ كيان الشعوب العربية كما أعتقد أنها طبيعية بالنسبة إلى حياة الأمة العربية وتاريخها الطويل”. تأسيساً على هذه الرؤية الأيديولوجية دحض الحصري الأسباب والعوائق أمام وحدة العرب باعتبارها مصطنعة. فالحدود الفاصلة بين الدول العربية، لم تتقرر وفق مصالحها، بل وفق مصالح الدول المستعمرة التي سعت إلى إثارة الخلافات وتقوية النزعة الإقليمية بشتى الوسائل. كما أن ثمة طائفة من الزعماء والحكام نزعت إلى المحافظة على كيان الدولة القطرية ولا ترضى بزواله لصالح دولة الوحدة. لكن ما المقصود بدولة الوحدة عند الحصري؟ وما علاقتها بكل من الوطنية والإسلامية والشرق أوسطية والمتوسطية والعالمية؟ وكيف السبيل إلى تحقيقها؟

المقصود بالوحدة عند الحصري هو الوحدة السياسية بين الأقطار العربية، فقد حبَذ في اتجاه هذا الهدف المثالي، الشكل الفيدرالي ولم يعترض على التجمعات الإقليمية أو الفرعية أو الجهوية شريطة أن تكون خطوة في الطريق إلى الوحدة العربية الشاملة، وألا تنهض على أسس ومفاهيم مناقضة لمفهوم القومية العربية، كمفاهيم الشرق أوسطية أو القومية السورية أو الفرعونية. كما أنه ليس ثمة تعارض في رأي الحصري بين الوحدة العربية والرابطة الإسلامية أو الرابطة الوطنية أو سوى ذلك من الروابط القارية أو الأممية. فقد أيد الحركات التوحيدية على نحو ما شهدته سورية ومصر والعربية السعودية وليبيا وتحمس للجامعة العربية في بدايتها، انطلاقاً من فكرة أن “الشقاق” ليس خاصية متأصلة في العرب، بل إن تواريخ سواهم من الأمم تشهد على انقسامات هؤلاء ونزاعاتهم الحادة قبل أن يتجهوا إلى الاتحاد وطنياً وقومياً. ولا بد كذلك أن يتجاوز العرب حالة التجزئة، لا سيما أن الفروق والاختلافات في ما بينهم ليست من الفروق الجوهرية، وسيعمل التطور في الاقتصاد والمواصلات والإعلام على الحد تدريجياً من تأثيرها.

إن مشروع الوحدة هو مشروع المستقبل كما يقول الحصري، إلا “أن ثمة خيالاً هو أشد حيوية من الواقع… فالخيال قد يحمل في أحشائه الاستقبال الحقيقي وأعتقد أن فكرة العروبة والاتحاد العربي من هذا النوع من الخيال”. لكن كيف السبيل إلى تحقيق هذه المثل القومية؟

يرى الحصري إلى العمل الوحدوي كعمل طوعي تدرجي بعيد عن العنف يتم بإيقاظ الشعور بالقومية العربية وبث الإيمان بوحدة الأمة العربية وتوحيد الثقافة الذي يلعب دوراً أساسياً في تفعيل عملية التوصل إلى الوحدة الشاملة. وقد دأب الحصري في سياق مهامه التربوية في مصر وسورية والعراق، على توثيق الصلات الثقافية بين البلدان العربية، وعمل على القضاء على الفروق بين نظم التعليم العربية، وإزالة الفروق الثقافية من أجل الوصول إلى وحدة تربوية وتعليمية وثقافية تقود إلى الوحدة العربية الشاملة، مختاراً لهذه الغاية المثلى طريق “الجهاد التربوي” من أجل القضية العربية، ساعياً إلى توحيد المناهج والأهداف بين سوريا ومصر والعراق وسائر البلدان العربية، ورفع الموانع وهدم الحواجز التي أقامتها سياسة الانتداب بين سوريا وبين الأقطار العربية.

في رأي الحصري يمكن أن تبدأ الوحدة من خلال “إقليم قاعدة” تضطلع به دولة مركزية مشدداً على دور مصر القيادي في تحقيق الوحدة، لكونها أقدم البلدان العربية في تشكيلات الدولة العصرية، ومن دون أن يتبنى موقفاً محدداً إزاء مسألة نظام الحكم، فلا مانع أن تبدأ العملية التوحيدية من خلال اتحادات جزئية، ولا مانع أن يكون نظام الحكم في دولة الوحدة ملكياً أو جمهورياً، فالوحدة هي الهدف الأعلى الذي يسمو على الاشتراطات الأخرى. عليه رحّب الحصري بحركات التوحيد العربية، وقلّل من دور التمايزات الجغرافية والسياسية.

هذه الأفكار والمواقف تجعل من الحصري، على الرغم من الثغرات الأيديولوجية في فكره السياسي والاجتماعي، رائداً كبيراً من روَاد الفكر القومي العربي ومناضلاً دؤوباً من أجل وحدة العرب، في استحضاره واستعادته بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، ما يصحح الاتجاه نحو تحقيق الأهداف العربية الخائبة، وإعادة التفكير مجدداً بالمستقبل العربي المهدد.                                      

* كاتب لبناني

المصدر: اندبندنت عربية