الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الغرق الروسي في أوكرانيا

زكريا ملاحفجي

تقاوم أوكرانيا العدوان الروسي على مدى أكثر من أربعة أشهر مدافعة ليس عن وحدة أراضيها فحسب، بل تضمن أمن أوروبا بأسرها، وتثبت أوكرانيا أنها لا تزال ديمقراطية وأكثر مناهضة للاستبداد في العالم في الوقت نفسه، وأنها ملتزمة بحرية التعبير والمبادئ الديمقراطية.

الرئيس الروسي بوتين اعتبر الولايات المتحدة وحلفاءها ضعفاء عسكرياً وأنها غير راغبة في خوض الحرب ما عزز نيته لغزو أوكرانيا، ولعلّ انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، على وجه الخصوص، كان دافعاً له، فضلاً عن عدم إدراك بعض دول الاتحاد الأوروبي (في المقام الأول فرنسا وألمانيا) لخطر اللعب مع الديكتاتور الروسي الذي ستواجه أوروبا عواقبه الوخيمة هذا الشتاء بسبب أزمة الطاقة التي تُسبّبها موسكو.

استندت استراتيجية الاحتواء كلها إلى الاعتقاد بأنه من الممكن ردع بوتين عن طريق فرض عقوبات اقتصادية، ولذا لم تتكلل المحاولات الغربية لاسترضاء بوتين بالنجاح، مثلما فشلت محاولات استرضاء هتلر عشية الحرب العالمية الثانية. إن مهمة بوتين الرئيسية حالياً تتمثل في توسيع حدود ما هو مسموح به، فضلاً عن غزو أوكرانيا.

منذ بداية الحرب على أوكرنيا والأعمال القتالية واسعة النطاق يقوم الجيش الروسي بشن غارات جوية وصاروخية وضربات مكثفة على الأراضي الأوكرانية يومياً مستخدماً المدفعية الثقيلة والصواريخ والقنابل الجوية الحربية التي يبلغ وزنها عدة  أطنان وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وهكذا يمسح الغزاة الروس المدن والقرى الأوكرانية عن وجه الأرض ويقتلون سكانها المدنيين.

مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا يُعدُ التسليم السريع للمساعدات العسكرية إلى أوكرنيا أمراً بالغ الأهمية لتعزيز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها وأوروبا كلها في مواجهة العدوان الروسي، إذ ينفذ الكرملين هجمات مروعة على البنية التحتية المدنية في جميع أنحاء أوكرانيا راغباً في إبادة الشعب الأوكراني.

في وقت سابق أي الأسابيع الأولى من الحرب، حذر وزير الدفاع السابق في ما يسمى بـ”جمهورية دونيتسك الشعبية”، إيغور جيركين، القيادة الروسية من الفشل المحتمل لـ”العملية العسكرية الخاصة” في حال زود الغرب أوكرانيا بأسلحة ثقيلة.

في الحرب على أوكرانيا يواجه الجيش الروسي، الذي يقاتل وفق التعليمات وأنظمة القوات المسلحة السوفيتية، نوعاً جديداً من الجيوش، حيث تمكنت القوات المسلحة الأوكرانية من تطوير تكتيكات وتنظيم صفوفها على نحو مرن أكثر، وأثبت الجيش الأوكراني قدرته على صد القوات الروسية التي تقصف المدن الأوكرانية لأربعة أشهر على التوالي.

لا ريب في أن انتصار الجيش الأوكراني يؤدي إلى انهيار نظام بوتين بشرط تقديم الدول الغربية دعمها العسكري المعزز إلى أوكرانيا، وإلا قد يستمر العدوان الروسي إلى وقت وبطريقة غير متوقعين، ولكن تعزيز المساعدة الغربية العسكرية لأوكرانيا قد يكون ضماناً لهزيمة روسيا في هذه الحرب.

في الوقت الحاضر، تضيق دائرة الفرص المتاحة لروسيا الاتحادية، إذ بدأت تعاني من الصعوبات في مواصلة الأعمال القتالية ما يزيد سناريوهات قد تتخذها الحرب على أوكرانيا سوءاً. في الوقت عينه، يدرك الكرملين إدراكاً جيداً أن استخدام القوات المسلحة الأوكرانية للأسلحة الثقيلة قد يضع حداً لـ”العملية الخاصة” في أوكرانيا بسبب أن الجيش الروسي سيعجز عن الصمود على الجبهة.

إن أوكرانيا بحاجة إلى صواريخ ومدافع وذخائر عالية الدقة ومدرعات وأنظمة للدفاع الجوي وطائرات بدون طيار وصواريخ مضادة للسفن إلى جانب طائرات مقاتلة ومروحيات. نظراً إلى أن العديد من الأسلحة الغربية تتفوق على الأسلحة الروسية من حيث المدى والدقة والفعالية الكلية، ستقدر القوات الأوكرانية على شن ضربات على القوات الروسية، في المقام الأول، المدفعية الروسية من مسافة أبعد بكثير مما يكون عليه حالياً بعد أن تستلم أنظمة المدفعية الغربية بعيدة المدى.

ومن المرجح أن بوتين سيوقف الأعمال القتالية ويعطي الأمر لجيشه بالانسحاب من الأراضي الأوكرانية إن أدرك أنه لا يملك الموارد العسكرية الكافية لمواصلة العملية العسكرية وأنه ليس لديه فرصة للنجاح. ويسهم تزويد أوكرانيا بالأسلحة الثقيلة الغربية إسهاماً حقيقياً في ذلك.

وينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن بوتين قد يكتفي بالاستيلاء على دونباس وجنوب أوكرانيا بأكملها للاحتفال بانتصاره على أوكرانيا والدول الغربية. ولذلك، يتمثل انتصار أوكرانيا والعالم المتحضر بأسره على روسيا الاتحادية في استعادة جميع أراضي أوكرانيا التي احتلتها روسيا الاتحادية، بما في ذلك دونباس وشبه جزيرة القرم، فضلاً عن قيام روسيا بتعويض كل الخسائر التي منيت بها أوكرانيا في هذه الحرب.

* كاتب سوري

المصدر: آرام